من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
الباب الثالث من القسم الرابع من الفن الثانى فى الزهد والتوكل
وهذا الباب- وفّقنا الله وإياك لقصدنا، وألهمنا سلوك سبيل رشدنا؛ واستعملنا فى مراضيه، وجنّبنا عن الالتفات بالقول والفعل إلى معاصيه- من هذا الفنّ هو واسطة عقده، وعضد زنده، وقائم مرهفه وحدّ فرنده؛ وشبا سنانه، ومثنى عناته، وإنسان حدقته، وحدقة إنسانه؛ وكيف لا وهو للنفس درّة تاجها، وطبيب علاجها، وواضح منهاجها؛ ودليلها المرشد إذا ضلّ الدليل، ومنجيها من الهول الأعظم إذا فرّ المرء من الأخ والأمّ والأب والابن والصاحبة والخليل. فتأمله أيها المطالع بعين قلبك قبل ناظرك، واتخذه من أحصن جنتّك وأعدّ عددك وأنفس ذخائرك؛ ورض به نفسك إذا جمحت، وسكّن به آمالك إذا مالت إلى المطالع وجنحت. واعلم أن الدنيا ظلّ زائل، وعدوّ قد نصب لك الشّباك ومدّ الحبائل، وأنك لا بدّ مسئول عما اكتسبته منها، فليت شعرى ما أعددت لجواب المسائل؟
فهى العدوّ الذى أشبه بالصديق، والغادر الماكر الذى ما أخوفنى أنّ مكره بى وبك سيحيق. فاقتصر على القليل منها، واعلم أنك سترحل فى غد عنها؛ وأن الموت نازل بك فلا ينفعك ما جمعته من مال وخول، ولا يصحبك من الدنيا إلا ما قدّمته لآخرتك من صالح العمل؛ وأنّ مالك سيقتسمه من لعلّه لا يشكرك عليه، وماذا ينفعك شكره أن لو فعل! وغاية ما ينالك من دنياك، وإن بلغت منها مناك، وطال بها مداك؛ أن تتمتّع بزهرتها، وتنال من لذّتها؛ وقد علمت بالمشاهدة من حالك وحال غيرك ما يؤول أمر ملاذّها إليه فى العاجل، وما يتوقّع لمن اقتصر من دنياه عليها فى الآجل؛ فالمأكل والمشرب صائران إلى ما علمته وإنما تحصل اللذّة
بهما قبل الزدراد؛ والمنكح والمركب فأنت وهما فى الموت والفناء على ميعاد، والملابس فستخلقها الأيام بعد الجدّة، والمساكن فستعفّى الليالى آثارها ولو بعد مدّة.
فإذا علمت أن مآل الدنيا إلى الزوال، وقصاراها إلى الانتقال؛ وملاذّها إلى هذه الغاية، والعمر فيها وإن طال سريع النهاية؛ فتقلّل منها حسب طاقتك، واقتصر على ما تسدّ به بعض خلّتك وفاقتك؛ واعمل لآخرتك التى لا ينقضى أمدها، ولا يفنى من النعيم الدائم مددها. وقد أمرتك الخير وليتنى به لو ائتمرت، وأوضحت لك سبيل الرشاد وليتنى به لو مررت.
أمرتك الخير لكن ما ائتمرت بهوما استقمت فما قولى لك: استقم!
وسأورد إن شاء الله على سمعك من هذا الباب ما إن تمسّكت به كان سببا لإرشادك، وذخيرة تجدها فى يوم معادك.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع