تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وكتب أيضا فى مثل ذلك

ضاعف الله نعمة المجلس العالى، وبشّره بما أجرى الأمّة عليه من عوائد كرمه، وسره بما يسره من خصوص برّه وعموم نعمه، وهنّاه بما سنّاه من هرب جيش المحل بعد قدم وثباته وثبات قدمه، وأورد على سمعه من أنباء نصرة الخصب ما يتحقّق به أن لم يبق فى الأرض علم إلا تحت علمه، وأنه ذبح الجدب بسيف مدده الذى أنبأ بحمرة عندمه عن دمه، وبثّ سراياه فى الأقطار، على متون القطار، مرهفا على بقايا المحل سيوف بروقه ونبال ديمه؛ وضرب قباب موجه على المسالك، فلو هبّت بينها عاصفة جدب تعثّرت بأطناب خيمه، ولعب على ما شمخ من الرّبا، فعجب له من كامل يلعب وقد بلغ إلى هرمه! صدرت هذه المكاتبة تقصّ عليه من نعم الله أحسن القصص، وتهدى إليه من موادّ فضله ما يخصّ الشأم وأهله منه بأوفى الأقسام وأوفر الحصص، وتحثّه على شكر الله تعالى الذى به ينتهز من مزيد برّه أعظم الحظوظ وأفضل الفرص، وتعلم أنّ الله نصر جيش الرخاء بمدد لطفه على اليأس الذى تولّى الشيطان أمره فلمّا تراءت الفئتان نكص، وأنعم على خلقه بما أرخصته عزائم كرمه بهم، فوجب أن تقابل نعمه بعزائم الشكر دون الرّخص؛ وذلك أن الله تعالى أجاب دعوة المضطرّ، وأفاض برّه العميم على الغنىّ والفقير والقانع والمعترّ؛ وأحيا الأرض بعد موتها، وتدارك برحمته دنيا الدّهماء بعد أن أشرفت على فوتها؛ وأجرى الخلق على عوائد كرمه، وأجرى لهم بقدرته من حجب الغيب موادّ نعمه، وأعلى لديهم موارد نيلهم حتى كاد ما يشرب بفروق ساقه يتناول الماء بفمه؛ وأمر البحر فأقبل بالفرج القريب من الأمد البعيد، وأذن له فى الترفّع من محلّه فسجد على التّرب شكرا وتيمّم الصعيد وإن لم يبق به الآن على وجه

الأرض صعيد؛ وأسرى منه ركائب السرور إلى الأقطار ففى كلّ ناد من هديره حاد وفى كل برّ من بروره بريد، وذكّر بإحياء الأرض بعد موتها إحياء أمواتها، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ

، ونشر ألويته على الثّرى لأهل الأرض بشرا بين يدى رحمته، وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ

؛ وأقبل بعد نقص عامه الماضى بوجه عليه حمرة الخجل، وعزم سبق سيفه إلى المحل العذل بل الأجل، وحزم أدرك الجدب بوجه قبل أن يقول: سآوى إلى جبل، واستظهار على كلّ ما علا من الأرض حتى إن الهرمين باتا منه على وجل؛ ومهّد الأرض التى كانت ترقبه فهو لها المنتظر على الحقيقه، ووطئ بطن القرى فنتج الخصب بينهما وذبح المحل فى العقيقه؛ وقطع الطّرق فآمن بذلك كلّ حاضر وباد ورائح وغاد، واتّبعه الرّىّ لا الرّوىّ حتى أضحى كالشعراء يهيم فى كل واد؛ وعمت بركاته على الأرض «فتركن كل قرارة كالدرهم» من الخصب مرتعا، وأربى على ريّه فيما سلف من السنين، فأضحى كهوى ابن أبى ربيعة «يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا»؛ وتجعّد على الآكام فخيّل للعيون أنها تسيل، وشيّب مفارق الرّبا ببياض زبده، وعادة بياض الشيب أن يخضب بورق النيل. وكأنّ ما بقى من المحل قد جعل بينه وبينه سدّا، وتستّر منه ورآه وهو يملى ويعدّ له عدّا؛ فصدمه بقلبه وجعله دكّا إذ جاء أمر ربه وأدركه وملكه، وسفك دمه فجرى مستطيلا إذ سفكه؛ ووفى بما وعد من ظفره، وأتى لنصرة الخصب من مكان بعيد فأسفر عن النّجح وجه سفره، وأسبل على مقياسه ستر السرور لإخفاره ذمّة الجدب لا لخفره، وبشّر مصره بنصرة سرايا السحائب

فى أقطار الممالك لأنها من أشياعه ونفره. ولما كان اليوم الفلانى علّق الستر وخلّق المقياس، وكسر الخليج فكان فى كسره جبر للخليقة ومنافع للناس؛ وذلك بعد أن وفّى النيل المبارك ستة عشر ذراعا، وصرف فى مصالح البلاد يدا تضنّ بالبذل خرقا وتكفى بحسن التدبير ضياعا، [وبثّ فى أرجاء الأعمال بحارا تحسب بتلاطم الأمواج ركاما وبمضاعفة الفجاج سراعا]. وهو بحمد الله آخذ فى ازدياده إلى حدّه، جار على اعتياده فى المشى على وجه الثرى وخدّه؛ يتتبّع أدواء المحل تتبّع طبيب خبير، ويعكس بيت أبى الطّيّب فتمسى وبسطها تراب، ويصبّحها وبسطها حرير. وقد وثقت الأنفس بفضل الله العميم، وأصبح الناس بعد قطوب اليأس تعرف فى وجوههم نضرة النّعيم؛ تيمّنا ببركة أيّامنا التى أعادت إليهم الهجوع، وأعاذتهم مما ابتلى به غيرهم من الخوف والجوع. فليأخذ المجلس العالى حظّه من هذه البشرى التى خصّت وعمّت، ووثقت النفوس بمزيد النعمة إذ قيل: تمّت؛ ويذيعها فى الأقطار، ويعرّفهم قدر ما منح الله جيوش الإسلام من فضله الذى يعجب الزّرّاع ليغيظ بهم الكفّار؛ ويستقبل نعم الله التى سيسم الأرض وسميّها ويولى النعم وليّها ويأتى بالبركات أتيّها حتى تغصّ بالنعم تلك الرّحاب، ويظنّ لعموم رىّ البلاد الشاميّة أنّ نيل مصر وصل إليها على السّحاب؛ ويقيم منار العدل الذى هو خير بالأرض من أن تمطر، ويعفّى آثار الظلم حتى لا تكاد تظهر.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.