تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

الباب الثانى من القسم الرابع من الفن الثانى فى المراثى والنوادب

والمراثى إنما جعلت تسلية لمن عضّته النوائب بأنيابها، وفرّقت الحوادث بين نفسه وأحبابها؛ وتأسية لمن سبق الى هذا المصرع، ونهل من هذا المشرع؛ ووثوقا باللّحاق بالماضى، وعلما أنّ حادثة الموت من الديون التى لا بدّ لها من التقاضى؛ وأنه لا سبيل إلى الخلود والبقاء، ولا بدّ لكلّ نفس من الذّهاب ولكلّ جسد من الفناء.

قال الله تعالى فى محكم تنزيله مخاطبة لرسوله: وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ.

فليرض من فجع بخليله وشقيقه، وصاحبه وصديقه؛ وأهله وولده، وجمعه وعدده، وماله ومدده؛ نفسه الجامحة فى ميادين أسفها وبكائها، الجانحة إلى طلب دوائها من مظانّ أدوائها؛ بزمام الصبر الجميل، لينال الأجر الكريم والثواب الجزيل؛ فقد أثنى الله تعالى على قوم بقوله: وَالصَّابِرِينَ عَلى ما أَصابَهُمْ

؛ وقال تعالى إخبارا عن لقمان فى وصيّته لابنه: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ

. وليسترجع من أصابته مصيبة أو نزلت به بليّة، وطرقته حادثة أو ألّمت به رزيّة؛ لما جعل الله تعالى للمسترجع بفضله ومنّته، من صلاته عليه ورحمته؛ قال الله ﷿:

الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ

. وليتأسّ الفاقد برسول الله ﷺ، فقد جعل الله فيه أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر، وليقتد بأصحابه رضى الله عنهم ليفوز بثواب الصابر ويحوز أجر الشاكر.

وباب الرّثاء فهو باب فسيح الرّحاب والنوادى، فصيح اللسان فى إجابة المنادى ذى القلب الصادى؛ متباين الأسلوب، مختلف الأطراف متباعد الشعوب؛ منه ما يصمى القلوب بنباله، ومنه ما يسلّيها بلطيف مقاله؛ ومنه ما يبعثها على الأسف، ومنه ما يصرفها عن موارد التلف. وقد أكثر الشعراء القول فى هذا الباب، وارتقوا الذّروة العلياء من هذه الهضاب؛ ووجدوا مكان القول ذا سعة فقالوا، وأصابهم هجير اللوعة فمالوا إلى ظلّه وقالوا. قال الأصمعىّ: قلت لأعرابىّ: ما بال المراثى أشرف أشعاركم؟ قال: لأنا نقولها وقلوبنا محترقة. وعلى الجملة فالموت هو المصيبة التى لا تدفع، والرزيّة التى لا تردّ بكثرة الجموع ولا تمنع؛ والحادثة التى لا تنصرف بالفداء وإن جلّ مقداره، والنازلة التى لا تتأخر عن وقتها بالدعاء وإن عظمت فى غيرها آثاره؛ وهو أحد الأربعة التى فرغ منها، وصرفت وجوه المطامع عنها.

وقد قالت الحكماء: أعظم المصائب كلّها انقطاع الرجاء. وقالوا: كل شىء يبدو صغيرا ثم يعظم إلا المصيبة فإنها تبدو عظيمة ثم تصغر. وقالوا: لا يكون البكاء إلا من فضل، فإذا اشتدّ الحزن ذهب البكاء. قال شاعر:

فلئن بكيناه لحقّ لناولئن تركنا ذاك للصّبر
فلمثله جرت العيون دماولمثله جمدت فلم تجر

وقيل: مرّ الأحنف بامرأة تبكى ميّتا ورجل ينهاها؛ فقال: دعها فإنها تندب عهدا وسفرا بعيدا. قيل لأعرابيّة مات ابنها: ما أحسن عزاءك؟ قالت:

إنّ فقدى إيّاه آمننى كلّ فقد سواه، وإنّ مصيبتى به هوّنت علىّ المصائب بعده؛ ثم أنشأت تقول:

كنت السواد لمقلتىفعمى عليك النّاظر
للشاعر إبراهيم بن العباس الصولي، اقرأ القصيدة
من شاء بعدك فليمتفعليك كنت أحاذر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كنت السواد لناظري»
ليت المنازل والدّيار حفائر ومقابر
إنّى وغيرى لامحالة حيث صرت لصائر

وقد نقل أبو الفرج الأصفهانى: أن بعض هذا الشعر لإبراهيم بن العباس بن محمد بن صول يرثى ابنا له فقال:

أنت السواد لمقلةتبكى عليك وناظر
من شاء بعدك فليمتفعليك كنت أحاذر
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «كنت السواد لناظري»

ولم يزد على هذين البيتين شيئا. أخذ الحسن بن هانىء معنى البيت الأوّل فقال فى الأمين:

طوى الموت ما بينى وبين محمدوليس لما تطوى المنيّة ناشر
وكنت عليه أحذر الموت وحدهفلم يبق لى شىء عليه أحاذر
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «طوى الموت مابيني وبين محمد»
لئن عمرت دور بمن لا نحبّهلقد عمرت ممّن نحبّ المقابر

وقيل: من أحسن ما قيل فى التّعازى أنّ أعرابيّا مات له ثلاثة بنين فى يوم واحد فدفنهم وعاد إلى مجلسه، فجعل يتحدّث كأن لم يفقد أحدا؛ فليم على ذلك، فقال: ليسوا فى الموت ببديع، ولا أنا فى المصيبة بأوحد، ولا جدوى للجزع، فعلام تلوموننى، وهذه ثلاثة الأقسام لا رابع لها!. وعزّى أعرابىّ رجلا فقال: لا أراك الله بعد مصيبتك ما ينسيكها. وقيل: لمّا دفن على بن أبى طالب رضى الله عنه فاطمة رضى الله عنها تمثّل على قبرها بهذين البيتين:

لكل اجتماع من خليلين فرقةوكلّ الذى دون الممات قليل
للشاعر علي بن أبي طالب، من قصيدة «أرى علل الدينا علي كثيرة»
وإن افتقادى واحدا بعد واحددليل على ألّا يدوم خليل
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «فقدت أخلائي الذين سألتهم»

وعزّى علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه الأشعث بن قيس عن ابنه فقال:

إن تحزن فقد استحقّت ذلك منك الرّحم، وإن تصبر ففى الله خلف من كلّ هالك، مع أنك إن صبرت جرى عليك القدر وأنت مأجور، وإن جزعت جرى عليك القدر وأنت موزور؛ سرّك الله وهو بلاء وفتنة، وحزنك وهو ثواب ورحمة.

وعزّى أكثم بن صيفىّ حكيم العرب عمرو بن هند الملك عن أخيه فقال: أيها الملك، إنّ أهل هذه الدار سفر لا يحلّون عقد الرحال إلا فى غيرها، وقد أتاك ما ليس بمردود عنك، وارتحل عنك ما ليس براجع إليك، وأقام معك من سيظعن ويدعك؛ فما أحسن الشكر للمنعم والتسليم للقادر! وقد مضت لنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد أصله! واعلم أن أعظم من المصيبة سوء الخلف منها، وخير من الخير معطيه، وشرّ من الشر فاعله.

وقال ابن السّماك: المصيبة واحدة، فإن كان فيها جزع فهى اثنتان. وقال أبو على الرّازى: صحبت الفضيل بن عياض ثلاثين سنة ما رأيته ضاحكا ولا متبسّما إلا يوم مات ابنه علىّ؛ فقلت له فى ذلك؛ فقال: إنّ الله أحبّ أمرا فأحببت ما أحبّ الله. وقال صالح المرّىّ: إن تكن مصيبتك فى أخيك أحدثت لك خشية فنعم المصيبة مصيبتك، وإن تكن مصيبتك بأخيك أحدثت لك جزعا فبئست المصيبة مصيبتك. وقال علىّ بن موسى للفضل بن سهل يعزّيه: التهنئة بآجل الثواب أولى من التّعزية على عاجل المصيبة. وعزّى الرشيد رجل فقال: كان لك الأجر يا أمير المؤمنين لا بك، وكان العزاء لك لا عنك. أخذه الآخر فقال:

كن المعزّى لا المعزّى بهإن كان لا بدّ من الواحد
للشاعر أبو فراس الحمداني، من قصيدة «قولا لهذا السيد الماجد»

وقال عمر بن عبد العزيز لابنه عبد الملك وقد اشتدّ به الألم: كيف تجدك يا بنىّ؟ قال: أجدنى فى الموت، فاحتسبنى، فإنّ ثواب الله خير لك منى. قال:

والله يا بنىّ لأن تكون فى ميزانى أحبّ إلىّ من أن أكون فى ميزانك. قال: وأنا والله لأن يكون ما تحبّ أحب إلىّ من أن يكون ما أحبّ.

وعزّى شبيب بن شبّة أبا جعفر المنصور بأخيه أبى العباس السفّاح فقال:

جعل الله ثواب ما رزئت لك أجرا، وأعقبك عليه صبرا؛ وختم لك بعافية تامّة، ونعمة عامّة؛ فثواب الله خير لك منه، وأحقّ ما صبر عليه ما ليس إلى تغييره سبيل.

ودخل البلاذرىّ على علىّ بن موسى الرّضا يعزّيه بآبنه فقال: أنت تجلّ عن وصفنا، ونحن نقصر عن عظتك، وفى علمك ما كفاك، وفى ثواب الله ما عزّاك.

فهذه نبذة فى التعازى كافية، وجنّة لمن تحصّن بها من ذوى الفجائع واقية.

فلنذكر المراثى.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.