من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء مما هنّئ به ولاة المناصب
كتب بعض الفضلاء تهنئة بخلافة فقال:
أمّا بعد، فإن أولى النعم بالدوام، وأرجاها للبقاء والتمام، وأجدرها بالخلود، وأقربها إلى المزيد، وأحراها بالسلامة على نوب الأيام وتصاريف الأحداث، نعمة نشأت بفنائه، وسكنت ذراه فحمدت مثواه، وساسها أولياؤها بحسن المجاورة وكرم المصاحبة سياسة الحانى الشفيق، وكفلوها كفالة الحدب الرفيق؛ فنمت وتمّت، وخصّت وعمّت؛ ثم اعترضها من ريب الزمان ما هاج سواكنها، وأزعج كوامنها؛
وأصارها إلى الوحشة بعد الأنس، والنّفرة بعد الإلف، تتقلقل تقلقل العوادى، وتشرد شرود الضوالّ، لافظة لها الأقطار ونابية بها المحالّ؛ إلى أن أعادها الله تعالى بلطفه إلى مغناها المعروف، وربعها المألوف؛ واستقرّت بعد الاضطراب، وفاءت بعد الاغتراب. وتلك نعمة الله عند سيّدنا أمير المؤمنين، لما جدّد له من كرامته، واصطفاه له من خلافته، وطوّقه إياه من إمامته؛ وردّه إليه من تدبير الملك، واعتمد عليه من سياسة الأنام؛ فأحيا به السّنن القاصرة، وأزال به الرسوم الجائرة؛ ونهج به سبيل العدل، وأقام به منار الفضل.
وقال طريح بن إسماعيل الثّقفىّ فى المنصور لمّا أفضت الخلافة إليه:
لمّا أتى الناس أنّ ملكهمإليك قد صار أمره سجدوا
واستبشروا بالرضا تباشرهمبالخلد لو قيل إنهم خلدوا
كنت أرى أنّ ما وجدت من الفرحة لم يلق مثله أحد
حتى رأيت العباد كلّهمقد وجدوا فيك مثل ما أجد
قد طلب الناس ما بلغت فمانالوا ولا قاربوا ولا جهدوا
يرفعك الله بالتّكرّم والتقوى فتعلو وأنت تقتصد
وقال زيد السّندىّ يهنئ الوزير يعقوب بن كلّس بوزارة العزيز بمصر:
إنّ الوزارة لم تزل بك صبّةتهواك لم يخطر سواك ببالها
خطبت فلم تعط القياد لطالبوأبت على طلّابها بوصالها
وقال ابن بشر الصّقلّىّ الكاتب يهنّئ الحسن بن إبراهيم التّسترىّ بوزارة مصر، وقد وزر للمستنصر فى سنة أربع وخمسين وأربعمائة:
بيومك طارت فى البلاد البشائروطابت بمرجوع الحديث المحاضر
وأصبحت الأمصار أمنا وغبطةأسرّتها مهتزّة والمنابر
وقام خطيب الحمد فى كل موقفيعدّد ما تملى عليه المآثر
ومنها:
لقد عاشرت منك الوزارة ما جداله كنف لا يجتويه المعاشر
فسيح امتداد الظّلّ بين رحابهوبين المعالى آهل الرّبع عامر
«فألقت عصاها واستقرّ بها النّوىكما قرّ عينا بالإياب المسافر»
وما زلت ملحوظا لها ومؤهّلالذا الأمر مذ شدّت عليك المآزر
وقال آخر:
كلّما رمت أن أهنّيك وقتابمحلّ من العلا ترتقيه
شمت مقدارك الذى أعجز الواصف أعلى من الذى أنت فيه
وكتب الحمدونىّ أخو صاحب التّذكرة يهنّئ بالسلامة من حريق وقع فى دار الخلافة:
الدّنيا- أعزّ الله أنصار الخدمة الشريفة- دار الامتحان والاختبار، ومجاز الابتلاء والاعتبار؛ ولله فيما نزّله فيها إلى عباده من نعمه، وتخوّلهم من مواهبه وقسمه، عادات يقتضيها بالغ حكمته، وماضى إرادته ومشيئته؛ ليستيقظ الذاهل، ويعترف الجاهل؛ ويزداد العالم اللبيب اعتبارا، ويستفيد العاقل الأريب تفكّرا واستبصارا؛ فلا يغفل عن واجب الشكر إذا سيقت النعمة إليه، ولا يلهو عن استدعاء المزيد منها بالاعتراف إذا أسبغت عليه؛ وهو أن البارى سبحانه إذا تابع آلاءه إلى عبد ووالاها، [وجرّدها] له من الشوائب وأخلاها؛ أماط عن مشاربها أكدار الدنيا المطبوعة على الكدر، وغمر مساربها بالأمن من طوارق الغير؛ خيف عليها الانتقاض والزوال، وتوقّع لها الانتهاء والانتقال. ومن ذلك الخبر المروىّ: أنه لما أنزل الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) ابتهج الصحابة رضى الله تعالى عنهم إلا عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فإنه بكى. فقالوا:
ما يبكيك وقد أكمل الله لنا ديننا برحمته، وأتمّ لنا سابغ نعمته؟ فقال: يبكينى أنه ماتم أمر إلا بدا نقصه. فقبض رسول الله ﷺ عن قريب. وإذا كانت مشوبة برائع يتخلّل صفوها، وطارق يجهم فى بعض الأوقات عفوها؛ كان ذلك صارفا عنها عين الكمال، مؤذنا بطول الآجال؛ حاكما لها بتراخى عمر البقاء، دالّا على الصعود بها إلى درج المكث الطويل والارتقاء؛ وحكمه حكم المرض الذى تصحّ به الأجساد، وتمحّص ذنوب من يسلّط عليه من العباد:
فلا يبهج الأعداء سوء ظنونهمفلله صنع فى الذى ساء ظاهر
فكم طالب شيئا به الشرّ كامنوكم كاره أمرا به الخير وافر
فلله الحمد الذى جعل ما جرت به الأقدار من الألم الواقع ظاهره، الوجل لوقعه ناظره؛ لعنايته جلّت عظمته عنوانا، وعلى دوام نعمته دليلا واضحا وبرهانا. وإليه الرغبة فى أن يجعل الديار وساكنيها، والناس فى أقاصى الدّنيا وأدانيها؛ لشريف الحوزة التى بها صلاح العالم فداء، وعنها للمكروه وقاء. فكل حادث مع دوام هذه الأيام الزاهرة جلل، وكل غمر من نوائب الدهر ما دافع لطف الله عنها وشل.
وقال أبو عبادة البحترىّ يهنّئ الفتح بن خاقان بسلامته من الغرق:
بعدوّك الحدث الجليل الواقعولمن يكايدك الحمام الفاجع
قلنا: لعا لمّا عثرت ولا تزلنوب الليالى وهى عنك رواجع
ولربما عثر الجواد وشأوهمتقدّم ونبا الحسام القاطع
لن تظفر الأعداء منك بزلّةوالله دونك حاجز ومدافع
إحدى الحوادث شارفتك فردّهاصنع الإله ولطفه المتتابع
حتى برزت لنا وجأشك ساكنمن نجدة وضياء وجهك ساطع
ما حال لون عند ذاك ولاهفاعزم ولا راع الجوانح رائع
وقال المتنبّى يهنّئ بعافية:
المجد عوفى إذ عوفيت والكرموزال عنك إلى أعدائك الألم
وما أخصّك فى برء بتهنئةإذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
ومما هنّئ به من اتّصل بزوجة ذات جمال وحسب، وأصالة وأدب.
وقلما تقع التهنئة بذلك إلامين صديقين صحّ بينهما الالتئام، وسقطت بينهما مؤنة الاحتشام؛ وتساويا فى الرتبة، واتّحدا فى الصحبة.
فمن ذلك ما كتب به الوزير أبو الحسن العامرىّ إلى بعض إخوانه وقد ابتنى بأهل:
بأيمن طائر وأتمّ سعديكون من الكريمين اجتماع
أما إنّه المجد اليفاع، والحسن المطاع، تعارفت الطباع، فالتأمت الأنفس الشّعاع؛ كما التقى الثّريّان، واقترن النيّران؛ كما حاصر الرئم الضيغم، وهاصر النسيم الغصن المنعّم؛ كما راق فوق المعطف الصارم العضب، كما التقت الصهباء والبارد العذب؛ بل كما فازت القداح، ونظم الوشاح؛ واعتنق شنّ طبقه، واعتلق الرّوض عبقه. فحبّذا النّسب شابكه الصّهر، والحسب عاقده التّقى والبرّ؛ على حين جرت الأيامن، واكتنف الحرم الآمن. وبالبنين والرّفاء، والنعيم والصّفاء، والثروة والنماء والزمن الرّغد والعزّة القعساء الشّماء؛ على الوفاق، والوئام والاتّساق؛ والحظوظ والجدود، والفسطاط الممدود، وهصر العيش الأملود، والالتئام وتتابع البشرى بالفارس المولود. ومالى تأوّدت أعطافا، وتأنّقت أوصافا! وتهلّلت جذلا، وبسطت فى الدعاء مذلا ! أهنأنى الأرب، أم صفا لى المشرب! وقد غبت عن اليوم المشهود،
وعطّلت سدّة الإذن للوفود، ولم أقم فى السّماط، سافرا عن وجه الاغتباط؛ أتلقّى الوالج بمبرور التحيّة، وأفدّى الخارج بحكم السرور والأريحيّة؛ وأتخدّم رفع الوحى والإيماء، وأتقدّم من المصافاة والموالاة فى الغفير الجمّاء، كلا! ولا شهدت ليلة الزّفاف، وما حلت من محاسنها الأفواف؛ حيث دارت المنى سلافا؛ وصارت العلا دوحة ألفافا؛ وأبدى رونق السيف جلاء، وأبرز عقيلة الحىّ هداء؛ هنالك حلّت النعماء، ونهلت الأظماء؛ فياله منظرا، ووعدا منتظرا؛ لو ناجيته من كثب، وكرعت منه فى المنهل الأعذب! بلى! إنه وقع، فشفى ونفع؛ والرّكب سنح، فنعم ما منح؛ أهداها حملا، فكأنما أسداها أملا؛ أثلج الفؤاد، وأورى الزّناد، وفى بالنفس أو كاد؛ وملت عن قراه، نفس جذلت بسراه، وأرجت لذكراه. ولله ما أحظاه مقدما وأعلاه فى الإحسان قدما، لو وهبت لمقتضاه من الكرامة دما. وقد كان فى الحق أن أهاجر، وأعصى الناهى والزاجر؛ فابسط لى عذرا، وأعدّنى لك ذخرا، وطب مدى الدهر خبرا وخبرا.
ومما هنئ به من رزقه الله ولدا وزاده به قوّة وعددا. فمن ذلك ما كتب به الأستاذ ابن العميد فى فصل يهنئ عضد الدولة بن بويه وقد ولد له ابنان توءمان:
وصل كتاب الأمير بالبشرى التى أبت النعمة بها أن تقع مفردة، وامتنعت العارفة فيها أن تسنح موحدة، حتى تيسّرت منحتان فى وطن، وانتظمت موهبتان فى قرن، وطلع من النجيبين أبى القاسم وأبى كاليجار- أدام الله عزّهما- طالعا ملك، ونجما سعد، وشهابا عزّ، وكوكبا مجد؛ فتأهلت بهما رباع المحاسن، ووطّئت لهما أكناف المكارم، واستشرفت إليهما صدور الأسرّة والمنابر. وفهمته وشكرت
الله تعالى شكر من نادى الامال فأجابته مكتّبة، ودعا الأمانى فجاءته مصحبة، وحمدته حمدا مكافئا جسيم ما أتاح وعظيم ما أفاد؛ واكتنفنى من السرور ما فسح مناهج الغبطة، وسهّل موارد البهجة؛ وأشعت ما ورد إشاعة شرحت صدور الأولياء بمسارّها، وأزعجت قلوب الأعداء عن مقارّها؛ وسألت الله إتمام ما آذن به الأميران السيّدان من سعادة لا يهتدى إليها الاختيار علوّا، ولا ترتقى اليها الأفكار سموّا؛ وسلطان تضيق البحار عن اتساعه، وتنخفض الأفلاك عن ارتفاعه؛ ويبلّغهما أفضل ما تقسمه السعود، وتعلو به الجدود، حتى يستغرقا مع السابقين إخوتهما مساعى الفضل، ويشيدا قواعد الفخر، ويرجما صروف الدهر، ويضبطا أطراف الأرض، وهو تعالى قريب مجيب.
ومن كلام الوزير الفقيه أبى القاسم محمد بن الجدّ الأندلسىّ:
إنّ أحقّ ما انبسط فيه للتهنئة لسان، وتصرّف فى ميادين معانيه بيان وبنان؛ أمل رجّى فتأبّى زمانا، واستدعى فلوى عنانا؛ وطاردته الأمانىّ فأتعبها حينا، وغازلته الهمم فأشعرها حنينا؛ ثم طلع غير مرتقب، وورد من صحبة المناجح فى عسكر لجب؛ وكان كالمشير إلى ما بعده من مواكب الآمال، والدليل على ما وراءه من كواكب الإقبال؛ أو كالصّبح افترّت عن أنوار الشمس مباسمه، والبرق تتابعت إثر وميضه غمائمه. وفى هذه الجملة ما دلّ على المولود، المؤذن بترادف الحظوظ وتضاعف السعود. فياله نجم سعادة، طلع فى أفق سيادة؛ وغصن سناء، تفرّع عن دوحة علاء. لقد تهلّلت وجوه المحاسن باستهلاله، وأقبلت وفود الميامن لاستقباله؛ ونظمت له قلائد التّمائم، من جواهر المكارم؛ وخصّ بالثّدىّ الحوافل، بلبان الفضائل. وما كان منبت الشرف بإفراد
تلك الأرومة الكريمة إلا مقشعرّ الرّبا، مغبرّ الثرى، متهافت أغصان الرضا. فأمّا وقد اهتزّ أيكة السّيادة قضيب، ونشأ من نبتة النّجابة نجيب؛ فأخلق بذلك المنبت أن تعاوده نضرته، وترفّ عليه حبرته؛ ويراجعه رونقه وبهاؤه، وتضاحكه أرضه وسماؤه. فالحمد لله على ما أتاحه من انثناء الأمل من جماحه، واختيال الجذل فى حلبة غرره وأوضاحه. وهو المسئول أن يهبك منه صنعا يحسن فى مثله الحسد، ويتمنّى لفضله النسل والولد، بعزّته.
وقال أبو هلال العسكرىّ:
قد زاد فى عدد الكرام كريممحض صريح فى الكرام صميم
عالى المحلّة لا يزال كأنهللفرقدين وللسّماك نديم
فلأمره التتميم كيف تصرّفتحالاته، ولشأنه التفخيم
فابشر فقد وافاك يوم رزقتهحظّ بتخليد السرور زعيم
فرع تكفّل دهره بتمامهحتى يكّر الدهر وهو أروم
إنّ الهلال يصير بدرا كاملاويهدّ سدّ اللّيل وهو بهيم
وهو الوجيه إذا تبدّى وجههوغدا إذا نزل العظيم عظيم
فلأهله شرف به متوطّدولهم به شرف أشمّ عميم
فاقرر به عينا فإنّ خلالهتصفو وتسلس أو يقال نسيم
ولجدّه التصميم حيث تلاحقتأقرانه ولشأوه التّقديم
ومن كلام الصاحب بن عبّاد تهنئة ببنت:
أهلا وسهلا بعقيلة النساء، وأمّ الأبناء؛ وجالبة الأصهار، وأولاد الأطهار؛ والمبشّرة بإخوة يتنافسون، ونجباء يتلاحقون.
فلو كان النّساء كمثل هذىلفضّلت النّساء على الرّجال
وما التأنيث لاسم الشمس عيبولا التذكير فخر للهلال
فادّرع يا سيّدى اغتباطا، واستأنف نشاطا؛ فالدنيا مؤنّثة والرجال يخدمونها، والذكور يعبدونها؛ والأرض مؤنّثة ومنها خلقت البرية؛ وفيها كثرت الذّرّيّة؛ والسماء مؤنّثة وقد تزيّنت بالكواكب، وحليت بالنجم الثّاقب؛ والنّفس مؤنّثة وهى قوام الأبدان، وملاك الحيوان؛ والجنّة مؤنّثة وبها وعد المتّقون، وفيها ينعم المرسلون.
فهنيئا هنيئا ما أوليت، وأوزعك الله شكر ما أعطيت؛ وأطال بقاءك ما عرف النسل والولد، وما بقى الأبد، وكما عمّر لبد.
ومن كلام أبى المكارم بن عبد السلام من شعراء الخريدة:
هذا شعيب النبىّ بابنته صفوراء استأجر موسى كليم الله. وهذا سيّد المرسلين، أبقى الله بفاطمة ابنته نسله إلى يوم الدّين. وهذه أمّ الكتاب سمّيت الفاتحة، وهى لأبواب مناجاة الرحمن فاتحة. وهذه محكمات القرآن، بها ثبتت شرائع الإيمان.
وهذه سورة النساء وسمّيت بهنّ وهى من الطّوال، ولا سورة من القصار سمّيت بالرجال. على أنّ الدّنيا بأسرها مؤنّثة والملوك من خدّامها، والشّمس مؤنّثة والضّياء والبهاء من تمامها؛ والنفس تؤنّث وبها فضّل الناس، والحياة تؤنّث وهى أساس الحواس؛ والعين تؤنّث وبها يتوسّل الى علم الدقائق؛ واليد تؤنّث وهى المتصدّية لتحبير الأشياء، والعضد تؤنّث وبها استعانة سائر الأعضاء؛ والسماء تؤنّث وهى تزجى الأمطار، والأرض تؤنّث وهى مجمع أطايب الثّمار، والجنّة تؤنّث وبها وعد الأبرار الأخيار؛ والعين (أعنى الذهب) تؤنّث وبها يدفع الهلك، والقوس تؤنّث وبها عزّ الملك.
ومما هنّئ به فى المواسم والقدوم- قال ابن الرومى تهنئة بعيد الفطر:
قد مضى الصّوم صاحبا محموداوأتى الفطر صاحبا مودودا
ذهب الصّوم وهو يحكيك نسكاوأتى الفطر وهو يحكيك جودا
وقال آخر:
رأى العيد وجهك عيدا لهوإن كنت زدت عليه جمالا
وكبّر حين رآك الهلالكفعلك حين رأيت الهلالا
رأى منك ما منه أبصرتههلالا أضاء ووجها تلالا
وقال ابن الرومىّ يهنّئ بعيد أضحى وهو يوم نوروز:
عيدان: أضحى ونوروز كأنهمايوما فعالك من بؤس وإنعام
كذاك يوماك: يوم سيبه ديمعلى العفاة، ويوم سيفه دامى
وقال أبو إسحاق الصّابى:
يا سيّدا أضحى الزمان بأنسه منه ربيعا
أيّام دهرك لم تزلللنّاس أعيادا جميعا
حتى لأوشك بينهاعيد الحقيقة أن يضيعا
وقال الشّريف الرّضىّ تهنئة بقدوم:
قدم السّرور بقدمة لك بشّرتغرر العلا وعوالى التّيجان
قلقت ظبا الأسياف منك بفرحةفتكاد تنهضها من الأجفان
قد كان هذا الدهر يلحظ جانبىعن طرف ليث ساغب ظمآن
فالآن حين قدمت عدن صروفهيرمقننى بنواظر الغزلان
ومما قيل من شواذّ التهانى وهى الجمع بين التهنئة والتعزية، والبشارة والتسلية- فمن ذلك ما قاله عبد الملك بن صالح للرشيد، وكان من يحسده قد قال للرشيد عنه: إنه يعدّ كلامه. فأنكر الرشيد ذلك وقال: بل هو طبع. وجلس فى بعض الأيام ودخل عبد الملك؛ فقال الرشيد للفضل: قل له: ولد لأمير المؤمنين
فى هذه الليلة ابن ومات له ابن. فقال الفضل له ذلك. فدنا عبد الملك وقال:
يا أمير المؤمنين، سرّك الله فيما ساءك، ولا ساءك فيما سرّك، وجعلها واحدة بواحدة، ثواب الشاكر وأجر الصابر. فقال الرشيد: أهذا الذى زعموا أنه يتصنّع الكلام! ما رأى الناس أطبع من عبد الملك فى الفصاحة.
ومن ذلك ما حكاه ثمامة بن أشرس قال: لمّا دخل المأمون بغداد بعد قتل الأمين دخلت عليه زبيدة بنة جعفر أمّ الأمين، فجلست بين يديه وقالت: الحمد لله! إن أهنّئك بالخلافة فقد هنّأت بها نفسى قبل أن أراك، وإن كنت فقدت ابنا خليفة لقد اعتضت ابنا خليفة. وما خسر من اعتاض مثلك، ولا ثكلت أمّ ملأت عينها منك. وأنا أسأل الله أجرا على ما أخذ، وإمتاعا بما وهب. فقال المأمون:
ما تلد النساء مثل هذه، ما تراها أبقت فى الكلام لبلغاء الرجال! وقال عبد الله بن الحسن الجعفرىّ السمرقندىّ يهنّئ العزيز بخلافة مصر ويرثى أباه المعزّ:
قد أصبح الجوهر العلوىّ منتقلافى خير من كان من خير الورى بدلا
يا منحة كملت فى محنة عظمتلو لاك فى الدّهر ما نال امرؤ أملا
صنع من الله فى خطب أتيح لناعمّ البلاد وعمّ السّهل والجبلا
كان الزمان بمن أبقى ومن أخذتصروفه مدنبا طورا ومنتصلا
قام العزيز بما أفضى المعزّ بهإليه مضطلعا بالعبء محتملا
فقام أحفظ مسترعى رعى فكفىمن بعد خير إمام قوم الميلا
كالسيف منصلتا والبحر مندفقاوالبدر مؤتلقا والغيث محتفلا
ومنها:
فى طلعة البدر من شمس الضّحى عوضوظلمة الّليل يجلو جنحها ابن جلا
وما الأئمّة إلا أنجم زهريبدو لنا كوكب إن كوكب أفلا
إنّ المعزّ الذى لا خلق يشبههإلّا العزيز ابنه إن قال أو فعلا
ملك وجدنا التّقى والعدل عدّتهإذا الملوك استعدّوا الكيد والحيلا
سمت الى العالم النّورىّ همّتهففارق القمّ الأرضىّ وانتقلا
وراجعت نفسه فى القدس عنصرهاولم يزل بحبال الله متّصلا
لم يرض خلقا من الدّنيا يجاورهإلّا الملائك فى الفردوس والرّسلا
لولا نزار وعين الله تحرسهكنّا بفقد معدّ أمّة هملا
فإن مضى كافل الدّنيا وما ضمنتفذا ابنه كافل عنه بما كفلا
وإن هوى الجبل الراسى فذا جبلراس لنا بعده، أعظم به جبلا!
عمّت خلافته الدّنيا برونقهاكأنه الشّمس فيها حلّت الحملا
ملك أغرّ وأيّام محجّلةودولة كلّ وقت تقهر الدّولا
أضحت ملوك بنى الدّنيا له خولاوما حوت كلّ دار منهم نفلا
يأيّها الملك المأمول نائلهومن هو الغاية القصوى لنا أملا
كان السرير سرير الملك منخفضاحتى ارتقيت ذراه فارتقى وعلا
ومن ذلك ما كتب به عامل الى المصروف به:
قد قلّدت العمل بناحيتك، فهنأك الله بتجدّد ولايتك، فأنفذت خليفتى لخلافتك، فلا تخله من هدايتك، إلى أن يمنّ الله بزيارتك.
فأجابه: ما انتقلت عنّى نعمة صارت إليك، ولا خلوت من كرامة اشتملت عليك. وإنى لأجد صرفى بك ولاية ثانية وصلة وافية؛ لما أرجو لمكانك من حسن الخاتمة ومحمود العاقبة. والسلام.
وكتب إبراهيم بن عيسى الكاتب يهنّئ إبراهيم بن المدبّر بالعزل عن عمل:
ليهنئ أبا إسحاق أسباب نعمةمجدّدة بالعزل، والعزل أنبل
شهدت لقد منّوا عليك وأحسنوالأنك بعد العزل أعلى وأفضل
آخر:
إنّ الأمير هو الّذىيضحى أميرا عند عزله
إن زال سلطان الولاية فهو فى سلطان فضله
وكتب أبو إسحاق الصّابى الى رجل زوّج أمّه:
قد جعلك الله- وله الحمد- من أهل التحصيل، والرأى الأصيل؛ وصحّة الدّين، وخلق ذى اليقين. فكما أنّك لا تتّبع الشهوة فى محظور تحلّه، فكذلك لا تطيع الأنفة فى مباح تحظره. وتأدّى إلىّ من اتّصال الوالدة- يسّر الله لها فى مدّتك، وأحسن بالبقيّة منها إمتاعك- بأبى فلان، أعزّه الله، ما علمت فيه أنّك بين طاعة للدّيانة توخّيتها، ومشقّة تجشّمتها؛ وأنّك جدعت أنف الغيرة بها، وأضرعت خدّ الحميّة فيها، وأسخطت نفسك بإرضائها، وعصيت هواك لرأيها.
فنحن نهنّيك بعزيمة صبرك، ونعزّيك عن فائت مرادك؛ ونسأل الله الخيرة لك فيه، وأن يجعلها أبدا معك فيما شئت وأبيت، وتجنّبت وأتيت.
وقال كاتب متقدّم فى مثل ذلك:
الرضا بما يبيحه حكم الله أولى من الامتعاض فيما تحظره أنفة الحميّة. ولا قبح فيما أحلّ الله، كما لا جمال فيما حرّم الله. فعرّفك الله الخيرة فيما اختارته من طهارة العفاف ونبل الحصانة، وعطفك من برّها على ما تؤدّى به حقّها، وما لزمك من المعروف فى مصاحبتها.
وكتب الصّاحب بن عبّاد تهنئة بزواج أمّ وتعزية بموت أب، فقال:
الأيّام- أطال الله بقاءك- تجرى على أنحاء مختلفة، وشعب متفرّقة؛ وأحكامها تتفاوت بيننا بما يسوء ويسرّ، وينفع ويضرّ. وبلغنى من نفوذ قضاء الله فى شيخك- ﵀ ما أزعجنى، وأبهم طرق السلوة دونى، وإن كان من خلّفك غير خارج عن مزيّة الأحياء، ولا حاصل فى زمرة الأموات. والله يأسو كلمك، ويسدّ ثلمك. وقد فعل ذلك بأن أتاح الله لك بعد أبيك أبا لا يقصر عنه شفقة عليك وحنوّا، وإيثارا لك وبرّا. وقد لعمرى وفّقت حين وصلت بحبلك حبله، وأسكنت الكبيرة- حرسها الله تعالى- ظلّه؛ لئلا تفقد من الماضى- عفا الله عنه- إلّا شخصه. فالحمد لله الذى أرشدك لما يعيد الشّمل مجتمعا بعد فراقه، والعدد موفورا بعد انتقاصه؛ حمدا يقضى لك بالمسرّة، ويحسم دونك مراد الوحشة، ويلقّيك ثواب ما قضيته من الحق، وتحمّلته فيه من الأوق؛ إنه فعّال لما يريد.
فهذه نبذة كافية فى التهانى الخاصة؛ فلنذكر العامّة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع