من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار محبوبة
قال أبو الفرج: كانت مولّدة من مولدات البصرة، شاعرة، سريعة الخاطر، مطبوعة، لا تكاد فضل الشاعرة اليمانية تتقدّمها، وكانت أجمل من فضل وأعفّ، وكانت تغنّى غناء غير فاخر.
وقال علىّ بن الجهم: كانت محبوبة لعبد الله بن طاهر أهداها إلى المتوكّل فى جملة أربعمائة جارية. وكانت بارعة الحسن والظّرف والأدب، مغنّية محسنة، فحظيت عند المتوكل حتى كان يجلسها خلف السّتارة وراء ظهره إذا جلس للشّرب، فيدخل رأسه إليها فيراها ويحدّثها فى كل ساعة.
وقال علىّ بن يحيى المنجّم: كان علىّ بن الجهم يقرب من أنس المتوكل جدّا، فلا يكتمه شيئا من سرّه مع حرمه وأحاديث خلواته. فقال له يوما: إنّى دخلت على قبيحة فوجدتها قد كتبت اسمى على خدّها بغالية، فلا والله ما رأيت شيئا أحسن من سواد تلك الغالية على بياض ذاك الخدّ؛ فقل فى هذا شيئا- قال: وكانت محبوبة حاضرة الكلام من وراء الستارة- فدعا علىّ بن الجهم بدواة، فإلى أن أتى بها وابتدأ يفكّر قالت محبوبة على البديهة من غير فكرة ولا رويّة:
وكاتبة فى الخدّ بالمسك جعفرابنفسى مخطّ المسك من حيث أثّرا
لئن كتبت فى الخدّ سطرا بكفّهالقد أودعت قلبى من الحبّ أسطرا
فيامن لمملوك لملك يمينهمطيع له فيما أسرّ وأظهرا!
ويا من هواها فى السريرة جعفرسقى الله من سقيا ثناياك جعفرا
قال: فبقى علىّ بن الجهم واجما لا ينطق بحرف، وأمر المتوكّل بالأبيات فبعثت إلى عريب وأمرها أن تغنّى فيها. قال علىّ بن الجهم: فتحيّرت والله وتقلّبت خواطرى، فو الله ما قدرت على حرف واحد أقوله.
وقال أيضا: غاضب المتوكل يوما محبوبة وهجرها ومنع جواريها جميعا من كلامها؛ ثم نازعته نفسه إليها وأراد ذلك، ثم نازعته العزّة منها وامتنع من ابتدائها، وامتنعت من ابتدائه دلالا عليه لمحلّها منه. قال علىّ: فبكّرت إليه يوما؛ فقال لى:
يا علىّ، إنى رأيت البارحة فى نومى كأنّى صالحت محبوبة. فقلت: أقرّ الله عينك يا أمير المؤمنين وأنامك على خير وأيقظك على سرور! أرجو أن يكون هذا الصلح فى اليقظة. فبينا هو يحدّثنى وأحدّثه إذا بوصيفة قد جاءت فأسرّت إليه شيئا، فقال:
أتدرى ما أسرّت إلىّ هذه؟ قلت لا. قال: حدّثتنى أنها اجتازت بمحبوبة الساعة وهى فى حجرتها تغنّى، أفلا تعجب من هذا؟ أنا مغاضبها وهى متهاونة بذلك، لا تبدؤنى بصلح ثم لا ترضى حتى تغنّى فى حجرتها؛ فقم بنا حتى نسمع ما تغنّى. ثم قام وتبعته حتى انتهى إلى حجرتها، وإذا هى تغنّى:
أدور فى القصر لا أرى أحداأشكو إليه ولا يكلّمنى
حتى كأنّى أتيت معصيةليست لها توبة تخلّصنى
فهل لنا شافع إلى ملكقد زارنى فى الكرى وصالحنى
حتى إذا ما الصّباح لاح لناعاد إلى هجره فصارمنى
فعجب المتوكل، وأحسّت بمكانه فأمرت بخدمها فخرجوا وتنحيّنا، وخرجت إليه فحدّثته أنها رأته فى منامها فانتبهت وقالت هذه الأبيات وغنّت فيها؛ فحدّثها هو أيضا رؤياه واصطلحا. فلما قتل المتوكل سلاه جميع جواريه غيرها؛ فإنها لم تزل حزينة هاجرة لكل لذّة حتى ماتت. ولها فيه مراث.
حكى أبو الفرج: أنّ وصيفا بعد قتل المتوكل أحضرها يوما وأحضر الجوارى، فجئن وعليهن الثياب الملوّنة المذهبة والحلىّ وقد تزيّنّ وتعطّرن، وجاءت محبوبة وعليها ثياب بيض غير فاخرة حزنا على المتوكل. فغنّى الجوارى جميعا وشربن، وطرب وصيف وشرب. ثم قال: يا محبوبة، غنّى؛ فأخذت العود وغنّت وهى تبكى:
أىّ عيش يطيب لىلا أرى فيه جعفرا
ملكا قد رأته عينى قتيلا معفّرا
كلّ من كان ذا هيام وحزن فقد برا
غير محبوبة التىلو ترى الموت يشترى
لاشترته بملكهاكلّ هذا لتقبرا
إنّ موت الكثيب أصلح من أن يعمّرا
فاشتدّ ذلك على وصيف وأمر بقتلها؛ فاستوهبها بغا منه فوهبها له. فأعتقها وأمر بإخراجها وأن تكون حيث تختار من البلاد. فخرجت إلى بغداد من سرّ من رأى، وأخملت ذكرها طول عمرها؛ وما طمع فيها أحد. رحمها الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع