تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار ذات الخال

قال أبو الفرج الأصبهانىّ: واسم ذات الخال خشف، وكانت لأبى الخطّاب النحاس المعروف بقرين مولى العبّاسة بنت المهدىّ. وكانت ذات الخال من أجمل النساء وأكملهنّ، وكان لها خال فوق شفتها العليا، وقيل: على خدّها. وكان إبراهيم الموصلى يتعشّقها، وله فيها أشعار كثيرة كان يقولها ويغنّى فيها حتى شهرها بشعره وغنائه. واتصل خبرها بالرشيد، فاشتراها بسبعين ألف درهم. فقال لها ذات يوم:

أسألك عن شىء، فإن صدقتنى وإلا صدقنى غيرك وكذّبتك. قالت: أصدقك.

قال: هل كان بينك وبين إبراهيم الموصلىّ شىء قط؟ وأنا أحلّفه أن يصدقنى.

قال: فسكتت ساعة ثم قالت: نعم! مرّة واحدة؛ فأبغضها. وقال يوما فى مجلسه:

أيّكم لا يبالى أن يكون كشخانا حتى أهبه ذات الخال؟ فبدر حمويه الوصيف فقال:

أنا؛ فوهبها له. ثم اشتاقها الرشيد يوما فقال: ويلك يا حمويه! وهبنا لك الجارية على أن تسمع غناءها وحدك! فقال: يا أمير المؤمنين، مر فيها بأمرك. قال: نحن عندك غدا. فمضى فآستعدّ لذلك واستعار لها من بعض الجوهريين بدنة وعقودا ثمنها اثنا عشر ألف دينار، فأخرجها إلى الرشيد وهى عليها. فلما رآه أنكره وقال:

ويلك يا حمويه! من أين لك هذا؟! ما ولّيتك عملا تكسب فيه مثله ولا وصل إليك منّى هذا القدر! فصدقه عن أمره، فبعث الرشيد إلى أصحاب الجوهر، فأحضرهم واشترى الجوهر منهم ووهبه لها، وحلف ألّا تسأله فى يومه ذلك حاجة إلّا قضاها؛ فسألته أن يولّى حمويه الحرب والخراج بفارس سبع سنين، ففعل ذلك وكتب له عهده بذلك، وشرط على ولىّ العهد أن يتممها له إن لم تتمّ فى حياته.

قال الأصفهانىّ: ولإبراهيم الموصلىّ فى ذات الخال شعر كثير غنّى فيه.

فمنه قوله:

أذات الخال قد طالبمن أسقمته الوجع
وليس إلى سواكم فى الّذى يلقى له فزع
أما يمنعك الإسلام من قتلى ولا الورع
وما ينفكّ لى فيكهوى تغترّه خدع

ومنها:

جزى الله خيرا من كلفت بحبّهوليس به إلا التّموّه من حبّى
وقالوا قلوب الغانيات رقيقةفما بال ذات الخال قاسية القلب
وقالوا لها هذا حبيبك معرضافقالت لهم إعراضه أيسر الخطب
فما هى إلا نظرة بتبسّمفتنشب رجلاه ويسقط للجنب

وله فيها أشعار كثيرة غير ما أوردناه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.