من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار بصبص جارية ابن نفيس
قال أبو الفرج: كانت جارية من مولّدات المدينة حلوة الوجه حسنة الغناء، قد أخذت عن الطبقة الأولى من المغنّين. وكان يحيى بن نفيس مولاها صاحب قيان، يغشاه الأشراف ويسمعون غناء جواريه. ثم اشتريت للمهدىّ، وهو ولىّ عهد، بسبعة عشر ألف دينار. وقيل: إنها ولدت له عليّة بنت المهدىّ وقيل: أمّ عليّة غيرها. قال: وكان عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزّبير يأتيها فيسمع منها، وكان يأتيها فتيان قريش فيسمعون منها. فقال عبد الله بن مصعب حين قدم المنصور منصرفا إلى الحجّ ومرّ بالمدينة يذكر بصبص:
أراحل أنت أبا جعفرمن قبل أن تسمع من بصبصا
هيهات أن تسمع منها إذاجاوزت العيس بك الأعوصا
فخذ عليها مجلسى لذّةومجلسا من قبل أن تشخصا
أحلف بالله يمينا ومنيحلف بالله فقد أخلصا
لو أنها تدعو إلى بيعةبايعتها ثم شققت العصا
فبلغ الشعر أبا جعفر المنصور، فغضب ودعاه، ثم قال: أما إنكم يا آل الزبير قديما ما قادتكم النساء وشققتم معهنّ العصا، حتى صرت أنت آخر الحمقى تبايع المغنيّات! فدونكم يا آل الزبير هذا المرتع الوخيم.
وقال هارون بن محمد بن عبد الملك وهو ابن ذى الزوائد فيها:
بصبص أنت الشمس مزدانةفإن تبدّلت فأنت الهلال
سبحانك اللهمّ ما هكذافيما مضى كان يكون الجمال
إذا دعت بالعود فى مشهدوعاونت يمنى يديها الشّمال
غنّت غناء يستفزّ الفتىحذقا وزان الحذق منها الدّلال
قال: وهوى محمد بن عيسى الجعفرىّ بصبص فهام بها وطال ذلك عليه؛ فقال لصديق له: قد شغلتنى هذه عن صنعتى وكلّ أمرى، وقد وجدت مسّ السّلوّ عنها، فاذهب بنا إليها حتى أكاشفها ذلك وأستريح. فأتياها؛ فلما غنّتهما قال لها محمد بن عيسى: أتغنّين:
وكنت أحبّكم فسلوت عنكمعليكم فى دياركم السّلام
فقالت: لا، ولكنى أغنّى:
تحمّل أهلها عنها فبانواعلى آثار من ذهب العفاء
قال: فاستحيا وازداد بها كلفا ولها عشقا؛ فأطرق ساعة ثم قال لها: أتغنّين:
وأخضع بالعتبى إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذى أتنصّل
قالت: نعم، وأغنّى أحسن منه:
فإن تقبلوا بالودّ نقبل بمثلهوننزلكم منّا بأقرب منزل
فتقاطعا فى بيتين وتواصلا فى بيتين، وما شعر بهما أحد.
قال: وحضر أبو السائب المخزومىّ مجلسا فيه بصبص، فغنّت:
قلبى حبيس عليك موقوفوالعين عبرى والدمع مذروف
والنفس فى حسرة بغصّتهاقد شفّ أرجاءها التساويف
إن كنت بالحسن قد وصفت لنافإنّنى بالهوى لموصوف
يا حسرتا حسرة أموت بهاإن لم يكن لى إليك معروف
قال: فطرب أبو السائب ونعر وقال: لا عرف الله من لا يعرف لك معروفك، ثم أخذ قناعها عن رأسها ووضعه على رأسه وجعل يبكى ويلطم ويقول
لها: بأبى أنت! والله إنى لأرجو أن تكونى عند الله أفضل من الشّهداء لما توليناه من السرور، وجعل يصيح: واغوثاه! يا لله ما يلقى العاشقون!.
وقال عثمان بن محمد الليثىّ: كنت يوما فى منزل ابن نفيس، فخرجت إلينا جاريته بصبص، وكان فى القوم فتى يحبها، فسألته حاجة فقام ليأتيها بها، فنسى أن يلبس نعله ومضى حافيا. فقالت له: يا فلان، نسيت نعلك؛ فرجع فلبسها وقال: أنا والله كما قال الأوّل:
وحبّك ينسينى عن الشىء فى يدىويشغلنى عن كلّ شىء أحاوله
فأجابته فقالت:
وبى مثل ما تشكوه منّى وإنّنىلأشفق من حبّ لذاك تزايله
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع