تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار سلّامة القسّ

كانت سلّامة القسّ هذه مولّدة من مولّدات المدينة، وبها نشأت، وأخذت الغناء عن معبد وابن عائشة وجميلة ومالك بن أبى السّمح ومن دونهم، فمهرت فيه.

وإنما سمّيت سلّامة القسّ لأنّ رجلا يعرف بعبد الرحمن بن أبى عمّار بن جشم بن معاوية- وكان منزله بمكة، وهو من قرّاء أهل المدينة، كان يلقّب بالقسّ لعبادته- شغف بها وشهر بحبها. وكان سبب ذلك أنه سمع غناءها على غير تعمّد منه فبلغ منه كلّ مبلغ. فرآه مولاها فقال: هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى. فقال له مولاها:

أنا أقعدها حيث تسمع غناءها ولا تراها. فلم يزل به حتى دخل، فأسمعه غناءها فأعجبه. فقال: هل لك أن أخرجها إليك؟ قال لا. فلم يزل به حتى أخرجها فأقعدها بين يديه، فغنّت فشغف بها وشغفت به وعرف ذلك أهل مكة. فقالت له يوما: أنا والله أحبّك. فقال: وأنا والله الذى لا إله إلا هو أحبّك. فقالت:

والله أشتهى أن أعانقك وأقبّلك. فقال: والله وأنا أشتهى مثل ذلك. قالت:

وأشتهى والله أن أضاجعك وأضع بطنى على بطنك وصدرى على صدرك قال:

وأنا والله كذلك. قالت: فما يمنعك من ذلك؟ والله إنّ المكان لخال. قال:

يمنعنى منه قول الله ﷿: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ

، فأنا أكره أن تحول مودّتى إياك عداوة يوم القيامة. ثم قام وانصرف وعاد إلى ما كان عليه من النّسك، ولم يعد إليها بعد ذلك. وكان يشبّه بعطاء بن أبى رباج.

وله فيها أشعار كثيرة، منها قوله:

إنّ التى طرقتك بين ركائبتمشى بمزهرها وأنت حرام
لتصيد قلبك أو جزاء مودّةإنّ الرّفيق له عليك ذمام
باتت تعلّلنا وتحسب أننافى ذاك أيقاظ ونحن نيام
حتى إذا سطع الضياء لناظرفإذا وذلك بيننا أحلام
قد كنت أعذل فى السّفاهة أهلهافاعجب لما تأتى به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم أنماسبل الضّلالة والهدى أقسام

وقوله أيضا فيها:

ألم ترها- لا يبعد الله دارها-إذا رجّعت فى صوتها كيف تصنع!
تمدّ نظام القول ثم تردّهإلى صلصل من صوتها يترجّع

وقوله فيها:

ألا قل لهذا القلب هل أنت مبصروهل أنت عن سلّامة اليوم مقصر
ألا ليت أنّى حيث صارت بى النّوىجليس لسلمى كلّما عجّ مزهر

وله من قصيدة طويلة أوّلها:

سلّام هل لى منكم ناصرأم هل لقلبى عنكم زاجر
قد سمع الناس بوجدى بكمفمنهم اللائم والعاذر

فى أشعار كثيرة يطول الشرح بذكرها. ومدحها الأحوص أيضا بشعر كثير.

وقال فيها أيضا ابن قيس الرّقيّات.

وروى أبو الفرج الأصفهانىّ قال: كانت سلّامة وريّا أختين، وكانتا من أجمل النساء وأحسنهنّ غناء؛ فاجتمع الأحوص وابن قيس الرقيّات عندهما. فقال لهما ابن قيس الرقيّات: إنى أريد أن أمدحكما بأبيات فأصدق فيها و [لا] أكذب.

فإن أنتما غنيّتمانى بذلك وإلّا هجوتكما ولم أقربكما أبدا. قالتا: فما قلت؟ قال: قلت:

لقد فتنت ريّا وسلّامة القسّافلم يتركا للقسّ عقلا ولا نفسا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
فتاتان أمّا منهما فشبيهة الهلال وأخرى منهما تشبه الشمسا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة
تكنّان أبشارا رقاقا وأوجهاعتاقا وأطرافا مخضّبة ملسا
للشاعر عُبَيد الله بن الرُقَيّات، اقرأ القصيدة

فغنّته سلّامة فاستحسنه. وقال ابن قيس الرقيّات للأحوص: يا أخا الأنصار، ما قلت؟ قال قلت:

سلّام هل لمتيّم تنويلأم قد صرمت وغال ودّك غول
لا تصرمى عنّى ولاءك إنهحسن لدىّ وإن بخلت جميل
أزعمت أنّ مودّتى وصبابتىكذب وأنّ زيارتى تقليل

فغنّت الأبيات. فقال ابن قيس الرقيّات: أحسنت والله! ما أظنك إلا عاشقة لهذا الجلف. فقال له الأحوص: وما الذى أخرجك إلى هذا؟ قال: حسن غنائها

بشعرك، فلولا أنّ لك فى قلبها محبّة مفرطة ما جاء هكذا حسنا على هذه البديهة.

فقال الأحوص: على قدر حسن شعرى على شعرك هكذا حسن الغناء به. وما هذا [منك] إلا حسد، وليس ذلك إلا ما حسدت عليه. فقالت سلّامة: لولا أنّ الدخول بينكما يوجب بغضة لحكمت بينكما حكومة لا يردّها أحد. قال الأحوص: فأنت [من ذلك] آمنة. قال ابن قيس الرقيّات: كلّا! قد أمنت أن تكون الحكومة عليك، فلذلك سبقت بالأمان لها. فتفرّقا على ذلك. ثم مشى ابن قيس الرقيّات إلى الأحوص فاعتذر إليه فقبل عذره. ومن شعر الأحوص فيها:

سلّام إنّك قد ملكت فأسجحىقد يملك الحرّ الكريم فيسجح
منّى على عان أطلت عناءهفى الغلّ عندك والعناة تسرّح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»
إنّى لأنصحكم وأعلم أنهسيّان عندك من يغشّ وينصح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»
وإذا شكوت إلى سلامة حبّهاقالت أجدّ منك ذا أم تمزح
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «أسلام إنك قد ملكت فأسجحي»

وحكى أبو الفرج قال: لمّا قدم عثمان بن حيّان المرّى المدينة واليا عليها، قال له قوم من وجوه الناس: إنك قد وليت المدينة على كثرة من الفساد؛ فإن كنت تريد أن تصلح فطهّرها من الغناء والرّثاء. فصاح فى ذلك وأجّل أهله ثلاثا يخرجون فيها من المدينة، وكان ابن أبى عتيق غائبا، وكان من أهل الفضل والعفاف والصلاح. فلما كان آخر ليلة من الأجل قدم فقال: لا أدخل منزلى حتى أدخل على سلّامة القسّ.

فدخل عليها فقال: ما دخلت منزلى حتى جئتكم لأسلّم عليكم. فقالوا: ما أغفلك عن أمرنا! وأخبروه الخبر. فقال: اصبروا علىّ الليلة. فقالوا: نخاف ألّا يمكنك شىء.

قال: إن خفتم شيئا فاخرجوا فى السحر. ثم خرج فاستأذن على عثمان بن حيّان فأذن له، فسلّم عليه وذكر غيبته وأنه جاء ليقضى حقّه، ثم جزاه خيرا على ما فعل من إخراج أهل الغناء والرّثاء، وقال: أرجو ألّا تكون [عملت] عملا هو خير لك من ذلك. قال عثمان: قد فعلت ذلك وأشار علىّ به أصحابك. فقال: قد أصبت، ولكن ما تقول فى امرأة كانت هذه صناعتها وكانت تكره على ذلك، ثم تركته وأقبلت على الصلاة والصيام والخير، وأنا رسولها إليك تقول: أتوجه إليك وأعوذ بك أن تخرجنى من جوار رسول الله ﷺ ومسجده؛ قال قال: فإنى أدعها لك ولكلامك. فقال ابن أبى عتيق: لا يدعك الناس، ولكن تأتيك وتسمع من كلامها وتنظر إليها، فإن رأيت أن مثلها ينبغى أن يترك تركتها؛ قال نعم فجاءه بها. وقال:

احملى معك سبحة وتخشّعى ففعلت. فلما دخلت على عثمان سلّمت عليه وجلست وحدّثته، فإذا هى من أعلم الناس بأمور الناس، فأعجب بها؛ وحدّثته عن آبائه وأمورهم ففكه لذلك فقال ابن أبى عتيق: اقرئى للأمير. فقرأت؛ فقال لها: احدى ففعلت.

وكثر عجبه منها. فقال: كيف لو سمعتها فى صناعتها! فلم يزل ينزله شيئا فشيئا حتى أمرها بالغناء فغنّته. فقام عثمان من مجلسه وقعد بين يديها، ثم قال: لا والله ما مثل هذه تخرج. فقال ابن أبى عتيق: لا يدعك الناس تقرّ سلّامة وتخرج غيرها. قال:

فدعوهم جميعا. فتركهم جميعا وأصبح الناس يتحدّثون بذلك.

ثم اشترى يزيد بن عبد الملك سلّامة، وكانت لمصعب بن سهيل الزّهرىّ، وقيل: لسهيل بن عبد الرحمن بن عوف. وكانت حبابة جارية آل لاحق؛ فاشتراهما جميعا؛ فاشترى سلّامة بعشرين ألف درهم، وتسلّمها رسل يزيد فخرجوا بها وشيعّها

الناس. فلما نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك قالت للرّسل: إنّ لى قوما كانوا يغشوننى ويسلّمون علىّ، ولا بدّ لى من وداعهم والسلام عليهم؛ فأذن للناس عليها، فأتوا حتى ملؤا رحبة القصر والفناء؛ ووقفت هى بينهم بارزة ومعها العود فغنّت:

فارقونى وقد علمت يقيناما لمن ذاق ميتة من إياب
للشاعر كثير بن كثير السهمي، اقرأ القصيدة
إنّ أهل الحصاب قد تركونىموزعا مولعا بأهل الحصاب
أهل بيت تتايعوا للمناياما على الدّهر بعدهم من عتاب
كم بذاك الحجون من حىّ صدقمن كهول أعفّة وشباب
للشاعر كثير بن كثير السهمي، اقرأ القصيدة
سكنوا الجزع جزع بيت أبى موسى إلى النخل من صفىّ السّباب
للشاعر كثير بن كثير السهمي، اقرأ القصيدة
فلى الويل بعدهم وعليهمصرت فردا وملّنى أصحابى
للشاعر كثير بن كثير السهمي، اقرأ القصيدة

قال: فلم تزل تردّد هذا الصوت حتى راحت، وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها؛ فما شئت أن ترى باكيا نبيلا إلا رأيته.

قالوا: وكانت حبابة عند يزيد متقدّمة على سلّامة، وكانت حبابة تنظر الى سلّامة بتلك العين الجليلة المتقدّمة وتعرف فضلها عليها؛ فلما رأت أثرة يزيد لها ومحبّته إيّاها استخفّت بها. فقالت لها سلّامة: أى أخيّة، نسيت فضلى عليك! ويلك! أين تأديب الغناء! أين حق التعليم! أنسيت قول جميلة لك وهى تطارحنا:

خذى إحكام ما أطارحك من أختك سلّامة، فلا تزالين بخير ما بقيت لك وكان أمركما مؤتلفا!. فقالت: صدقت والله لا عدت لشىء تكرهينه أبدا. وماتت حبابة وعاشت سلّامة بعدها دهرا.

ولما مات يزيد أحضرها ابنه الوليد وأمرها بالغناء، فتنغصّت من ذلك وبكت، ثم غنّته. فقال: رحم الله أبى وأطال عمرى وأمتعنى بحسن غنائك!. يا سلّامة، بم كان أبى يقدّم حبابة عليك؟ قالت: لا أدرى والله. قال: لكننى أدرى ذلك، بما قسم الله ﷿ لها. قالت: يا سيّدى أجل. وهى إحدى من اتّهم بهنّ الوليد من جوارى أبيه.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.