من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر أخبار القيان
وأوّل من غنّى من النساء ومن اشتهر بالغناء منهنّ فى الإسلام قالوا: أوّل من غنّى الغناء العربىّ جرادتا ابن جدعان. قال أبو الفرج الأصفهانىّ:
قال ابن الكلبىّ: كان لابن جدعان أمتان يسمّيان الجرادتين يغنّيان فى الجاهليّة، وسمّاهما جرادتى عباد؛ ووهبهما عبد الله بن جدعان لأميّة بن أبى الصّلت الثّقفىّ وكان قد امتدحه. وابن جدعان هو عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد ابن تيم بن مرّة بن كعب بن لؤىّ بن غالب. كان سيّدا جوادا؛ فرأى أميّة ينظر الى الجرادتين وهو عنده فأعطاه إياهما. وقد قيل فى سبب إعطائه إياهما: إن أميّة بن أبى الصّلت قدم عليه؛ فقال له عبد الله: أمر ما أتى بك! فقال أميّة: كلاب غرماء قد نجتنى ونهشتنى. فقال له عبد الله: قدمت علىّ وأنا عليل وحقوق لحقتنى ولزمتنى، فأنظرنى قليلا وقد ضمنت قضاء دينك فلا أسألك عن مبلغه، قال: فأقام أميّة أياما ثم أتاه فقال:
أأذكر حاجتى أم قد كفانىحياؤك إنّ شيمتك الحياء
وعلمك بالأمور وأنت قرملك الحسب المهذّب والسّناء
كريم لا يغيّره صباحعن الخلق الكريم ولا مساء
تبارى الريح مكرمة ومجداإدا ما الكلب أحجره الشّتاء
إذا أثنى عليك المرء يوماكفاه من تعرّضه الثناء
إذا خلّفت عبد الله فاعلمبأنّ القوم ليس لهم جزاء
فأرضك كلّ مكرمة بنتهابنو تيم وأنت لهم سماء
وهل تخفى السماء على بصير!وهل بالشمس طالعة خفاء!
فلمّا أنشده أميّة هذا الشعر كانت عنده قينتان، فقال لأميّة: خذ أيّتهما شئت، فأخذ إحداهما وانصرف؛ فمرّ بمجلس من مجالس قريش فلاموه على أخذها، وقالوا له: لقد ألفيته عليلا، فلو رددتها عليه، فإن الشيخ محتاج إلى خدمتها، كان ذلك أقرب لك عنده وأكثر من كل حقّ ضمنه. فوقع الكلام من أميّة موقعا وندم؛ فرجع إليه ليردّها عليه. فلما أتاه بها، قال ابن جدعان: لعلك إنما رددتها لأن قريشا لاموك على أخذها؛ وذكر لأميّة ما قال القوم. فقال أميّة: والله ما أخطأت يا أبا زهير.
قال: فما الذى قلت فى ذلك؟ فقال:
عطاؤك زين لامرئ إن حبوتهببذل وما كلّ العطاء يزين
وليس بشين لامرئ بذل وجههإليك كما بعض السؤال يشين
فقال عبد الله لأمية: خذ الأخرى؛ فأخذهما جميعا وخرج. فلما أن صار إلى القوم بهما أنشأ يقول:
ومالى لا أحيّيه وعندىمواهب قد طلعن من النّجاد
لأبيض من بنى عمرو بن تيموهم كالمشرفيّات الحداد
لكلّ قبيلة هاد ورأسوأنت الرأس تقدم كلّ هاد
عماد الخيف قد علمت معدّوإنّ البيت يرفع بالعماد
له داع بمكّة مشمعلّوآخر فوق دارته ينادى
إلى ردح من الشّيزى ملاءلباب البرّ يلبك بالشّهاد
وكان سبب قول أميّة بن أبى الصلت هذا الشعر أنّ عبد الله بن جدعان وفد على كسرى فأكل عنده الفالوذ؛ فسأل عنه فقيل له: هذا الفالوذ. قال: وبم يصنع؟
قيل: لباب البرّ يلبك مع عسل النحل. قال: أبغونى غلاما يصنعه؛ فأتوه بغلام يصنعه فابتاعه، ثم قدم به مكة؛ فأمره أن يصنع الفالوذ ففعل، ثم وضع الموائد من الأبطح إلى باب المسجد، ثم نادى مناديه: ألا من أراد الفالوذ فليحضر، فحضره الناس. وكان فيمن حضر أميّة بن أبى الصلت فقال الأبيات. وقال فيه أيضا:
ذكر ابن جدعان بخير كلّما ذكر الكرام
من لا يخون ولا يعقّولا يبخّله الأنام
يهب النجيبة والنجيب له الرّحالة والزّمام
وابن جدعان ممن ترك شرب الخمر فى الجاهليّة، وقد تقدّم ذكره. وهجاه دريد ابن الصّمّة بشعر؛ فلقيه بعد ذلك عبد الله بسوق عكاظ، فحيّاه وقال: هل تعرفنى يا دريد؟ قال لا. قال: فلم هجوتنى؟ قال: ومن أنت؟ قال: عبد الله بن جدعان. قال: هجوتك لأنك كنت أثرا كريما فأحببت أن أضع شعرى موضعه.
فقال له عبد الله: لئن كنت هجوت لقد مدحت؛ وكساه وحمله على ناقة برحلها، فقال دريد:
إليك ابن جدعان أعملتهامخفّفة للسّرى والنّصب
فلا خفض حتى تلاقى امرأجواد الرّضا وحليم الغضب
وجلدا إذا الحرب مرّت بهيعين عليها بجزل الحطب
وجلت البلاد فما إن أرىشبيه ابن جدعان وسط العرب
سوى ملك شامخ ملكهله البحر يجرى وعين الذهب
وأخبار ابن جدعان كثيرة وسيادته فى الجاهليّة مشهورة، ليس هذا موضع إيرادها، وإنما أوردنا ما أوردنا منها فى هذا الموضع على سبيل الاستطراد، فالشىء بالشىء يذكر. فلنرجع إلى أخبار القيان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع