تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار أبى حشيشة

قال أبو الفرج: أبو حشيشة لقب غلب عليه، وهو محمد بن أبى أميّة، ويكنى أبا جعفر. وكان أهله جميعا متّصلين بإبراهيم بن المهدىّ، وكان هو من بينهم يغنّى بالطّنبور أحسن الناس غناء. وخدم جماعة من الخلفاء، أوّلهم المأمون ومن بعده إلى المعتمد. قال: وكان أكثر انقطاعه إلى أبى أحمد بن الرشيد أيام حياته. وكان أبوه وجدّه وأخواله كتّابا.

قال أحمد بن جعفر جحظة فى ترجمة أبى حشيشة: وكان له صنعة تقدّم فيها كلّ طنبورىّ لا أحاشى أحدا فى ذلك. قال: فمنها:

كأنّ هموم الناس فى الأرض كلّهاعلىّ وقلبى بينهم قلب واحد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة
ولى شاهدا عدل سهاد وعبرةوكم مدّع للحبّ من غير شاهد
للشاعر الحماني الكوفي، اقرأ القصيدة

قال جحظة: ورأيته بين يدى المعتمد على الله وقد غنّاه من شعر علىّ بن محمد ابن نصر:

حرمت بذل نوالكواسوءتا من فعالك!
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة
لمّا ملكت وصالىآيستنى من وصالك
للشاعر ابن بسام البغدادي، اقرأ القصيدة

فوهب له مائتى دينار. قال: وغنّى يوما عند ابن المدبّر بحضرة عريب؛ فقالت له: أحسنت يا أبا جعفر! ولو عاش الشيخان ما قلت لهما هذا (تعنى علّويه ومخارقا).

وقال أبو الفرج: إنّ أبا حشيشة ألّف كتابا جمع فيه أخباره مع من عاشر وخدم من الخلفاء؛ قال: وهو تاب مشهور. قال: أوّل من سمعنى من الخلفاء المأمون، وصفنى له مخارق، فأمر بإشخاصى إليه، وأمر لى بألف درهم أتجهّز بها. فلما وصلت إليه أدنانى وأعجب بى؛ وقال للمعتصم: هذا أثر خدمك وخدم آبائك وأجدادك يا أبا إسحاق. وذكر ما كان يشتهيه عليه كلّ خليفة، فقال: كان المأمون يشتهى من غنائى:

كان ينهى فنهى حتى [سلا]وانجلت عنه غيايات الصّبا
خلع اللهو وأضحى مسبلاللنّهى فضل قميص وردا
للشاعر دعبل الخزاعي، من قصيدة «كان ينهى فنهى حين انتهى»

قال: وكان المعتصم يشتهى علىّ:

أسرفت فى سوء الصّنيعوفتكت بى فتك الخليع
وولعت بى متمرّداوالعذر فى طرق الولوع
صيّرت حبّك شافعافأتيت من قبل الشّفيع

قال: وكان الواثق يختار من غنائى:

يا تاركى متلذّذ العذّال جذلان العداة
انظر إلىّ بعين راض نظرة قبل الممات
خلّيتنى بين الوعيد وبين ألسنة الوشاة!
ماذا يرجّى بالحياة منغّص روح الحياة!

قال: وكان المتوكل يحبّنى ويستخفّنى، وكانت أغانيه التى يشتهيها علىّ كثيرة.

منها:

أطعت الهوى وخلعت العذاراوباكرت بعد المراح العقارا
ونازعك الكأس من هاشمكريم يحبّ عليها الوقارا
فتى فرّق الحمد أموالهيجرّ القميص ويرخى الإزارا
رأى الله جعفر خير الأنامفملّكه ووقاه الحذارا

قال: وكان المستعين يشتهى علىّ:

وما أنس لا أنس منها الخشوعوفيض الدّموع وغمز اليد
وخدّى مضاف إلى خدّهاقياما الى الصبح لم نرقد

قال: واشتهى علىّ المعتمد:

قلبى يحبّك يا منىقلبى ويبغض من يحبّك
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قلبي يحبك يا منى»
لأكون فردا فى هواك، فليت شعرى كيف قلبك؟
للشاعر أحمد بن يوسف بن صبيح، من قصيدة «قلبي يحبك يا منى»

قال حجظة: وكانت وفاة أبى حشيشة بسرّ من رأى. وسببها أنه اصطبح عند قلم غلام الفضل بن كاوش فى يوم بارد؛ فقال له: أنا لا آكل إلا طعاما حارّا، فأتاه بفجليّة باردة وقال: تساعدنى وتأكل معى، فأكل منها فحمد قلبه فمات.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.