تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر أخبار عنان جارية الناطفىّ

قال أبو الفرج الأصفهانىّ: كانت عنان مولّدة من مولّدات اليمامة، وبها نشأت وتأدّبت، واشتراها الناطفىّ وربّاها. وكانت صفراء جميلة الوجه شكلة مليحة الأدب والشعر سريعة البديهة، وكان فحول الشعراء يساجلونها ويعارضونها فتنتصف منهم. ولها مع أبى نواس الحسن بن هانئ وغيره من الشعراء والفضلاء معاياة ومراجعات، نذكر منها طرفا.

قال أبو حبش: قال لى النّاطفىّ: لو جئت إلى عنان فطارحتها! فعزمت على الغدوّ إليها، وبتّ ليلتى أحوك بيتين، ثم غدوت عليها فأنشدتها:

أحبّ الملاح البيض قلبى وربّماأحبّ الملاح الصّفر من ولد الحبش
بكيت على صفراء منهنّ مرّةبكاء أصاب العين منّى بالعمش

فقالت عنان:

بكيت عليها إنّ قلبى يحبّهاوإنّ فؤادى كالجناحين ذو رعش
تعنّيتنا بالشعر لمّا أتيتنافدونك خذه محكما يا أبا حبش

وقال مروان بن أبى حفصة: لقينى الناطفىّ فدعانى إلى عنان، فانطلقت معه. فدخل إليها قبلى فقال: جئتك بأشعر الناس مروان بن أبى حفصة؛ فوجدها

عليلة فقالت: إنى عن مروان لفى شغل. فأهوى إليها بسوط فضربها، وقال لى:

ادخل؛ فدخلت وهى تبكى، فرأيت الدموع تتحدّر من عينيها؛ فقلت:

بكت عنان فجرى دمعهاكالدّرّ إذ يسبق من خيطه

فقالت مسرعة:

فليت من يضربها ظالماتيبس يمناه على سوطه
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

قال مروان: فقلت: أعتق ما أملك إن كان فى الجنّ والإنس أشعر منها.

وقال أحمد بن معاوية قال لى رجل: تصفّحت كتبا فوجدت فيها بيتا جهدت جهدى أن أجد من يجيزه فلم أجد. فقال لى صديق لى: عليك بعنان جارية الناطفىّ؛ فأتيتها فأنشدتها البيت وهو:

وما زال يشكو الحبّ حتى رأيتهتنفّس من أحشائه وتكلّما

فلم تلبث أن قالت:

ويبكى فأبكى رحمة لبكائه،إذا ما بكى دمعا بكيت له دما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

وقال موسى بن عبد الله التميمىّ: دخل أبو نواس على الناطفىّ وعنان جالسة تبكى، وقد كان الناطفىّ ضربها، فأومأ إلى أبى نواس أن حرّكها بشىء؛ فقال أبو نواس:

عنان لو جدت لى فإنّى منعمرى فى (آمن الرّسول بما

فقالت:

فإن تمادى ولا تماديت فىقطعك حبلى أكن كمن ختما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقال أبو نواس:

علّقت من لو أتى على أنفس الماضين والغابرين ما ندما
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «جنان إن جدت يا مناي بما»

فقالت:

لو نظرت عينها إلى حجرولّد فيه فتورها سقما
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

وقال أبو جعفر النّخعىّ: كان العبّاس بن الأحنف يهوى عنان جارية الناطفىّ.

فجاءنى يوما فقال لى: امض بنا إلى عنان. فصرنا إليها، فرأيتها كالمهاجرة له؛ فجلسنا قليلا؛ ثم ابتدأ العبّاس فقال:

قال عبّاس وقد أجهد من وجد شديد
ليس لى صبر على الهجر ولا لذع الصّدود
لا ولا يصبر للهجر فؤاد من حديد

فقالت عنان:

من تراه كان أغنىمنك عن هذا الصّدود
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
بعد وصل لك منّىفيه إرغام الحسود!
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
فاتّخذ للهجر إن شئت فؤادا من حديد
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة
ما رأيناك على ماكنت تجنى بجليد
للشاعر عنان الناطفية، اقرأ القصيدة

فقال عبّاس:

لو تجودين لصبّراح ذا وجد شديد
وأخى جهل بما قدكان يجنى بالصّدود
ليس من أحدث هجرالصديق بسديد
ليس منه الموت إن لمتصليه ببعيد

قال: فقلت للعبّاس: ويحك! ما هذا الأمر؟ قال: أنا جنيت على نفسى بتتايهى عليها. فلم أبرح حتى ترضّيتها له.

وقال الأصمعىّ: بعثت الىّ أمّ جعفر أنّ امير المؤمنين قد لهج بذكر هذه الجارية عنان، فإن صرفته عنها فلك حكمك. قال: فكنت أربع لأن أجد للقول

فيها موضعا فلا أجده ولا أقدم عليه هيبة له؛ إذ دخلت يوما فرأيت فى وجهه أثر الغضب فانخزلت. فقال: مالك يا أصمعىّ؟ قلت: رأيت فى وجه أمير المؤمنين أثر الغضب، فلعن الله من أغضبه! فقال: هذا الناطفىّ، والله لولا أنّى لم أجر فى حكم قطّ متعمّدا لجعلت على كل جبل منه قطعة! ومالى فى جاريته من أرب غير الشعر. قال الأصمعىّ: فذكرت رسالة أمّ جعفر فقلت: أجل، والله ما فيها غير الشعر، أفيسرّ أمير المؤمنين أن يجامع الفرزدق! فضحك حتى استلقى. واتّصل قولى بأمّ جعفر فأجزلت لى الجائزة.

وقال يعقوب بن إبراهيم: طلب الرشيد من الناطفىّ جاريته، فأبى أن يبيعها بأقلّ من مائة ألف دينار. فقال الرشيد: أعطيك مائة ألف دينار على أن تأخذ الدينار بسبعة دراهم، فامتنع عليه، فأمر أن تحمل إليه. فذكروا أنها دخلت مجلسه فى هيئتها؛ فقال لها الرشيد ويلك! إن هذا قد اعتاص علىّ فى أمرك. فقالت:

ما منعك أن توفيه وترضيه؟ فقال: ليس يقنع بما أعطيه، وأمرها بالانصراف.

فتصدّق الناطفىّ حين رجعت إليه بثلاثين ألف درهم. فلم تزل فى قلب الرشيد حتى مات مولاها. فلما مات بعث الرشيد مسرورا الخادم، فأخرجها الى باب الكرخ وأقامها على سرير وعليها رداء سندىّ قد جلّلها، فنودى عليها فيمن يزيد بعد أن شاور الفقهاء فيها، فقالوا: هذه كبد رطبة وعلى الرجل دين، فأشاروا ببيعها. وكانت تقول وهى على المصطبة: أهان الله من أهاننى وأرذل من أرذلنى! فوكزها مسرور بيده. وبلغ بها مسرور مائتى ألف درهم؛ فجاء رجل فقال: علىّ زيادة خمسة وعشرين ألف درهم؛ فوكزه مسرور وقال: أتزيد على أمير المؤمنين! فبلغ بها مائتين وخمسين ألف درهم وأخذ مالها. قال: ولم يكن فيها عيب يعاب، فطلبوا

لها عيبا لا تصيبها العين، فأوقعوا بخنصر رجلها فى ظفره شيئا. قال: وأولدها الرجل الذى اشتراها ولدين، ثم خرج بها الى خراسان فمات هناك وماتت بعده.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.