من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من المراثى والنوادب
ولنبدأ من ذلك بما قاله رسول الله ﷺ، وبشىء مما قيل عند وفاة رسول الله ﷺ.
فمن ذلك ما قاله رسول الله ﷺ يوم وفاة ولده إبراهيم ﵇: «يا إبراهيم لولا أنه أمر حقّ ووعد صدق وأن آخرنا سيلحق أوّلنا لحزنّا عليك حزنا هو أشدّ من هذا وإنّا بك يا إبراهيم لمحزونون تبكى العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ»
. ذكره الجوّانىّ النسابة فى شجرة الأنساب، وذكره غيره مختصرا.
ومنه ما روى أن فاطمة رضى الله عنها وقفت على قبره ﷺ وقالت:
إنّا فقد ناك فقد الأرض وابلهاوغاب مذغبت عنّا الوحى والكتب
فليت قبلك كان الموت صادفنالمّا نعيت وحالت دونك الكتب
ووقف علىّ رضى الله عنه على قبره ﷺ ساعة دفن وقال: إنّ الصبر لجميل إلّا عنك، وإن الجزع لقبيح إلا عليك؛ وإنّ المصاب بك لجليل، وإنه قبلك وبعدك لجلل. وقد ألّم الشعراء بهذا المعنى؛ فقال إبراهيم بن إسماعيل فى علىّ ابن موسى الرّضا:
إنّ الرزيّة يابن موسى لم تدعفى العين بعدك للمصائب مدمعا
والصبر يحمد فى المواطن كلّهاوالصبر أن نبكى عليك ونجزعا
ووقف أعرابىّ على قبر رسول الله ﷺ فقال: قلت فقبلنا، وأمرت فحفظنا؛ وقلت عن ربّك فسمعنا: وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
، وقد ظلمنا أنفسنا وجئناك فاستغفر لنا؛ فما بقيت عين إلا سالت.
ودخل عمر بن الخطاب على أبى بكر الصّدّيق رضى الله عنهما فى مرض موته، فقال: يا خليفة رسول الله ﷺ، لقد كلّفت القوم بعدك تعبا، وولّيتهم نصبا؛ فهيهات من شقّ غبارك! وكيف باللّحاق بك!.
وقالت عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها وأبوها يغمّض:
وأبيض يستسقى الغمام بوجههثمال اليتامى عصمة للأرامل
فنظر إليها وقال: ذاك رسول الله ﷺ. ثم أغمى عليه، فقالت:
لعمرك ما يغنى الثّراء عن الفتىإذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فنظر إليها كالغضبان وقال: قولى: وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذلِكَ ما كُنْتَ
مِنْهُ تَحِيدُ
. ثم قال: انظروا ملاءتىّ فاغسلوهما وكفّنونى فيهما، فإن الحىّ أحوج إلى الجديد من الميّت. ووقفت رضى الله عنها على قبره رضى الله عنه فقالت:
نضّر الله وجهك، وشكر لك صالح سعيك؛ فقد كنت للدنيا مذلّا بإدبارك عنها، وكنت للآخرة معزّا بإقبالك عليها؛ ولئن كان أجلّ الحوادث بعد رسول الله ﷺ رزءك، وأعظم المصائب بعده فقدك؛ إن كتاب الله ليعد بحسن الصبر فيك وحسن العوض منك؛ فإنا لنتنجّز موعود الله بحسن العزاء عليك، وأستعيضه منك بالاستغفار لك. أما لئن كانوا أقاموا بأمور الدنيا لقد قمت بأمر الدّين حين وهى شعبه، وتفاقم صدعه، ورجفت جوانبه. فعليك السلام ورحمة الله توديع غير قالية لك، ولا زارية على القضاء فيك. ثم انصرفت.
ولما قبض رضى الله عنه سجّى عليه بالثوب، فارتجّت المدينة بالبكاء ودهش القوم كيوم قبض رسول الله ﷺ؛ وجاء علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه باكيا مسرعا مسترجعا حتى وقف بالباب وهو يقول: رحمك الله أبا بكر، كنت والله أوّل القوم إسلاما، وأخلصهم إيمانا، وأشدّهم يقينا، وأعظمهم غناء، وأحفظهم على رسول الله ﷺ، وأحدبهم على الإسلام، وأحناهم على أهله، وأشبههم برسول الله ﷺ خلقا وفضلا وهديا وسمتا؛ فجزاك الله عن الإسلام وعن رسول الله ﷺ خيرا، صدّقت رسول الله ﷺ حين كذّبه الناس، وواسيته حين بخلوا، وقمت معه حين قعدوا، وأسماك الله فى كتابه صدّيقا فقال: وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ
، يريد محمدا ويريدك. كنت والله للإسلام حصنا وعلى الكافرين عذابا، لم تفلل حجّتك، ولم تضعف بصيرتك؛ ولم تجبن نفسك. كنت كالجبل الذى لا تحرّكه العواصف ولا تزيله القواصف. كنت كما قال رسول الله ﷺ ضعيفا فى بدنك،
قويّا فى أمر الله، متواضعا فى نفسك، عظيما عند الله؛ جليلا فى الأرض، كبيرا عند المؤمنين. لم يكن لأحد عندك مطمع ولا لأحد عندك هوادة؛ فالقوى عندك ضعيف حتى تأخذ الحقّ منه، والضعيف عندك قوىّ حتى تأخذ الحقّ له. فلا حرمنا الله أجرك، ولا أضلّنا بعدك.
فانظر إلى هذا الأسلوب العجيب، وتأمّل هذا النّمط الغريب؛ الذى جمع بين سلاسة الألفاظ وإيجازها، وإصابة المعانى وإعجازها. ولا يستكثر على من أنزل القرآن بلغتهم، أن يكون هذا القول من بديهتهم.
ولنذكر لمعة من رسائل البلغاء والفضلاء، ولمحة من أشعار الأدباء والشعراء.
فمن ذلك رسالة كتبها الوزير الفقيه الكاتب أبو القاسم محمد بن عبد الله بن الجدّ، إلى الوزير الفقيه أبى القاسم الهورينى يعزّيه عن أخيه، ابتدأها بأن قال:
لا بدّ من فقد ومن فاقدهيهات ما فى الناس من خالد
كن المعزّى لا المعزّى بهإن كان لا بدّ من الواحد
إذا لم يكن بدّ من تجرّع الحمام، وتشتّت النّظام، وانصداع شمل الكرام؛ فمن الاتفاق السعيد والقدر الحميد أن يرث أعمار البنية الكريمة مشيّد علاها، وتسلم من القلادة وسطاها، فمدار الكنانة على معلّاها، وفخار الحلبة بمحرز مداها. وفى هذه النّبذة إشارة إلى من فرط من الإخوة النبلاء، ودرج من السادة النّجباء؛ فإنهم وإن كانوا فى رتبة الفضل صدورا، وغدوا فى سماء النّبل بدورا؛ فإنّ شمس علائك أبهر أضواء وأزهر أنوارا، وظلّ جنابك على بنيهم ومخلّفيهم أندى آصالا وأبرد أسحارا.
نعى إلىّ- أوشك الله سلوانك، ولا أخلى من شخصك الكريم مكانك! - الوزير
أبو فلان، بردّ الله ثراه، وكرّم مثواه؛ فكأنّما طعن ناعيه فى كبدى، وظعن باكيه بذخيرة جلدى. لا جرم أنّى دفعت إلى غمرة من التّلدّد لو صدم بها النجم لحار، أودهم بها الحزم لخار؛ ثم ثابت إلىّ نفسى وقد وقذها الجزع، وعضّها الوجع؛ فأطلت الاسترجاع، وجمعت الجلد الشّعاع، وها أنا عند الله أحتسبه جماع فضائل، وجمال محافل؛ وحديقة مكارم صوّحت، وصحيفة محاسن درست وانمحت. وما اقتصرت من رسم التعزية المألوف، على القليل المحذوف؛ إلا لعلمى بأن المعزّى لا يورد عليك غريبا، ولا يسمعك من مواعظه عجيبا؛ فبك يقتدى اللّبيب، وعلى مثالك يحتذى الأديب، وإلى غرضك فى كل موطن يوفى المصيب؛ وفى تجافى الأقدار عن حوبائك، وسقوطها دون فنائك؛ ما يدعو إلى حسن التعزية. لا صدع الله جمعك، ولا قرع بنبأة المكروه سمعك.
ومن إنشاء القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى:
ورد الخبر بمصرع فلان الذى عزّ على المعالى، وعزّيت به الليالى؛ وسقط به نجم الشرف وهوى، وجفّ به روض الكرم وذوى؛ ونقصت الأرض من أطرافها، ورجفت الجبال من أعرافها؛ وبكت عليه السماء فإنّ يده كانت من سحبها، وتناثرت له النجوم فإنّ عزمه كان من شهبها؛ واظلمت فى عينى الدنيا الظالمة، وتجرّعت منها كأسا لا تسيغها النفس كاظمة؛ وتقسّمت الأيام فريقين فى مودّتى وعداوتى، فآها على السالفة ولا مرحبا بالقادمة؛ وأصبحت أخوض الماء وأحشائى تتقطّع غليلا، وأرى الناس كثيرا بعينى وبقلبى قليلا.
وما النّاس فى عينىّ إلّا حجارةلبينك والأعراس إلا مآتم
فقد استوحشت الدنيا لفقده، وارتابت بنفسها من بعده، وعلمت حلاوة قربه بمرارة بعده؛ وانصرف ذوو الأبواب عن بابه، واجتنبت الآمال مغنى جنابه، وبكت الرياض على آثار سحابه.
فإن يمس وحشا بابه فلربّماتناطح أفواجا عليه المواكب
ومن إنشائه أيضا رحمه الله تعالى: ما شككت- أطال الله بقاءك- حين ورد النعى بالمصائب التى قصمت الظهور بمكروهها، وحسرت فيها الحسرات عن وجوهها؛ أنّ السماء على الأرض قد انطبقت، وأنّ الأيام ما أبقت والسعادة قد أبقت؛ والحياة لم يبق فى طولها طائل، والصبر بهجير اللوعة ظلّ منسوخ زائل؛ وشمس الفضائل قد غربت وكيف بطلوعها، ونفس المكارم قد نزعت من بين ضلوعها؛ وغاب الإسلام قد غاب منه أىّ ليث، ورياض الآمال قد أقلع عن سقياها أىّ غيث. فإنّا لله وإنا اليه راجعون، رضا بحكمه، وتجلّدا على ما رمى به الحادث من سهمه، وطبّا للقلوب على مضض البلاء وكلمه، وفرارا من الجمع بين مصيبة الفاقد وإثمه. وسقى الله ذاك الضريح ما شاء أن يسقيه من سحاب كصوب يديه، ورحمه رحمة تحفّ بجانبيه. وآها للماء العذب كيف ارتشفته النوازل وأبقت الملح، ثم آها للصباح الطّلق كيف اغتالته الأصائل وأطلقت الجنح؛ ووا أسفا لتلك الذخيرة التى فذلكت بها الأيّام ذخائرى، والسريرة التى طالما صنتها أن تمرّ بسرائرى؛ شفقا عليها من سهام دهر بالذخائر مولعة، وسترا لها من عين زمان على السرائر موقعة. ولئن صحب قلبى بعده أضلعى، وتحمّلت بعد فقده على ظلعى؛ فإنّا غدا على أثره، وإن كنّا اليوم على خبره. وقصر الحياة الى قصور، كما أن محصول غرورها غرور. والتأدّب بأدب الله أولى ما خفّف به المسلوب عن منكبه، وطريق السّلوان لابدّ أن يراجعه عزم منكبّه.
فأنشدها الله إلا جعلت مصيبتها مصيبة على الشامت بما تلبسه من صبر يلبس عليه
المصيبة فيشبّهها بنعمة، وبما تستشعره من تجلّد فى النازلة ينزل عليها صلوات من ربّها ورحمة. ولن ترى أعجب من مصاب لا ترى به إلا مصابا، وساكن ترب لم يبق بعده إلا من سقى بدمعه ترابا؛ اشترك فيه الأمّتان العرب والعجم، وعزّى به العزيزان المجد والكرم، واستباح الدهر به الصيد فى الحرم.
وتشابه الباكون فيه فلم يبندمع المحقّ لنا من المتعمّل
وكتب أيضا فى مثل ذلك: أخّرت مكاتبة الحضرة- مدّ الله فى عمرها وفى صبرها وفى أجرها، وألهمها التسليم لحكم من هو غالب على أمرها- إلى أن تنقضى نبوة الخطب، وتضع الأنفاس أوزارها للحرب، ويخرج ماء الجفن نار القلب؛ وتراجع الخواطر إلى عاداتها، وتنظر فى الدنيا التى ما صحبت إلا على عادياتها ومعاداتها؛ فتكون الحضرة عرفت من غير تعريف، ووقفت على الحزم من غير توقيف؛ وتوفّر عليها الثواب بغير مشارك، ورجعت إلى فهم مدرك وصواب مدارك. وتأخير التعزية عن البادرة خلاف ما شرع فيها، ولكن إنما يحتاج أن يثبّت من صبره هاف، ويرمّ من تجلّده عاف. وقد علم الله اهتمامى واغتمامى بفقد شيخها ﵀ وعدمها منه من لا عوض عنه إلا ثواب الله الذى يهوّن الوقائع، ويوطّن على الروائع. وأسباب التعزية غير واحدة، منها أنه إنما درج فى السنّ التى هى معترك المنايا، ومنها أنه ما خرج عن الدنيا الى أن رأى منها خلفا يهوّن الرزايا؛ ومنها أنه لقى الله بعمل صالح هو بمشيئة الله نجاته، ومنها أنه فارقها على الرضا عنها ويكفيها مرضاته، وعلى الدعاء المقبول لها ونعمت الجنن دعواته.
ولكن للألّاف لا بدّ حسرةإذا جعلت أقرانها تنقطع
ومنها أن الحزن لو أطيع والحزم لو أضيع لما أفضى إلى مراد، ولا أعاد ميّتا قبل المعاد. وأحقّ متروك ما يأثم طالبه، ويؤجر مجانبه.
عن الدهر فاصفح إنه غير معتبوفى غير من قد وارت التّرب فاطمع
والحضرة تعلمنى من لا حقة رجوعها إلى الله بعد الاسترجاع، ومن تسليم خاطر الحزن إلى حكم الله ما يسرّ خاطر الاستطلاع؛ وحسبه- أبقاه الله تعالى- من كل هالك، ولا يجزع المحاسب من فذالك، ومثله من أخذ بعزائم الله فيما هو آخذ وتارك.
جبر الله مصابه، وعظّم ثوابه، وسقى الماضى وروّى ترابه، ولا تذهب النفس حسرة لما شهدت العين ذهابه.
وتخطّفته يد الرّدى فى غيبتىهبنى حضرت فكنت ماذا أصنع
ومن إنشاء الشيخ ضياء الدين أحمد بن محمد القرطبىّ ما كتب به الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ يعزّيه فى مملوك توفّى له، وكان الصاحب قد جزع لفقده. ابتدأ كتابه بأن قال:
فدى لك من يقصّر عن مداكافلا أحد إذا إلا فداكا
إنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة، وسنّة فى الأسى مستحسنة؛ وإنما الأنفس ودائع مستودعة، وعوار مسترجعة، ومواهب بيد الفناء مستنزعة.
فالعمر نوم والمنيّة يقظةوالمرء بينهما خيال سارى
وما برح ذوو العزمات يتلقّون واردات المصائب بصبرهم، وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم. وإنّ يد الله لمليّة بفيض المواهب، وفى الله عوض من كل بائن وخلف من كل ذاهب. وإذا سلم مولانا فى نفسه وولده، فلا بأس إذا تطرّقت يد الردى إلى ملك يده.
فأنت جوهرة الأعناق، ما ملكتكفّاك من طارف أو تالد عرض
والحمد لله الذى جعل المصيبة عندك لا بك، والرزيّة لك لا فيك.
إذا سلمت فكلّ الناس قد سلموا
واذا تخطّتكما المنيّة فلها فى سواكما الخيار، ولنا القدح المعلّى إذا أورى زند هذا الاختيار. ولا بدّ فى مشرع المنيّة من مفقود وفاقد.
كن المعزّى لا المعزّى بهإن كان لا بدّ من الواحد
وهذا فقد وهبه الله لمولانا من حيث إنه أخذه منه، وأبقاه له من حيث رآه ذاهبا عنه؛ فهو بالأمس عارية مردودة، واليوم ذخيرة موجودة؛ وكان عطيّة مسلوبة وهو الآن نعمة موهوبة؛ كنت له وهو الآن لك، وفزت به والسعيد من فاز بما ملك. وهذه دار دواؤها داؤها، وبقاؤها فناؤها؛ طالبها مطلوب، وسالبها مسلوب؛ وإن لنا فيمن سلف لعزاء، ولنا برسول الله ﷺ اقتداء؛ ولا بدّ من ورود هذا المشرع، وملاقاة هذا المصرع.
ومن إنشاء المولى شهاب الدين محمود الحلبى ما كتب به عن بعض النوّاب إلى الأمير عزّ الدّين الحموىّ النائب- كان بدمشق- تعزية بولده:
أعزّ الله أنصار المقرّ الكريم العالى، ولا هدمت له الخطوب ركنا، ولا فجأت له الحوادث حمّى ولا طلبت عليه إذنا، ولا هصرت أيدى الأقدار من عروشه الناضرة غصنا، ولا أذاقته الأيّام بعد ما مرّ أسفا على من يحبّ ولا حزنا، ولا سلبه الجزع رداء الصّبر الذى يخصّه بجزيل الأجر وإن شركه فى الأسى والأسف كلّ منا.
المملوك يقبّل اليد الكريمة، وينهى أنه اتّصل به النبأ الذى صدع قلبه، وشغل بالبكاء طرفه وبالأسف لسانه وبالحزن لبّه؛ وهو ما قدّره الله تعالى من وفاة المولى الأمير ركن الدين عمر- تغمده الله برضوانه- الذى اختار الله له ما لديه، وارتضى له البقاء
الدائم على الفانى فنقله إليه؛ على أن الدين فقد منه ركنا شديدا، ورأيا سديدا، وعزما وحزما معينا مفيدا، وأميرا أردنا أن يعيش سعيدا، فأبى الله إلا أن يموت شهيدا؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. لقد كان للرجاء فى اعتضاد الدولة القاهرة به أىّ مجال، وللآمال فى الانتظار ببأسه ظنون تحقّق أن الغلبة للدّين دائما مع أن الحروب سجال؛ وللمواكب بطلوع طلعته أىّ إشراق، وللعيون عن مشاهدة كماله وأبهة جلاله أىّ إغضاء وأىّ إطراق. ولله أىّ بدر هوى من أفق بروجه عن فلك، وأىّ شمس ما رأته الجوارى الكنّس إلا قلن: حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك؛ وأىّ حصن كانت منه ثمار الشجاعة تجتنى، وأىّ أسد براثنه الصوارم وأجماته القنا. لقد فتّ فى عضد الدين مصابه، وأذهب صحّة الأنس به وحلاوة وجوده أوصاب فقده وصابه؛ وكادت الصوارم أن تشقّ عليه غمودها، والرّايات أن تقطّع عليه ذوائبها وتغيّر بنودها، والرماح أن تعرض على النار لتقصف لا لتثقّف قدودها؛ والجياد أن تتعثّر للحزن بذيولها، وتعتاض بالنّوح عن صهيلها. ولو أنصف لأكنّته القلوب فى ضمائرها، ولو قبل الفداء لسمحت فيه النفوس بالنفائس ولو كانت الحياة من ذخائرها؛ أو لو كان الحتف مما يدافع بالجنود تحطّمت دونه القنا فى دروع عساكرها، ولكنه السبيل الذى لا محيد عن طريقه، والمعرّس الذى لا بدّ لكل حىّ من النزول على فريقه؛ وهو الغاية التى تستنّ إليها النفوس استنان الجياد، والحلبة التى كنّا نحن وهذا الدارج نركض إليها ولكنّ السابق كان الجواد؛ على أن المتأخّر لا بدّ له من اللّحاق، وماذا عسى يسرّ البدر بكماله وهو يعلم أن وراءه المحاق! وفى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يعلم أن كلّ رزء بعده جلل، وإذا انتقل العبد إلى الله تعالى غير مفتون فى دينه ولا مثقل الظهر من الأوزار حمد فى غد ما فعل؛ وغبط بقدومه
على أكرم الأكرمين مسرورا، ولقى الله وقد جعل فى قلبه نورا وفى سمعه نورا وفى بصره نورا. والمولى أعزه الله تعالى أولى من تلقّى أمر الله بالتسليم والرضا، وقابل أقداره بأن الخيرة فيما قدّر وقضى؛ وحمد الله على ما وهب من بقاء إخوته الذين فيهم أعظم خلف، وأجمل عوض يقال به للدّهر الذى اعتذر بدوام المسرّة فيهم: عفا الله عمّا سلف؛ وعلم أنّ الخطب الذى هدّ ركن الدين باحترابه واجتراحه، قد صرفه إلى الأمد عن الإلمام بساحة شهابه والتعرّض إلى حمى فخره والنظر إلى حىّ صلاحه؛ ففى بقائهم ما يرغم العدا، ويعزّ حزب الهدى؛ ويقيم كلّا منهم فى خدمة الدولة القاهرة بين يدى المولى مقام الشّبل المنتمى للأسد، وينهضهم من مصالح الإسلام مع ما يعلمه منهم من حسن الثّبات من الوالد وسرعة الوثبات من الولد. والله تعالى يجزل له من الأجر أوفاه، ويحفظ عليه- وقد فعل- أخراه؛ ويجعله للإسلام ذخرا، ولا يسمعه مع طول البقاء بعدها تعزية أخرى.
ومن أحسن الرثاء وأشجاه ما نطقت به الخنساء فى رثائها لأخيها صخر، فمن ذلك قولها:
ألا يا صخر إن أبكيت عينىلقد أضحكتنى دهرا طويلا
دفعت بك الجليل وأنت حىّفمن ذا يدفع الخطب الجليلا
إذا قبح البكاء على قتيلرأيت بكاءك الحسن الجميلا
وقالت أيضا فيه:
الا هبلت أمّ الذين غدوا بهإلى القبر، ماذا يحملون إلى القبر!
وماذا يوارى القبر تحت ترابهمن الجود! يا بؤس الحوادث والدهر!
فشأن المنايا إذ أصابك ريبهالتغد على الفتيان بعدك أو تسرى
وقالت:
يذكّرنى طلوع الشمس صخراوأبكيه لكلّ غروب شمس
ولولا كثرة الباكين حولىعلى إخوانهم لقتلت نفسى
وما يبكون مثل أخى ولكنأسلّى النفس عنه بالتأسّى
وقالوا: أرثى بيت قالته العرب قول متمّم بن نويرة فى أخيه مالك، وكان قد قتله خالد بن الوليد فى الرّدّة. وكان متمم قدم العراق، فأقبل لا يرى قبرا إلا بكى؛ فقيل له: يموت أخوك بالملا وتبكى على قبر بالعراق! فقال:
لقد لامنى عند القبور على البكارفيقى لتذراف الدموع السّوافك
أمن أجل قبر بالملا أنت نائحعلى كلّ قبر أو على كلّ هالك
وقال: أتبكى كلّ قبر رأيتهلقبر ثوى بين اللّوى فالدّكادك
فقلت له: إن الشّجا يبعث الشجافدعنى فهذا كلّه قبر مالك
معناه قد ملأ الأرض مصابه عظما، فكأنه مدفون بكلّ مكان. وهو أبلغ ما قيل فى تعظيم ميّت. وقيل أرثى بيت قالته العرب قول المحدث:
على قبره بين القبور مهابةكما قبلها كانت على صاحب القبر
وقيل: بل قول الآخر:
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوّهفطيب تراب القبر دلّ على القبر
وقالوا: بل بيت غيره:
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تهدّما
وقال الأصمعى: أرثى بيت قالته العرب قول الشاعر:
ومن عجب أنّ بتّ مستشعر الثّرىوبتّ بما زوّدتنى متمتّعا
ولو أننى أنصفتك الودّ لم أبتخلافك حتى ننطوى فى الثرى معا
ومن أحسن الرثاء قول حسين بن مطير الأسدىّ:
ألمّا بمعن ثم قولا لقبره:سقتك الغوادى مربعا ثم مربعا
فتى عيش فى معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
أيا قبر معن كنت أوّل حفرةمن الأرض خطّت للسماحة مضجعا
ويا قبر معن كيف واريت جودهوقد كان منه البرّ والبحر مترعا!
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتولو كان حيّا ضقت حتى تصدّعا
ولمّا مضى معن مضى الجود والنّدىوأصبح عرنين المكارم أجدعا
قال أبو هلال العسكرىّ: هذه الأبيات أرثى ما قيل فى الجاهلية والإسلام.
وقال بكر بن النّطّاح يرثى معقل بن عيسى:
وحدّثنى عن بعض ما قال أنهرأت عينه فيما ترى عين نائم
كأن النّدى يبكى على قبر معقلولم تره يبكى على قبر حاتم
ولا قبر كعب إذ يجود بنفسهولا قبر حلف الجود قيس بن عاصم
فأيقنت أن الله فضّل معقلاعلى كل مذكور بفضل المكارم
وقال آخر:
لعمرك ماوارى التراب فعالهولكنما وارى ثيابا وأعظما
ومثله لمنصور النّمرىّ:
فإن تك أفنته الليالى وأوشكتفإن له ذكرا سيبقى اللياليا
وقال التميمىّ فى منصور بن زياد:
أمّا القبور فإنّهنّ أوانسبفناء قبرك والدّيار قبور
عمّت صنائعه فعمّ مصابهفالناس فيه كلّهم مأجور
يثنى عليك لسان من لم تولهخيرا لأنك بالثناء جدير
ردّت صنائعه إليه حياتهفكانه من نشرها منشور
فالناس مأتمهم عليه واحدفى كل دار رنّة وزفير
وقال ابن القزّاز المغربىّ:
سأبكيك لا أن البكا عدل لوعتىولا أنّ وجدى فيك كفء تندّمى
وقلّ لعينى أن تفيض دموعهاعليك ولو أنّ الذى فاض من دمى
وقال الخريمىّ
وأعددته ذخرا لكلّ ملمّةوسهم الرّزايا بالذخائر مولع
وإنى وإن اظهرت منّى جلادةوصانعت أعدائى عليه لموجع
ولو شئت أن أبكى دما لبكيتهعليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وقال أبو هلال العسكرىّ:
على الرغم من أنف المكارم والعلاغدت داره قفرا ومغناه بلقعا
ألم تر أنّ البأس أصبح بعدهأشلّ وأن الجود أصبح أجدعا
فمرّا على قبر المسوّد وانظراإلى المجد والعلياء كيف تخشّعا
فإن يك واراه التراب فكبّراعلى الجود والمعروف والفضل أربعا
ولا تسأما نوحا عليه مكرّراونوحا لفقد العارفات مرجّعا
فما كان قيس هلكه هلك واحدولكنّه بنيان قوم تضعضعا
ولا تحسبا أنّى أواريه وحدهولكنّنى واريته والنّدى معا
وقال أيضا:
ألست ترى موت العلا والفضائلوكيف غروب النجم بين الجنادل!
فما للمنايا أغفلت كلّ ناقصونقّبن فى الآفاق عن كلّ فاضل!
على الرغم من أنف العلاسيق للرّدىبكل كريم الفعل حر الشمائل
على أنّ من أبقته ليس بخالدوليس امرؤ يرجو الخلود بعاقل
رأيت المنايا بين غاد ورائحفما للبرايا بين ساه وغافل!
ولم أر كالدنيا حبيبا مضرّةولم أر مثل الموت حقّا كباطل
وقال الرّقاشىّ فى البرامكة:
ألان استرحنا واستراحت ركابناوقلّ الذى يحدى ومن كان يحتدى
فقل للمطايا: قد أمنت من السّرىوطىّ الفيافى فدفدا بعد فدفد
وقل للمنايا: قد ظفرت بجعفرولن تظفرى من بعده بمسوّد
وقل للعطايا بعد فضل: تعطّلىوقل للرزايا كل يوم: تجدّدى
ودونك سيفا برمكيّا مهنّداأصيب بسيف هاشمىّ مهنّد
وقال آخر:
سأبكيك للدّنيا وللدّين، إننىرأيت يد المعروف بعدك شلّت
ربيع إذا ضنّ الغمام بمائهوليث إذا ما المشرفيّة سلّت
وقال عبد الله بن المعتزّ:
ألست ترى موت العلا والمحامدوكيف دفنّا الخلق فى قبر واحد
وللدّهر أيّام يسئن عوامداويحسنّ إن أحسنّ غير عوامد
وقال أبو الطيّب المتنّبى:
إنى لأعلم- واللبيب خبير-أن الحياة وإن حرصت غرور
ما كنت أعلم قبل دفنك فى الثرىأن الكواكب فى التّراب تغور
خرجوا به ولكلّ باك حولهصعقات موسى يوم دكّ الطّور
حتى أتوا جدثا كأنّ ضريحهفى قلب كلّ موحّد محفور
نبكى عليه وما استقرّ قرارهفى اللحد حتى صافحته الحور
ومنها:
صبرا على المكروه فيه تكرّماإنّ العظيم على العظيم صبور
ولكلّ مفجوع سواكم مشبهولكلّ مفقود سواه نظير
وقال آخر:
كفى حزنا أنّى تخلّفت بعدهأدور مع الباكين فى عرصاته
وصارت يمينى ما حلفت بقبرهوكانت يمينى قبلها بحياته
وقال آخر:
وكنت أخاف الدّهر ما كان باقيافلما تولّى مات خوفى على الدّهر
وقال آخر:
ولما دعوت الصبر بعدك والبكاأجاب البكا طوعا ولم يجب الصبر
وإن ينقطع منك الرجاء فإنهسيبقى عليك الحزن ما بقى الدهر
وقال آخر:
فو الله لو أسطيع قاسمته الرّدىفمتنا جميعا أو يقاسمنى عمرى
ولكنما أرواحنا ملك غيرنافما لى فى نفسى ولا فيه من أمر
أحمّله ثقل التّراب وإننىلأخشى عليه الثقل من موطئ الذّرّ
وما انا بالوافى وقد عشت بعدهوربّ اعتراف كان أبلغ من عذر
وقال آخر:
يا راحلا لم يبق لىمن بعده فى العيش نفعا
ضاقت علىّ الأرض فيك وضقت بالإخوان ذرعا
ورعيت فيك النّجم يامن كان يحفظنى ويرعى
أبكيك بالشعر الذىقد رقّ حتى صار دمعا
وقال تاج الملوك بن أيّوب يرثى أخاه:
لو كان يشفى الدمع غلّة واجدلشفى غليلى فيض دمعى الهامر
هيهات لا برد الغليل وقد ثوىمن كان من عددى وخير ذخائرى
يا للرّجال لنكبة قد أذهبتجلد الجليد وحسن صبر الصابر
طرقت فتى الملك المعظّم فانثنىمن بعد بهجته كربع داثر
ومنها:
جبل هوى فارتجّت الدنيا لهفكأنما ركبت جناحى طائر
ومنها:
من للنّوائب يوم تفترس الورىقسرا بأنياب لها وأظافر
أضحى وحيدا فى التراب كأنّهما سار بين مواكب وعساكر
قد كان لا تعصى البريّة أمرهفانقاد ممتثلا لأمر الآمر
مولاى دعوة واله غادرتهوقفا على نوب الزمان الغادر
هل من سبيل للزيارة عندهاهيهات حال الموت دون الزائر
لو كان خصمك غير حادثة الرّدىلرددته بذوابل وبواتر
أو كان يدرك ثأر من أودى بهريب المنون لكنت أوّل ثائر
لكنّه الموت الذى قهر الورىمن حيث لا تثنيه قدرة قادر
وقال كمال الدين بن النبيه يرثى الأمير على ابن الخليفة الناصر لدين الله:
الناس للموت كخيل الطّرادفالسابق السابق منها الجوادّ
والله لا يدعو إلى دارهإلا من استصلح من ذى العباد
والموت نقّاد، على كفهجواهر يختار منها الجياد
والمرء كالظلّ ولا بدّ أنيزول ذاك الظلّ بعد امتداد
لا تصلح الأرواح إلّا إذاسرى إلى الأجسام هذا الفساد
أرغمت يا موت أنوف القناودست أعناق السيوف الحداد
كيف تخرّمت أميرا وماأنجده كلّ طويل النّجاد
مصيبة أذكت قلوب الورىكأنما فى كلّ قلب زناد
نازلة عمّت فمن أجلهاسنّ بنو العباس لبس السّواد
مأتمة فى الأرض لكن لهاعرس على السبع الطّباق الشّداد
طرقت يا موت كريما فلميقنع بغير النفس للضيف زاد
قصمته من سدرة المنتهىغصنا فشلّت يد أهل العناد
يا ثالث السّبطين خلّفتنىأهيم من همّى فى كلّ واد
يا نائما فى غمرات الرّدىكحلت اجفانى بميل السّهاد
ويا ضحيع التّرب أسقمتنىكأنما فرشى شوك القتاد
دفنت فى الترب ولو أنصفواما كنت إلا فى صميم الفؤاد
خليفة الله اصطبر واحتسبفما وهى البيت وأنت العماد
فى العلم والحلم بكم يقتدىإذا دجا الخطب وضلّ الرشاد
وأنت لجّ البحر ما ضرّهأن سال من بعض نواحيه واد
ولما مات الإخشيد محمد بن طغج رثاه جماعة من الشعراء منهم محمد بن الحسن ابن زكريا فقال:
فى الرزايا روائع الأوجالوالبرايا دريئة الأجال
وكذا الليل والنهار اعتبارللورى فى تفكّر الأحوال
كلّ شىء وإن تمادى مداهقصره للفناء أو للزّوال
وأرى كلّ عيشة لأناسكونها مؤذن بوشك انتقال
كل ذى جدّة- إذا ما الجديدان ألّحا عليه- مود بال
ما لخلق من المنون مفرّلا ولا دون بطشها من مآل
كان غيث الأيّام إن أخلف الغيث أطلّت سحابه بانهمال
فجعتنا بواهب لا نراهيخلق الوجه عنده بابتذال
فجعتنا ببهجة الأرض فى الأرض وشمس الضّحى وبدر اللّيالى
فجعتنا بمن حمى حرمة الإسلام من حادث ومن ختّال
فجعتنا بالباسل البطل السامى غداة الوغى إلى الأبطال
فجعتنا بالواهب المجزل المرتاح حين السؤال للسّؤال
عجب إذ دنت إليه المناياوحمى عزّه المنيع العالى
أين من يشترى المدائح والشكر بأسنى وفر وأوفى نوال
قطع الموت وصلنا منه كرهاوالردى قاطع لكل اتّصال
رحمة الله والسلام عليهفى الضّحى والعشاء والاصال
وسقى الله حفرة ضمّنتهشكر واه من الحيا هطّال
ثم خرج من الرثاء إلى مدح ابنه فقال:
إن خبا بدره فقد لاح للأمّة لمّا خبا طلوع الهلال
نوره مشرق مضىء مدى الدهر منير وليس ذا اضمحلال
وقال أبو الطيب المتنبّى يرثيه:
هو الزمان مشتّ بالذى جمعافى كل يوم نرى من صرفه بدعا
لو كان ممتنع تغنيه منعتهلم يصنع الدهر بالإخشيد ما صنعا
ذاق الحمام فلم تدفع كتائبهعنه القضاء ولا أغناه ما جمعا
لقد نعى من نعاه كلّ مفتخروكلّ جود لأهل الأرض حين نعى
لله ما حلّ بالإسلام حين ثوى!لقد وهى شعب هذا الدّين فآنصدعا
فمن تراه يقود الخيل ساهمةسدّ الفضاء وملء الأرض ما وسعا
ترى الحتوف غلوقا فى أسنّتهلدى الوغى وشهاب الموت قد لمعا
لو كان يسطيع قبر ضمّه لسعىإليه شوقا ليلقاه وإن شسعا
فليعجب الناس من لحد تضمّن منتضمّن الرزق بعد الله فاضطلعا
لو يعلم اللحد ما قد ضمّ من كرمومن فخار ومن نعماء لاتّسعا
يا لحده إن تضق عنه فلا عجبفيه الحجا والنّهى والبأس قد جمعا
يا لحد طل إنّ فيك البحر محتبساواللّيث منهصرا والجود مجتمعا
يا يومه لم تخصّ الفجع أسرتهكلّ الورى بردى الإخشيد قد فجعا
يا يومه لم تدع صبرا لمصطبرولم تدع مدمعا إلا وقد دمعا
اردى الرّفاق ردى الإخشيد فآنقرضوافما ترى منهم فى الأرض منتجعا
يأيها الملك المخلى مجالسهأحميت أعيننا الإغماض فامتنعا
ومنها:
لئن مضيت حميد الأمر مفتقدالقد تركت حميد الأمر متّبعا
ثم خرج من الرثاء إلى مدح ولد الإخشيد:
ثبت الجنان فلا نكس ولا ورعتلقاه مؤتزرا بالحزم مدّرعا
أعطت أبا القاسم الأملاك بيعتهاولو أبت أخذت أسيافه البيعا
وانقاد أعداؤه ذلّا لهيبتهوظلّ متبوعهم من خوفه تبعا
أضحت به همم الغلمان عاليةكأنّ مولاهم الإخشيد قد رجعا
وقال مهلهل بن يموت يرثيه أيضا:
أىّ عزّ مضى من الإسلام!أىّ ركن أضحى حديث انهدام!
ذاق موتا محمد بن طغجهو ليث الشّرى وغيث الغمام
فقد الناس مولى الإنعامفهم سائمون كالأنعام
مات ربّ العلا وراعى الرعاياوالسرايا وكافل الأيتام
أين ما كنت فيه من عزّك الباذخ والمرتقى عزيز المرام!
أين ذاك الحجاب والملك والهيبة أين الزّحام وقت الزّحام!
من أمير وقائد وخطيرورئيس وماجد وهمام
كلّهم مطرق لديك من الهيبة خوف الإجلال والإعظام
أين تلك الخيام حولك إن عرّست والأسد حول تلك الخيام
من عديد وعدّة لك ما بين قعود فيها وبين قيام
لم يطق جمعهم دفاع الرّدى عنك ولم يمنعوك منع اعتصام
أسلمتك الخيول قسرا وقد كنت عليها سورا على الإسلام
خانك السيف وهو يصدر عن أمرك مستعديا بغير احتجام
خذل الرمح وهو عونك لوحان لقاء وثار نقع قتام
لم تردّ القسىّ عنك سهام الحتف والحتف عندها فى السهام
ما وقتك الحراب حرب المناياحين وافاك جيشها من أمام
لم يحصّنك ما اقتنيت من الآلات من جوشن ولا من لام
حكم الموت فيك من بعد ما كنت ترى حاكما على الحكّام
فقدتك الفسطاط وجدا مدى الدهر ومن بعدها بلاد الشام
فجعت يثرب ومكّة والبيت إلى زمزم أجل والمقام
عمّ فيك المصاب فاشترك العالم فى الرّزء منه والآلام
حسبنا الله عزّ من حكم يجرى على الحاكمين بالأحكام
كلّ شىء إلى زوال، ومن ذانال ملك الدنيا بغير اخترام
أين أين الملوك فى سالف الدّهر دهتهم حوادث الأيّام
أين من قد كانوا يخافون فى البأس ويرجون للعطايا الجسام
ليس يبقى إلا الإله تعالىمن له الملك ثابتا بالدّوام
أيّهذا الأمير بل يا أبا القاسم يابن السّميدع القمقام
ارض حكم الإله فى الملك الماضى وسلّم لنافذ الأحكام
وهناك الذى بلغت من الأمر وما حزته بحسن انتظام
ما كمثل الذى رزئت ولا مثل الذى قد ملكت فى ذا العام
أنت مثل الإخشيد فانهض بما ملّكت بالجدّ منك والإعتزام
وقال بعض الشعراء يرثى الوزير يعقوب بن كلّس وزير العزيز بن المعزّ خليفة مصر:
إن التصبر فى الأمور جميلإلا عليك فما إليه سبيل
يا حاملا ثقل العلا وكأنهلعلوّ همّته بها محمول
يا واهبا فوق المنى وكأنهلسخائه مما يجود بخيل
جاء منها:
يا ترب لا تأكل لسانا طالماوالى به التحميد والتهليل
يا ترب لا تعنف بكفّ طالماقد كان يؤلم ظهرها التقبيل
ومنها:
يا دهر تعلم ما جنيت على الورى؟!خطب لعمرك إن علمت جليل
ما كان ضرّك لو مهلت بمثلهيا دهر إنك بعدها لعجول
ومن المراثى المشهورة التى عنى بها، واتصلت أسباب الشارحين بسببها، المرثية العبدونيّة التى نظمها الوزير الكاتب أبو محمد عبد المجيد بن عبدون يرثى بها بنى مسلمة المعروفين ببنى الأفطس، وهى من أمهات القصائد ووسائط القلائد؛ فإنه ذكر فيها عدّة من مشاهير الملوك والخلفاء والأكابر ممن أبادهم الدهر بحوادثه ونكباته، ووثب عليهم الزمن فما وجدوا جنّة تقيهم من وثباته؛ ودبّت [عليهم] الأيام بصروفها، وسقتهم المنيّة بكأس حتوفها. وها نحن نذكرها ونزيدها تبيانا بشرح من استبهمت أخباره، وخفيت على المطالع آثاره.
وأوّل القصيدة:
الدّهر يفجع بعد العين بالأثرفما البكاء على الأشباح والصّور
أنهاك أنهاك لا آلوك معذرةعن وقفة بين ناب الليث والظّفر
فالدهر حرب وإن أبدى مسالمةفالبيض والسّمر مثل البيض والسّمر
ولا هوادة بين الرأس تأخذهيد الضّراب وبين الصارم الذّكر
فلا تغرّنك من دنياك نومتهافما صناعة عينيها سوى السّهر
ما للّيالى- أقال الله عثرتنامن اللّيالى وخانتها يد الغير-
فى كلّ حين لها فى كلّ جارحةمنّا جراح وإن زاغت عن البصر
تسرّ بالشىء لكن كى تغرّ بهكالأيم ثار إلى الجانى من الثمر
كم دولة وليت بالنصر خدمتهالم تبق منها! وسل ذكراك من خبر
هوت «بدار:» وفلّت غرب قاتلهوكان عضبا على الأملاك ذا أثر
«دارا» الذى ذكره هو دارا بن دارا آخر ملوك الفرس؛ وقاتله الإسكندر.
وسنذكر إن شاء الله أخبارهما فى فنّ التاريخ.
واسترجعت من بنى ساسان ما وهبتولم تدع لبنى يونان من أثر
«بنو ساسان» هم الفرس الأخر ولهم دولة مشهورة انقرضت فى الإسلام.
و «بنو يونان» أيضا من الملوك أرباب الدول المشهورة، ومن مشاهير ملوكهم الإسكندر بن فيلبس. وسترد إن شاء الله أخبارهم.
وأتبعت أختها طسما، وعاد علىعاد وجرهم منها ناقض المرر
أخت «طسم» جديس، وهما أبناء عمّ كثر نسلهما وهم العرب العاربة.
وسنذكر أخبارهما إن شاء الله فى وقائع العرب. و «عاد» هم قوم هود. و «جرهم» هو ابن عوف بن زهير بن أنس بن الهميسع بن حمير بن سبأ الأكبر بن يشجب ابن يعرب بن قحطان، وقيل: إن العمالقة من ولد جرهم. أراد بذكرهم أنهم كلّهم أبادهم الموت.
وما أقالت ذوى الهيئات من يمنولا أجارت ذوى الغايات من مضر
«اليمن» كلّهم باتفاق العلماء بالأنساب من ولد قحطان، ومنهم ملوك نذكرهم إن شاء الله فى التاريخ. و «مضر» بن نزار بن معدّ بن عدنان. وقدّ تقدم ذكرهم فى الأنساب.
ومزّقت سبا فى كلّ قاصيةفما التقى رائح منهم بمبتكر
«سبأ» الذى أشار إليه هو سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، واسمه عبد شمس، وإنما قيل فيه سبأ لأنه أوّل من أدخل بلاد اليمن السّبى. وكان له عشرة أولاد سكن الشام منهم أربعة وهم: لخم وغسّان وجذام وعاملة، وسكن اليمن منهم ستة: كندة ومذحج والأزد وأنمار [والأشعر وعمرو]؛ وقد ذكر الله ﷿ تمزيقهم بقوله: وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ
. وسنذكر أخبار سيل العرم وسدّ مأرب.
وأنفذت فى كليب حكمها ورمتمهلهلا بين سمع الأرض والبصر
«كليب» الذى ذكر هو كليب بن ربيعة بن الحارث الذى ضرب به المثل فقيل: «أعزّ من كليب وائل». وأشار ابن عبدون فى هذا البيت إلى ما كان من قتل جسّاس بن مرّة كليبا وما وقع بين بكر وتغلب من الحروب التى نشرحها إن شاء الله فى وقائع العرب. وقوله: «ورمت مهلهلا بين سمع الأرض والبصر» كأنه أراد ما حكى أنه قتل فى موضع لم يطّلع عليه أحد، وهو مثل؛ يقال: فعل كذا وكذا بين سمع الأرض وبصرها إذا فعله خاليا.
ولم تردّ على الضّلّيل صحّتهولا ثنت أسدا عن ربّها حجر
«الضّلّيل» الذى أشار إليه هو امرؤ القيس بن حجر بن عمرو، والحارث هو آكل المرار؛ وسمّى امرؤ القيس بالضلّيل لأنه ترك ملكه وتوجّه إلى قيصر يطلب منه
جيشا يأخذ به ثأر أبيه من بنى أسد. وإشارته إلى الصحّة لقول امرئ القيس فى قصيدته السينيّة:
وبدّلت قرحا داميا بعد صحّةلعلّ منايانا تحوّلن أبؤسا
لقد طمح الطمّاح من بعد أرضهليلبسنى من دائه ما تلبّسا
و «الطّماح» رجل من بنى أسد أرسله قيصر إلى امرئ القيس بحلّة مسمومة، فلما لبسها تقطّع ومات بأنقرة. وإشارته إلى أسد لأن بنى أسد كانوا قتلوا حجر ابن الحارث يوم ماقط.
ودوّخت آل ذبيان وإخوتهمعبسا وعضّت بنى بدر على النّهر
أشار إلى ما كان بين عبس وذبيان من الحروب بسبب داحس والغبراء.
وسير ذلك فى وقائع العرب إن شاء الله تعالى.
وألحقت بعدىّ بالعراق علىيد ابنه أحمر العينين والشّعر
أراد عدىّ بن أيوب بن زيد مناة بن تميم الشاعر. وأحمر العينين والشعر هو النّعمان بن المنذر. وكان عدىّ هذا ترجمانا لأبرويز وكاتبه بالعربيّة، فلما مات قابوس بن المنذر تلطّف عدىّ وتحيّل على أبرويز حتى ولّى النعمان إمرة العرب وقدّمه على إخوته وكان أدمّهم، ثم اتهمه النعمان أنه وشى به فاحتال عليه حتى ظفر به وحبسه ثم قتله بالعراق؛ فتلطّف ابنه زيد بن عدىّ وتوصّل حتى خدم أبرويز على عادة أبيه، وأوقع بين أبرويز والنعمان حتى قتله أبرويز، على ما يرد إن شاء الله تعالى فى التاريخ. والله أعلم.
وأشرفت بخبيب فوق فارعةوألصقت طلحة الفيّاض بالعفر
أشار إلى خبيب بن عدىّ الأنصارىّ وهو بدرىّ وأسر فى السريّة التى خرج فيها مرثد بن أبى مرثد فانطلق به المشركون إلى مكّة واشتراه حجر بن إهاب التميمىّ
حليف بنى نوفل لعقبة بن الحارث بن نوفل ليقتله بأبيه، وكان خبيب قتل الحارث أبا عقبة يوم بدر، فصلبه عقبة على خشبة بالتّنعيم وقتله. وطلحة الفيّاض هو طلحة ابن عبد الله التميمىّ أحد العشرة أصحاب رسول الله ﷺ، قتل يوم الجمل، على ما سنذكره إن شاء الله تعالى.
ومزّقت جعفرا بالبيض، واختلستمن غيله حمزة الظّلام للجزر
«جعفر» الذى ذكره هو جعفر بن أبى طالب أخو علىّ رضى الله عنهما قتل فى غزوة مؤتة. «حمزة» هو ابن عبد المطلب عمّ رسول الله ﷺ وقتل يوم أحد قتله وحشىّ غلام جبير بن مطعم؛ وجعله ظلّاما للجزر وصفه بالكرم.
وبلّغت يزدجرد الصّين واختزلتعنه سوى الفرس جمع التّرك والخزر
ولم تردّ مواضى رستم وقناذى حاجب عنه سعدا فى ابنة الغير
«يزدجرد» الذى ذكر هو ابن شهريار آخر الملوك الساسانيّة. ورستم هو الأرمينىّ وهو الذى قاتل سعد بن أبى وقّاص وقتل يوم القادسيّة، على ما ياتى شرح ذلك فى مواضعه إن شاء الله تعالى.
وخضّبت شيب عثمان دما، وخطتإلى الزبير، ولم تستحى من عمر
أشار فى هذا البيت إلى مقتل عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان والزبير بن العوّام رضى الله عنهم. وسترد إن شاء الله أخبارهم.
وما رعت لأبى اليقظان صحبتهولم تزوّده إلا الضّيح فى الغمر
«أبو اليقظان» هو عمّار بن ياسر العنسىّ قتل بصفّين وكان مع علىّ؛ وعنه قال رسول الله ﷺ: «تقتل عمّارا الفئة الباغية». ولما قتل كانت الراية يومئذ بيده فعطش فدعا بشربة من الماء فأتى بضيحة فشربها ثم قال: أخبرنى
رسول الله ﷺ أن اللّبن آخر شربة أشربها فى الدنيا؛ فقتل يومئذ رضى الله عنه.
وأجزرت سيف أشقاها أبا حسنوأمكنت من حسين راحتى شمر
أشقاها هو عبد الرحمن بن ملجم المرادىّ قاتل علىّ بن أبى طالب رضى الله عنه لقوله ﷺ: «يا علىّ، أشقاها الذى يخضب هذه من هذه» وأشار إلى لحية علىّ ورأسه. والحسين الذى ذكره هو الحسين بن علىّ. وشمر هو شمر ابن ذى الجوشن وهو الذى أرسله عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد يحرّضه على قتل الحسين؛ وقيل: إن شمرا لم يباشر قتل الحسين، والذى قتله سنان بن أنس النّخعى، وشمر فهو المجهز والمحرّض على قتله، فلذلك ذكره.
وليتها إذ فدت عمرا بخارجةفدت عليّا بمن شاءت من البشر
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع