من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومما قيل فى شواذ المراثى
من ذلك ما قالته جليلة بنت مرّة أخت جسّاس زوج كليب لما قتل أخوها جسّاس زوجها كليبا؛ وكان نساء الحىّ لما اجتمعن للمأتم قلن لأخت كليب:
رحّلى جليلة عنك فإن قيامها فيه شماتة وعار علينا عند العرب، فقالت لها: أخرجى عن مأتمنا، فأنت أخت واترنا وشقيقة قاتلنا، فخرجت وهى تجرّ أعطافها؛ فلقيها أبوها مرّة فقال لها: ما وراءك يا جليلة؟ فقالت: ثكل العدد، وحزن الأبد؛ وفقد حليل، وقتل أخ عن قليل؛ وبين ذلك غرس الأحقاد، وتفّتت الأكباد. فقال لها: أو يكفّ ذلك كرم الصّفح وإغلاء الدّيات؟ فقالت جليلة: أمنيّة مخدوع وربّ الكعبة، ابا لبدن تدع لك وائل دم ربّها! قال: ولما رحلت جليلة قالت أخت كليب: رحلة المعتدى وفراق الشامت! ويل [غدا] لآل مرّة، من الكرّة بعد الكرّة! وبلغ قولها جليلة فقالت: وكيف تشمت الحرّة بهتك سترها وترقّب وترها! [أسعد الله أختى، ألا قالت: نفرة الحياء وخوف الأعداء] ثم أنشأت تقول:
يابنة الأقوام إن لمت فلاتعجلى باللوم حتى تسألى
فإذا أنت تبينت الذىيوجب اللوم فلومى واعذلى
إن تكن أخت امرئ ليمت علىجزع منها عليه فافعلى
جلّ عندى فعل جسّاس فياحسرتا عما انجلت أو تنجلى
فعل جسّاس على ضنّى بهقاطع ظهرى ومدن أجلى
لو بعين فقئت عين سوىأختها وانفقأت لم أحفل
تحمل العين قذى العين كماتحمل الأمّ أذى ما تفتلى
إنّنى قاتلة مقتولةفلعلّ الله أن يرتاح لى
يا قتيلا قوّض الدهر بهسقف بيتىّ جميعا من عل
ورمانى فقده من كثبرمية المصمى به المستأصل
هدم البيت الذى استحدثتهوبدا فى هدم بيتى الأوّل
يا نسائى دونكنّ اليوم قدخصّنى الدهر برزء معضل
مسّنى فقد كليب بلظىمن ورائى ولظى مستقبلى
ليس من يبكى ليومين كمنإنما يبكى ليوم ينجلى
درك الثائر شافيه وفىدركى ثارى ثكل المثكل
ليته كان دمى فاحتلبوادررا منه دما من أكحلى
ولما مات معاوية بن أبى سفيان اجتمع الناس بباب يزيد فلم يقدروا على الجمع بين التهنئة والتعزية، حتى أتى عبد الله بن همّام فقال: يا أمير المؤمنين، أجزل الله أجرك على الرزيّة. وبارك لك فى العطيّة، وأعانك على الرعية؛ فقد رزئت عظيما، وأعطيت جسيما؛ فآشكر الله على ما أعطيت، واصبر على ما رزيت؛ فقد فقدت خليفة الله، وأعطيت خلافة الله؛ ففارقت جليلا، وأعطيت جزيلا؛ إذ قضى معاوية نحبه؛ ووليت الرياسة، وأعطيت السياسة؛ فأورده الله موارد السرور، ووفّقك فى جميع الأمور:
فاشكر يزيد فقد فارقت ذا مقةواشكر حباء الذى بالملك حاباكا
[أصبحت تملك هذا الخلق كلّهمفأنت ترعاهم والله يرعاكا]
لارزء أعظم فى الأقوام قد علموامما رزئت، ولا عقبى كعقباكا
وفى معاوية الباقى لنا خلفإذا نعيت ولا نسمع بمنعاكا
ففتح للناس باب الرثاء وجروا على منواله.
وقال أبو نواس الحسن بن هانىء يعزّى الفضل بن الربيع عن الرشيد ويهنّئه بالأمين:
تعزّ أبا العبّاس عن خير هالكبأكرم حىّ كان أو هو كائن
حوادث أيام تدور صروفهالهنّ مساو مرّة ومحاسن
وفى الحىّ بالميت الذى غيّب الثرىفلا أنت مغبون ولا الموت غابن
وقال أبو تمام يرثى المعتصم ويهنىء الواثق:
ما للدموع تروم كلّ مراموالجفن ثاكل هجعة ومنام
يا حفرة المعصوم تربك مودعماء الحياة وقاتل الإعدام
إن الصفاتح منك قد نضدت علىملقى عظام لو علمت عظام
فتق المدامع أن لحدك حلّهسكن الزمان وممسك الأيام
ومصرّف الملك الجموح كأنهقد زمّ مصعبه له بزمام
هدمت صروف الدهر أرفع حائطضربت دعائمه على الإسلام
دخلت على ملك الملوك رواقهوتسرّبت لمقوّم القوّام
مفتاح كلّ مدينة قد أبهمتغلقا ومخلى كلّ دار مقام
ومعرّف الخلفاء أنّ حظوظهافى حيّز الإسراج والإلجام
أخذ الخلافة عن أسنّته التىمنعت حمى الآباء والأعمام
فلسورة الأنفال فى ميراثهآثارها ولسورة الأنعام
ما دام هارون الخليفة فالهدىفى غبطة موصولة بدوام
إنّا رحلنا واثقين بواثقبالله شمس ضحى وبدر تمام
لله أىّ حياة انبعثت لنايوم الخميس وبعد أىّ حمام
أودى بخير إمام اضطربت بهشعب الرجال وقام خير إمام
تلك الرزيّة لا رزيّة مثلهاوالقسم ليس كسائر الأقسام
جاء منها:
نقض كرجع الطّرف قد أبرمتهيابن الخلائف أيّما إبرام
ما إن رأى الأقوام شمسا قبلهاأفلت فلم تعقبهم بظلام
أكرم بيومهم الذى ملّكتهمفى صدره وبعامهم من عام
ثم أخذ فى مدح الواثق.
وفى هذه الواقعة يقول ابن الزيّات:
قد قلت إذ غيّبوك واصطفقتعليك أيد بالتّرب والطين
اذهب فنعم المعين كنت على الدنيا ونعم الظهير للدين
لن يجبر الله أمّة فقدتمثلك إلا بمثل هارون
ومن أشدّ الرثاء صعوبة على الشاعر وأضيقه مجالا أن يرثى امرأة أو طفلا.
وقد أخذ على المتنبىّ فى قوله يرثى أمّ سيف الدولة بن حمدان:
سلام الله خالقنا حنوطعلى الوجه المكفّن بالجمال
وقالوا: ما له ولهذه العجوز يصف جمالها! ووبّخه الصاحب بن عبّاد فى قوله فيها:
رواق العز فوقك مسبطّروملك علىّ ابنك فى كمال
قال أبو الحسن علىّ بن رشيق الأزدى فى كتابه المترجم بالعمدة وبالأغانى أيضا: أشدّ ما هجّن هذه اللفظة وجعلها مقام قصيدة من الهجاء أنه قرنها «بفوقك» فجاء عملا تامّا لم يبق فيه إلا الإفضاء. وإن يكن المتنبى أخطأ فى هذا فلقد أجاد فى غيره؛ والفاضل من عدّت سقطاته، وحفظت هفواته وفلتاته؛ وانظر إلى قوله فى أخت سيف الدولة:
يا أخت خير أخ يا بنت خير أبكناية بهما عن أشرف النسب
أجلّ قدرك أن تدعى مؤنّثةومن يصفك فقد سمّاك للعرب
وقوله أيضا:
ولو كان النساء كمن فقدنالفضّلت النساء على الرجال
مشى الأمراء حوليها حفاةكأن المرو من زفّ الرئال
ومن جيّد ما رثى النساء به وأشدّه تأثيرا فى القلب وإثارة للحزن قول ابن عبد الملك ابن الزيّات فى أمّ ولده:
ألا من رأى الطفل المفارق أمّهبعيد الكرى عيناه تبتدران
رأى كلّ أمّ وابنها غير أمّهيبيتان تحت الليل ينتجيان
وبات وحيدا فى الفراش تحثّهبلابل قلب دائم الخفقان
ومنها بعد أبيات:
ألا إنّ سجلا واحدا قد أرقتهمن الدمع أو سجلين قد شفيانى
فلا تلحيانى إن بكيت فإنماأداوى بهذا الدمع ما تريان
وإنّ مكانا فى الثّرى خطّ لحدهلمن كان من قلبى بكلّ مكان
أحقّ مكان بالزيارة والهوى،فهل أنتما إن عجت منتظران؟
فهبنى عزمت الصبر عنها لأنّنىجليد فمن بالصبر لابن ثمان
ضعيف القوى لا يعرف الأجر حسبةولا يأنسى بالناس فى الحدثان
ألا من أمنّيه المنى وأعدّهلعثرة أيّام وصرف زمان
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسىوإن غبت عنه حاطنى ورعانى
فلم أر كالأقدار كيف تصيبنىولا مثل هذا الدهر كيف رمانى
وقال أبو تمّام يرثى جارية له:
ألم ترنى خلّيت عينى وشانهاولم أحفل الدنيا ولا حدثانها
لقد خوّفتنى النائبات صروفهاولو أمّنتنى ما قبلت أمانها
وكيف على نار الليالى معرّسىإذا كان شيب العارضين دخانها
أصبت بخود سوف أغبر بعدهاحليف أسى أبكى زمانى زمانها
عنان من اللذّات قد كان فى يدىفلما مضى الإلف استردّت عنانها
منحت الدّمى هجرى فلا محسناتهاأودّ ولا يهوى فؤادى حسانها
يقولون: هل يبكى الفتى لخريدةمتى ما أراد اعتاض عشرا مكانها!
وهل يستعيض المرء من خمس كفّهولو صاغ من حرّ الّلجين بنانها!
وقال أبو الفتح كشاجم يعزّى بابنة:
تأسّ يا أبا بكرلموت الحرّة البكر
فقد زوّجتها القبروما كالقبر من صهر
وعوّضت بها الأجروما كالأجر من مهر
زفاف أهديت فيهمن الخدر إلى القبر
فتاة أسبغ اللهعليها أفضل السّتر
ورزء أشبه النعمة فى الموقع والقدر
وقد يختار فى المكروهـ للمرء وما يدرى
فقابل نعمة اللهوما أولاك من شكر
وعزّ النفس عمّا فات بالتسليم والصبر
وقال أبو مروان بن أبى الخصال الأندلسىّ فى مثل ذلك:
ألا يا موت كنت بنا رءوفافجدّدت الحياة لنا بزوره
حمدت لفعلك المأثور لمّاكفيت مؤونة وسترت عوره
فأنكحنا الضريح بغير مهروجهّزنا الفتاة بغير شوره
وقال أبو تمّام حبيب بن أوس الطائىّ فى ابنين لعبد الله بن طاهر ماتا صغيرين فى يوم واحد من قصيدة:
نجمان شاء الله ألّا يطلعاإلا ارتداد الطّرف حتى يأفلا
إنّ الفجيعة بالرياض نواضرالأجلّ منها بالرياض ذوابلا
لو ينسآن لكان هذا غارباللمكرمات وكان هذا كاهلا
لهفى على تلك الشواهد فيهمالو أمهلت حتى تكون شمائلا
لغدا سكونهما حجا وصباهماحلما وتلك الأريحيّة نائلا
إنّ الهلال إذا رأيت نموّهأيقنت أن سيكون بدرا كاملا
وقال أبو الحسن الأنبارى فى محمد بن بقيّة وزير عزّ الدولة بختيار بن معزّ الدولة ابن بويه لما صلبه عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه عند خلع بختيار، وهى من نوادر المراثى:
علوّ فى الحياة وفى المماتلحقّ أنت إحدى المعجزات
كأنّ الناس حولك حين قامواوفود نداك أيّام الصّلات
كأنّك قائم فيهم خطيباوكلّهم قيام للصّلاة
مددت يديك نحوهم جميعاكمدّهما إليهم بالهبات
ولما ضاق بطن الأرض عن أنيضمّ علاك من بعد الممات
أصاروا الجوّ قبرك واستنابواعن الأكفان ثوب السافيات
لعظمك فى النفوس بقيت ترعىبحرّاس وحفّاظ ثقات
وتشعل عندك النيران ليلاكذلك كنت أيّام الحياة
ولم أر قبل جذعك قطّ جذعاتمكّن من عناق المكرمات
ركبت مطيّة من قبل زيدعلاها فى السنين الذاهبات
أشار فى هذا البيت إلى زيد بن الحسن بن علىّ بن أبى طالب لمّا قتل وصلب فى أيّام هشام بن عبد الملك.
ومما يدخل فى هذا الباب ويلتحق به ما يطرأ من الحوادث التى تعمّ بها البليّة، وتشمل بسببها الرزيّة، كاستيلاء أهل الكفر على بلد من بلاد الإسلام، وهزيمتهم لجيشه اللهام؛ فمن ذلك ما كتب به القاضى الفاضل عبد الرحيم البيسانى إلى الأمير عزّ الدين سامة لما استعاد الفرنج- خذلهم الله تعالى- مدينة بيروت:
ابتدأ كتابه بأن قال بعد البسملة: قال الله سبحانه فى كتابه العزيز مسلّيا لنبيّه الكريم
صلى الله عليه وسلم: وَإِنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ
، فإذا كان من الناس من خان الله ورسوله ﷺ فكيف لا يخون الناس الناس! وأين الموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرون فى البأساء والضرّاء وحين الباس:
وقد كانوا إذا عدّوا قليلافقد صاروا أقلّ من القليل
والمولى- أعزّه الله بنصره، وعوّضه أحسن العوض من أجره، وكتب له ثواب تسليمه إليه وصبره- ليس بأوّل من وثق بمن خان، وقضيّة بيروت بأوّل مقدور قال الله له: كن فكان؛ والقدر السابق لا يدفعه الهمّ اللاحق، ومن الخجلات المستعارة خجلة الواثق، والموثوق به لائق به الخجل الصادق؛ ومعاذ الله أن ينكس المجلس رأسه حياء، أو أن يسخط لله قضاء؛ أو أن يأسف على مال نقله من مودعه الذى لا يؤمن من الآفات عليه، إلى مودع الله الذى يحفظه إلى أن يأتيه به أحوج ما كان إليه؛ والحمد لله الذى جعل مصائبنا فى الدنيا فوائدنا فى الأخرى، ثم الحمد لله الذى جعل البادرة للعدوان والعاقبة للتقوى. وقد علم الله أنى مقاسمه ومساهمه، ومضمر من الهمّ بما اتفق من هذا المقدور ما مقدّره عالمه؛ غير أنه لا حيلة لمن لا حيلة له إلا الصبر، وإن صبر جرى عليه القدر وجرى له الأجر، وإن لم يصبر جرى عليه القدر وكتب عليه الوزر؛ وكل ما ذهب من صاحبه قبل أن يذهب صاحبه فقد أنعم الله عليه، حيث أخرج ما فى يديه وأبقى يديه؛ والمال غاد ورائح، والمال بالحقيقة هو العمل الصالح؛ وإن اجتمع موصلها بحضرته فهو ينهى ما عندى، ويؤدّى حقيقة ودّى؛ ورأية الموفّق.
وقال أبو المظفّر الأبيوردىّ لما استولى الفرنج على البيت المقدّس فى سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة قصيدة منها:
مزجنا دماء بالدموع السواجمفلم يبق منا عرضة للمراجم
وشرّ سلاح المرء دمع يفيضهإذا الحرب شبّت نارها بالصوارم
فإيّها بنى الإسلام! إن وراءكموقائع يلحقن الذّرى بالمناسم
أتهويمة فى ظلّ أمن وغبطةوعيش كنوّار الخميله ناعم!
وكيف تنام العين ملء جفونهاعلى هبوات أيقظت كلّ نائم
وإخوانكم بالشأم يضحى مقيلهمظهور المذاكى أو بطون القشاعم
يسومهم الروم الهوان وأنتمتجرّون ذيل الخفض فعل المسالم
وكم من دماء قد أبيحت، ومن دمّىتوارى حياء حسنها بالمعاصم
بحيث السيوف البيض محمّرة الظّبىوسمر العوالى داميات اللهاذم
وبين اختلاس الطعن والضرب وقفةتظلّى لها الولدان شيب القوادم
وتلك حروب من يغب عن غمارهاليسلم يقرع بعدها سنّ نادم
سللن بأيدى المسلمين قواضياستغمد منهم فى الطّلى والجماجم
يكاد بهنّ المستجنّ بطيبةينادى بأعلى الصوت: يا آل هاشم
أرى أمّتى لا يشرعون إلى العدارماحهم والدّين واهى الدعائم
ويجتنبون النار خوفا من العداولا يحسبون العار ضربة لازم
أترضى صناديد الأعاريب بالأذىوتغضى على ذلّ كماة الأعاجم!
فليتهم إذ لم يذودوا حميّةعن الدين ضنّوا غيرة بالمحارم
وإن زهدوا فى الأجر إذ حمى الوغىفهلّا أتوه رغبة فى المغانم!
لئن أذعنت تلك الخياشيم للثرىفلا عطسوا إلا بأجدع راغم
دعوناكم والحرب ترنو ملحّةإلينا بألحاظ النسور القشاعم
تراقب فينا غارة عربيّةتطيل عليها الروم عضّ الأباهم
فإن أنتم لم تغضبوا عند هذهرمتنا إلى أعدائنا بالجرائم
وقال علاء الدين علىّ الأوتارىّ الدمشقىّ فى مثل ذلك لما استولى التتار على دمشق فى سنة تسع وتسعين وستمائة:
لك علم بما جرى يا سهادىمن جفونى على افتقاد رقادى
لم أجد عند شدّتى مؤنسا لىغير سهدى ملازما لسوادى
وحبيب العين الرقاد جفاهامذ رآها خليفة الأنكاد
أحسن الله يا دمشق عزاكفى مغانيك يا عماد البلاد
وبرستقا نير بيك مع المزّة مع رونق بذاك الوادى
وبأنس بقاسيون وناسأصبحوا مغنما لأهل الفساد
طرقتهم حوادث الدهر بالقتل ونهب الأموال والأولاد
وبنات محجّبات عن الشمس تناءت بهنّ أيدى الأعادى
وقصور مشيّدات تقضّتفى ذراها الأيام كالأعياد
وبيوت فيها التّلاوة والذكر وعالى الحديث بالإسناد
حرّقوها وخرّبوها وبادتبقضاء الإله ربّ العباد
وكذا شارع العقيبة والقصر وشاغورها وذاك النادى
أصبحوا اليوم مثل أمس تقضّىوبكتهم سماؤهم والغوادى
ولكم سورها حوى من معنىمقرح القلب والحشى والفؤاد
إن بكى لا يفيده أو تشكّىوجد المشتكى حليف سهاد
يشتكى فوق ما اشتكاه بأضعاف فيغدو وهمه فى ازدياد
فالغلا والجلا مع الجوع والعرى ونهب الأفوات والأزواد
والحصار الشديد والحبس والخوف مع السادة العراة المكادى
وبوزن الأموال من غير وجدبآعتساف الغتم الغلاظ الشداد
كاتر آقچاكبر خوار أنت ياغيهلمحمود غازان قاآن البلاد
يا ترى هل لكربنا من مجيرأم لتشديد أسرنا من مفادى
لهف نفسى على جيوش تولّتثم ولّت جريحة الأكباد
كلّ ندب عضب حمىّ كمىّأمجد أصيد شجاع جواد
إن سطا فى هباته كان بحراأو سطا خلته من الآساد
أو بدا حاملا تخل عنتريّاأو غدا سابق الجواد فغادى
إن أتانى مبشّر بلقاهمحاز روحى ومهجتى وقيادى
ولثمت التراب شكرا وعفّرت خدودى على بلوغ مرادى
لست أرجو غير البشير شفيعاعند ربّى فى المنّ بالإنجاد
فهو الصادق الذى وعد الدين بنصر جار على الاباد
غير أنّ الفساد يكسب ذلّاويعمّى الفساد طرق السّداد
وارتكاب الفساد يورث فقراوخراب البيوت عقبى الفساد
يا حبيب الإله لا تتخلّىعن عضاة غمرتهم بالأيادى
يا حبيب الإله قد مسّنا الضرّ فجد بالإسعاف والإسعاد
يا حبيب الإله تبنا إلى اللهـ وأنت العماد حتّى المعاد
من لأسرى كسرى حيارى دهتهمدهمتهم جياد أهل العناد
واضع اللقط فى الحساب عناه- لو يعش- حصر كثرة الأعداد
منهم الطفل والصبيّة والشابّ ينادى، فمن يجيب المنادى!
وينادى عليهم برغيفوبنزر بخس بسوق الكساد
عوّضوا عن سرورهم بغروروقصور البلاد سكنى البوادى
وبأهل الوداد شرّ أناسوبلين المهاد شوك القتاد
أىّ عين عليهم ليس تبكىأىّ قلب عليهم غير صادى!
فلأنت الرحيم قلبا ولبّاولأنت الهادى لسبل الرّشاد
ولأنت البديع خلقا وخلقاولأنت السميع للإنشاد
ولأنت الظّراز فى كلّ معنىولسيف المقال شبه النّجاد
ولأنت الحاوى فنون صفاتدون حصر لها فناء المداد
ولأنت الممدوح من فوق عرشبعد ماذا يقول قسّ الإيادى
جلّ قصد الفصيح بالنظم معنىنشر فضل الممدوح بين العباد
فإذا كان منشئ المدح ربّىعاد مدح الفصيح جمع سواد
فعليك الصلاة يرجو بها الأمن علىّ من سائر الأنكاد
وحيث انتهينا من المرائى والنوادب إلى هذه الغاية، فلنذكر نبذة من الزهد والتوكّل.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع