من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر شىء من المراثى والنوادب (٢)
عمرو الذى أشار إليه هو عمرو بن العاص بن وائل بن هشام بن سعيد بن سهم ابن عمرو بن هصيص بن كعب، أمير مصر لمعاوية بن أبى سفيان. وخارجة رجل من سهم بن عمرو. وكان من خبره أن الخوارج كانت قد اجتمعت على قتل علىّ ومعاوية وعمرو، فكان الذى انتدب لقتل عمرو زادويه مولى بنى العنبر، ورصده إلى ليلة المعاد التى اتفقوا على الفتك بهم فيها؛ فاشتكى عمرو تلك الليلة من بطنه ولم يخرج للصلاة واستخلف خارجة ليصلّى بالناس؛ فلما قام فى المحراب وثب عليه زادويه وهو يظن أنه عمرو بن العاص فقتله؛ وأخذ زادويه وأدخل على عمرو، فسمع الناس
يخاطبونه بالإمرة، فقال: أو ما قتلت عمرا؟ قيل له: [لا] إنما قتلت خارجة؛ فقال:
«أردت عمرا وأراد الله خارجة». فلذلك قال:
وليتها إذ فدت عمرا بخارجة
وفى ابن هند وفى ابن المصطفى حسنأتت بمعضلة الألباب والفكر
فبعضنا قائل ما اغتاله أحدوبعضنا ساكت لم يؤت من حصر
ابن هند الذى أشار إليه هو معاوية بن أبى سفيان، أراد ما كان بينه وبين الحسن بن علىّ فى أمر الخلافة. وأراد بالبيت الثانى ما وقع الاختلاف فيه من أن الحسن مات مسموما وأنّ معاوية وعد زوجة الحسن جعدة بنت قيس الكندىّ بمائة ألف درهم ويزوّجها لابنه يزيد إن قتلت الحسن، ففعلت وسمّته. ولما مات الحسن وفّى لها بالمال وقال: حبّ حياة يزيد منعنى تزويجه منك؛ وقيل: مات الحسن حتف أنفه. والله أعلم.
وعمّمت بالرّدى فودى أبى أنسولم تردّ الردى عنه قنا زفر
أبو أنس هو الضحاك بن قيس الفهرى. يشير إلى ما وقع بينه وبين مروان ابن الحكم بمرج راهط، وكان الضحاك يدعو لابن الزبير فقتل الضحّاك، على ما نذكره إن شاء الله فى أخبار مروان. وكان زفر بن الحارث الكلابىّ مع الضحّاك ففرّ عنه.
وأردت ابن زياد بالحسين فلميبؤ بشسع له قد طاح أو ظفر
أشار إلى عبيد الله بن زياد ابن أبيه عامل يزيد بن معاوية على العراق، وهو الذى جهّز عمر بن سعد لحرب الحسين بن علىّ رضى الله عنهما. وقوله «يبؤ بشسع له» أخذه من قول مهلهل حين قتل يجير بن الحارث وقال: بؤبشسع نعل كليب.
وأنزلت مصعبا من رأس شاهقةكانت به مهجة المختار فى وزر
أشار إلى مصعب بن الزبير بن العوّام وقتله. والشاهقة هى الكوفة. جعلها شاهقة لمنعتها وكثرة رجالها. وأراد ما كان بين مصعب وعبد الملك بن مروان من الحرب التى قتل فيها مصعب. والمختار الذى ذكره هو المختار بن أبى عبيد بن مسعود ابن عمرو الثّقفىّ. أشار إلى ما كان بينه وبين مصعب من الحرب وقتل المختار.
وسنورد كلّ هذه الوقائع إن شاء الله فى التاريخ.
ولم تراقب مكان ابن الزبير ولاراعت عياذته بالبيت والحجر
أراد عبد الله بن الزبير، وكان يسمّى العائذ لأنه كان يقول: أنا العائذ بالبيت، وقتله الحجّاج بن يوسف الثقفىّ لما وجّهه عبد الملك لحربه.
ولم تدع لأبى الذّبّان قاضيهليس اللّطيم لها عمرو بمنتصر
أبو الذّبّان هو عبد الملك بن مروان بن الحكم، سمّى بذلك لبخره. وقوله «قاضيه» لأنه كان مظفّرا على أعدائه فإنه غلب من كان يناوئه فى سلطانه مثل عبد الله ومصعب ابنى الزبير، وعمرو بن سعيد، وعبد الرحمن بن الأشعث، ما منهم إلا من قتل وحكم فيه قاضيه وهو سيفه، ولم يغن ذلك عنه لمّا أتته منيّته.
وأما اللّطيم فهو عمرو بن سعيد الأشدق، سمّى بذلك لميل كان فى فمه فقيل له من أجله لطيم الشيطان، وقتله عبد الملك بن مروان.
وأظفرت بالوليد بن اليزيد ولمتبق الخلافة بين الكأس والوتر
الوليد هذا هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك، وهو الذى يقال له الجبّار العنيد. أشار إلى ظفر يزيد بن الوليد بن عبد الملك به وقتله. و [قوله]:
.... ولمتبق الخلافة بين الكأس والوتر
أراد بذلك ما كان عليه الوليد من الاشتهار باللهو واللّعب.
ولم تعد قضب السفّاح نابيةعن رأس مروان أو أشياعه الفجر
السفّاح هو أبو العباس عبد الله بن محمد بن علىّ بن عبد الله بن عباس، وهو أوّل خلفاء الدولة العباسيّة. يشير إلى ظفره بمروان بن محمد وقتله، وانقراض دولة بنى أميّة وقتلهم على يديه.
وأسبلت عبرات للعيون علىدم بفخّ لآل المصطفى هدر
أشار فى هذا البيت إلى ذكر من قتل بفخّ وهم الحسين بن علىّ بن حسن بن حسن بن على، والحسن بن محمد بن الحسن بن الحسن بن علىّ، وعبد الله بن إسحاق ابن إبراهيم بن الحسن بن الحسن، على ما نذكره فى التاريخ إن شاء الله تعالى.
وأشرقت جعفرا والفضل ينظرهوالشيخ يحيى بريق الصارم الذّكر
أشار فى هذا البيت إلى قتل جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك ونكبة البرامكة فى أيام الرشيد.
وأخفرت فى الأمين العهد، وانتدبتلجعفر بآبنه والأعبد الغدر
الأمين هو محمد بن هارون الرشيد. يشير إلى ما كان بينه وبين أخيه المأمون وإلى العهد الذى كان الرشيد كتبه بينهما. وجعفر الذى أشار إليه هاهنا هو المتوكل ابن المعتصم. أراد ما كان من قتل باغر التركى له بمواطأة من ابنه المنتصر، على ما نورده فى أخباره.
وروّعت كلّ مأمون ومؤتمنوأسلمت كلّ منصور ومنتصر
المأمون هو عبد الله بن الرشيد وهو أوّل من لقّب بالمأمون، ولقّب به بعد ذلك ولد من أولاد المعتمد بن عبّاد ويحيى بن ذى النون صاحب طليطلة. والمؤتمن فأوّل من لقب به مروان بن الحكم على قول من يقول إنه كان لبنى أميّة ألقاب، ثم لقّب به القاسم بن الرشيد. وكان الرشيد لما كتب العهد بين الأمين والمأمون جعل ابنه المؤتمن بعد المأمون، وجعل أمر المؤتمن إلى اخيه المأمون إذا أفضت الخلافة إليه إن شاء أمضاه وإن شاء خلعه؛ فلما أفضت الخلافة إلى المأمون أزال المؤتمن فارتاع لذلك. وتلقّب بالمؤتمن محمد بن ياقوت مولى المعتضد صاحب فارس. وتلقّب به سلامة الطّولونى، وعبد العزيز بن عبد الرحمن بن أبى عامر ثم تسمّى بالمنصور. وأما المنصور فأوّل من لقّب به هشام بن عبد الملك بن مروان على تلك الرواية، ثم المنصور أبو جعفر عبد الله بن علىّ العباسى، ثم أبو طاهر إسماعيل ابن القائم بن المهدى صاحب إفريقيّة، ثم محمد بن أبى عامر بالأندلس، وتلقّب به ابن زيرى الصّنهاجى، وتلقّب به سابور صاحب بطليوس، وعبد الله بن محمد ابن مسلمة التّجيبىّ، وحفيده يحيى بن محمد بن عبد الله، وعبد العزيز بن أبى عامر؛ ثم تلقّب به جماعة من الملوك بعد نظم هذه المرثية. وأما المنتصر فهو محمد ابن المتوكّل؛ وممّن تلقّب بالمنتصر مدرار بن اليسع صاحب سجلماسة. وكلّ هؤلاء أبادهم الموت.
وأعثرت آل عبّاس- لعا لهم-بذيل زبّاء من بيض ومن سمر
أشار فى هذا البيت إلى ما كان من تغلّب الأتراك والدّيلم على خلفاء الدولة العباسيّة حتى لم يبق لهم إلا اسم الخلافة، على ما سيرد فى أخبارهم. وقوله:
بذيل زباء من بيض ومن سمر
تنبيها على كثرة عدد المتغلّبين على الأمر وقدرتهم على السّلاح.
ولا وفت بعهود المستعين ولابما تأكّد للمعتزّ من مرر
المستعين هو أحمد بن المعتصم العبّاسى. أشار إلى ما كان من قيام المعتزّ على المستعين وهرب المستعين من سامرّا إلى بغداد. والمعتزّ هو أبو عبد الله محمد بن المتوكّل، وسترد أخبارهم إن شاء الله تعالى:
وأوثقت فى عراها كلّ معتمدوأشرقت بقذاها كلّ مقتدر
المعتمد هو أبو العباس بن المتوكّل، وهو أوّل من لقّب بهذا اللقب، وتلقّب به محمد بن عبّاد بإشبيلية. والمقتدر هو أبو الفضل جعفر بن المعتضد، وهو أوّل من لقّب بالمقتدر، ثم لقّب به أحمد بن سليمان بن هود الجذامىّ بسرقسطة. ثم أخذ ابن عبدون فى رثاء بنى الأفطس فقال:
بنى المظفّر والأيّام ما برحتمراحلا والورى منها على سفر
سحقا ليومكم يوما ولا حملتبمثله ليلة فى مقبل العمر
من للأسرّة أو من للأعنّة أومن للأسنّة يهديها إلى الثّغر
من للبراعة أو من لليراعة أومن للسماحة أو للنفع والضّرر
أو رفع كارثة أو دفع آزفةأو قمع حادثة تعيا على القدر
من للظّبى وعوالى الخطّ قد عقدتأطراف ألسنها بالعىّ والحصر
وطوّقت بالثنايا السّود بيضهمأعجب بذاك وما منها سوى ذكر
ويح السّماح وويح الجود لو سلماوحسرة الدّين والدّنيا على عمر
سقت ثرى الفضل والعبّاس هاميةتعزى إليهم سماحا لا إلى المطر
ثلاثة ما ارتقى النّسران حيث رقواوكلّ ما طار من نسر ولم يطر
ثلاثة ما رأى العصران مثلهمفضلا ولو عزّزا بالشمس والقمر
ومرّ من كل شىء فيه أطيبهحتى التمتع بالآصال والبكر
من للجلال الذى عمّت مهابتهقلوبنا وعيون الأنجم الزّهر
أين الإباء الذى أرسوا قواعدهعلى دعائم من عزّ ومن ظفر
أين الوفاء الذى أصفوا مشاربهفلم يرد أحد منها على كدر
كانوا رواسى أرض الله منذ نأواعنها استطارت بمن فيها ولم تقر
كانوا مصابيحها فمذ خبوا غبرتهذى الخليقة يالله فى سدر
كانوا شجا الدهر فاستهوتهم خدعمنه بأحلام عاد فى خطا الخضر
من لى ولا من بهم إن أطبقت محنولم يكن وردها يفضى إلى صدر
من لى ولا من بهم إن أظلمت نوبولم يكن ليلها يفضى إلى سحر
من لى ولا من بهم إن عطّلت سننوأخفتت ألسن الأيام والسّير
على الفضائل إلّا الصبر بعدهمسلام مرتقب للأجر منتظر
يرجو عسى، وله فى أختها طمعوالدّهر ذو عقب شتّى وذو غير،
قرّطت آذان من فيها بفاضحةعلى الحسان حصى الياقوت والدّرر
ومن أجود الرثاء وأصنعه وأتقنه وأبدعه مراثى أبى تمام حبيب بن أوس الطائى؛ فمن ذلك ما قاله يرثى به غالب بن السّعدىّ:
هو الدّهر لا يشوى وهنّ المصائبوأكثر آمال الرّجال كواذب
فيا غالبا لا غالب لرزيّةبل الموت لا شك الذى هو غالب
وقلت: أخى، قالوا: أخ من قرابة؟فقلت لهم إن الشّكول أقارب
نسيبى فى رأى وعزم ومنصبوإن باعدتنا فى الأصول المناسب
كأن لم يقل يوما: كأنّ، فتنثنىإلى قوله الأسماع وهى رواغب
ولم يصدع النادى بلفظة فيصلسنانيّة فى صفحتيها التّجارب
ومنها:
مضى صاحبى واستخلف البثّ والأسىعلىّ، فلى من ذا وهذاك صاحب
عجبت لصبرى بعده وهو ميّتوكنت امرأ أبكى دما وهو غائب
على أنّها الأيام قد صرن كلّهاعجائب حتى ليس فيها عجائب
وقال يرثى محمد بن الفضل الحميرىّ:
ريب دهر أصمّ دون العتابمرصد بالأوجال والأوصاب
جفّ درّ الدنيا فقد أصبحت تكتال أرواحنا بغير حساب
لو بدت سافرا أهينت ولكنشغف الخلق أنّها فى النّقاب
إن ريب الزمان يحسن أن يهدى الرّزايا إلى ذوى الأحساب
فلهذا يجفّ بعد اخضرارقبل روض الوهاد روض الرّوابى
جاء منها:
ذهبت يا محمد الغرّ من أيّامك الواضحات أىّ ذهاب
عبّس اللحد والثرى منك وجهاغير ما عابس ولا قطّاب
أطفأ اللحد والثرى لبّك المسروج فى وقت ظلمة الألباب
وتبدّلت منزلا ظاهر الجدب يسمّى مقطّع الأسباب
منزلا موحشا وإن كان معمورا بجلّ الصديق والأحباب
يا شهابا خبا لآل عبيد اللهأعزز بفقد هذا الشّهاب
ومنها:
أنزلته الأيّام عن ظهرها منبعد إثبات رجله فى الرّكاب
حين تمّ الشّباب واغتدت الدنيا إليه مفتوحة الأبواب
وحكى الصارم المحلّى سوى أنّحلاه جواهر الآداب
قصدت نحوه المنيّة حتىوهبت حسن وجهه للتراب
وقال يرثى إسحاق بن أبى ربعىّ:
أىّ ندى بين الثرى والجيوبوسؤدد لدن ورأى صليب
يا بن أبى ربعىّ استقبلتمن يومك الدنيا بيوم عصيب
شقّ جيوبا من أناس لو استطاعوا لشقّوا ما وراء الجيوب
كنت على البعد قريبا فقدصرت على قربك غير القريب
راحت وفود الأرض عن قبرهفارغة الأيدى ملاء القلوب
قد علمت ما رزئت، إنمايعرف فقد الشّمس بعد المغيب
إذا البعيد الوطن انتابهحلّ إلى نهى وواد خصيب
أدنته أيدى العيس من ساحةكأنها مسقط رأس الغريب
أظلمت الآمال من بعدهوعرّيت من كل حسن وطيب
كانت خدودا صقلت برهةواليوم صارت مألفا للشّحوب
كم حاجة صارت ركوبا بهولم تكن من قبله بالرّكوب
حلّ عقاليها كما أطلقتمن عقد المزنة ريح الجنوب
إذا تيمّمناه فى مطلبكان قليبا ورشاء القليب
ونعمة منه تسربلتهاكأنها طرّة برد قشيب
من اللّواتى إن ونى شاكرقامت لمسديها مقام الخطيب
متى تنخ ترحل بتفضيلهأو غاب يوما حضرت بالمغيب
فما لنا اليوم ولا للعلامن بعده غير الأسى والنّحيب
وقال يرثى أحمد بن هارون القرشىّ:
دأب عينى البكاء، والحزن دابىفاتركينى- وقيت ما بى- لمابى
سأجزّى بقاء أيام عمرىبين بثّى وعبرتى واكتئابى
فيك يا أحمد بن هارون خصّتثم عمّت رزيّتى ومصابى
فجعتنى الأيّام فى الصادق النّطق فتى المكرمات والآداب
بخليل دون الأخلّاء [لا] بلصاحبى المصطفى على أصحابى
أفلمّا تسربل المجد واجتاب من الحمد أيّما مجتاب
وتراءته أعين النّاظريهقمرا باهرا ورئبال غاب
وعلا عارضيه ماء النّدى الجارى وماء الحجا وماء الشباب
أرسلت نحوه المنيّة عيناقطّعت منه أوثق الأسباب
وقال يرثى أبا الصقر:
لو صحّح الدمع لى أو ناصح الكمدلقلّما صحبانى الرّوح والجسد
خان الصفاء أخ خان الزمان لهأخا فلم يتخوّن جسمه الكمد
تساقط الدمع أدنى ما بليت بهللوجد إذ لم تساقط مهجة ويد
فو الذى رتكت تطوى الفجاج لهسفائن البرّ فى خدّ الثرى تخد
لأنفدنّ أسى إن لم أمت أسفاوينفد العمر بى أو ينفد الأمد
عنّى إليك فإنى عنك فى شغللى منه يوم سيبلى مهجتى وغد
وإن بجريّة نابت جأرت لهاإلى ذرى جلدى فاستؤهل الجلد
هى النوائب فاشجى أوفعى عظةفإنها شجر أثمارها رشد
هبّى ترى قلقا من تحته أرقيحدوهما كمد يعنو له الجسد
صمّاء سمّ العدا فى جنبها ضربوشرب كأس الردى فى ظلّها شهد
هناك أمّ النّهى لم تود من حزنولم تجد لبنى الدنيا بما تجد
لو يعلم الناس علمى بالزمان وماعائت يداه لما ربّوا ولا ولدوا
لا يبعد الله ملحودا أقام بهشخص الحجا وسقاه الواحد الصّمد
يا صاحب القبر، دعوى غير متّئبإن قال أودى النّدى والبدر والأسد
بات الثرى بأخى جذلان مبتهجاوبتّ يحكم فى أجفانى السّهد
لهفى عليك وما لهفى بمجديةما لم يزرك بنفسى حرّ ما أجد
أمسى أبو الصقر يعفو الترب أحسنهدونى ودلو الرّدى فى مائه يرد
ويل لأمّك أقصر إنه حدثلم يعتقد مثله قلب ولا خلد
غال الزمان شقيق الجود لم يقهأهل ولم يفده مال ولا ولد
حين ارتوى الماء وافترّت شبيبتهعن مضحك للمعالى ثغره برد
وقيل: أحمدها، بل قيل: أمجدهابل قيل: أنجدها إن فرّت النّجد
رؤد الشباب كنصل السيف لا جعدفى راحتيه ولا فى عوده أود
سقى الحبيس ومحبوسا ببرزخهمن السّمىّ كغيث الودق يطّرد
بحيث حلّ أبو صقر فودّعهصفو الحياة ومن لذّاتها الرّغد
بحيث حلّ فقيد المجد مغترباومورثا حسرات ليس تفتقد
وقال يرثى عمير بن الوليد:
أعيدى النّوح معولة أعيدىوزيدى فى بكائك ثم زيدى
وقومى حاسرا فى حاسراتخوامش للنّحور وللخدود
هو الخطب الذى ابتدأ الرّزاياوقال لأعين الثّقلين جودى
ألا رزئت خراسان فتاهاغداة ثوى عمير بن الوليد
ألا رزئت بمسئول منيلألا رزئت بمتلاف مفيد
ألا إنّ النّدى والجود حلّابحيث حللت من حفر الصّعيد
بنفسى أنت من ملك رمتهمنيّته بسهم ردّى سديد
تجلّت غمرة الهيجاء عنهخضيب الوجه من دمه الجسيد
فيابحر المنون ذهبت منهببحر الجود فى السّنة الصّلود
ويا أسد المنون فرست منهغداة فرسته أسد الأسود
أبا لبطل النّجيد فتكت منهنعم وبقاتل البطل النّجيد
تراءى للطّعان وقد تراءتوجوه الموت من حمر وسود
فيالك وقعة جللا أعادتأسى وصبابة جلد الجليد
ويا لك ساعة أهدت غليلاالى أكبادنا أبد الأبيد
ألا أبلغ مقالتى الإمام الخليفة والأمين بن الرشيد
بأن أميرنا لم يأل عدلاونصحا فى الرّعايا والجنود
أفاض نوال راحته عليهموسامح بالطّريف وبالتّليد
وأضحى دونهم للموت حتىسقاه الموت من مقر هبيد
وما ظفروا به حتى قراهمقشاعم أنسر وضباع بيد
بطعن فى نحورهم رشيقوضرب فى رءوسهم عتيد
فيا يوم الثلاثاء اصطبحناغداة منك هائلة الورود
ويا يوم الثلاثاء اعتمدنابفقد فيك للسّند العميد
وكم أسخنت فينا من عيونوكم أعثرت فينا من جدود
فما زجرت طيورك عن سنيحولا طلعت نجومك بالسّعود
ألا يأيها الملك المردّىرداء الموت فى جدث جديد
حضرت فناء بابك واعترانىشجى بين المخنّق والوريد
رأيت به مطايا مهملاتوأفراسا صوافن بالوصيد
فكنت عتاد إما فكّ عانوإما قتل طاغية عنود
رأيت مؤمّليك عدت عليهمعواد صعّدتهم فى كؤود
وأضحت عند غيرك فى هبوطحظوظ كنّ عندك فى صعود
وأصبحت الوفود إليك وقفاعلى أن لا مفاد لمستفيد
فكلّهم أعدّ اليأس وقفاعليك ونصّ راحلة القعود
لقد سخنت عيون الجود لمّاثويت وأقصدت غرر القصيد
وقال يرثى محمد بن حميد الطّوسىّ:
كذا فليجلّ الخطب وليفدح الأمرفليس لعين لم يفض ماؤها عذر
توفّيت الآمال بعد محمدوأصبح فى شغل عن السّفر السّفر
وما كان إلا مال من قلّ مالهوذخرا لمن أمسى وليس له ذخر
وما كان يدرى المجتدى جود كفّهإذا ما استهلّت أنه خلق العسر
ألا فى سبيل الله من عطّلت لهفجاج سبيل الله واثّغر الثغر
فتى كلما فاضت عيون قبيلةدما ضحكت عنه الأحاديث والذّكر
[فتى دهره شطران فيما ينوبهففى بأسه شطر وفى جوده شطر]
فتى مات بين الضرب والطعن ميتةتقوم مقام النّصر إذ فاته النّصر
وما مات حتى مات مضرب سيفهمن الشّلّ واعتلّت عليه القنا السّمر
وقد كان فوت الموت سهلا فردّهعليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنههو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر
فأثبت فى مستنقع الموت رجلهوقال لها من تحت أخمصك الحشر
غدا غدوة والحمد نسج رداثهفلم ينصرف إلا وأكفانه الأجر
تردّى ثياب الموت حمرا فما أتىلها الليل إلا وهى من سندس خضر
كأنّ بنى نبهان يوم وفاتهنجوم سماء خرّ من بينها البدر
يعزّون عن ثاو تعزّى به العلاويبكى عليه الجود والبأس والشعر
وأنّى لهم صبر عليه وقد مشىإلى الموت حتى استشهدا هو والصّبر!
فتى كان عذب الروح لا عن غضاضةولكنّ كبرا أن يكون له كبر
فتى سلبته الحيل وهو حمى لهاوبزّته نار الحرب وهو لها جمر
وقد كانت البيض المآثير فى الوغىبواتر فهى الآن من بعده بتر
أمن بعد طىّ الحادثات محمدايكون لأثواب العلا أبدا نشر!
[إذا شجرات العرف جذّت أصولهاففى أىّ فرع يوجد الورق النّضر!]
لئن أبغض الدهر الخؤن لفقدهلعهدى به ممّن يحبّ له الدهر
لئن غدرت فى الرّوع أيامه بهلما زالت الأيام شميتها الغدر
لئن ألبست فيه المصيبة طيئلما عرّيت منها تميم ولا بكر
كذلك ما ننفكّ نفقد هالكايشاركنا فى فقده البدو والحضر
سقى الغيث غيثا وارت الأرض شخصهوإن لم يكن فيها سحاب ولا قطر
وكيف احتمالى للسّحاب صنيعةبإسقائها قبرا وفى لحده البحر
ثوى فى الثّرى من كان يحيا به الثّرىويغمر صرف الدهر نائله الغمر
مضى طاهر الأثواب لم تبق روضةغداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر
عليك سلام الله وقفا فإننىرأيت الكريم الحرّ ليس له عمر
وقال يرثى إدريس بن بدر السّامىّ:
دموع أجابت داعى الحزن همّعتوصّل منا عن قلوب تقطّع
عفاء على الدنيا طويل فإنهاتفرّق من حيث ابتدت تتجمّع
تبدّلت الأشياء حتى لخلتهاستثنى غروب الشمس من حيث تطلع
لها صيحة فى كل روح ومهجةوليست لشىء ما خلا القلب تسمع
أإدريس ضاع المجد بعدك كلّهورأى الذى يرجوه بعدك أضيع
وغودر وجه العرف أسود بعد مايرى وهو كالبكر الكعاب تصنّع
وأصبحت الأحزان لا لمبرّةتسلّم شزرا والمعالى تودّع
وضلّ بك المرتاد من حيث يهتدىوضرّت بك الأيام من حيث تنفع
وأضحت قريحات القلوب من الجوىتقيظ ولكن المدامع تربع
عيون حفظن الليل فيك محرّماوأعطينك الدمع الذى كان يمنع
وقد كان يدعى لابس الصبر حازمافأصبح يدعى حازما حين يجزع
وقالوا عزاء: ليس للموت مدفعفقلت: ولا للحزن للمرء مدفع
لإدريس يوم ما تزال لذكرهدموعى وإن سكّنتها تتفرّع
ولما نضا ثوب الحياة وأوقعتبه نائبات الدهر ما يتوقّع
غدا ليس يدرى كيف يصنع معدمدرى دمعه من وجده كيف يصنع
وماتت نفوس الغالبيّين كلهموإلا فصبر الغالبيّين أجمع
غدوا فى زوايا نعشه وكأنماقريش قريش حين مات مجمّع
ولم أنس سعى الجود خلف سريرهبأكسف بال يستقيم ويظلع
وتكبيره خمسا عليه معالناوإن كان تكبير المصلّين أربع
وما كنت أدرى يعلم الله قبلهابأن النّدى فى أهله يتشيّع
وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثرىبه ما يقال فى السّحابة تقلع
- هذا مأخوذ من قول مسلم:
فاذهب كما ذهبت غوادى مزنةأثنى عليها السهل والأوعار-
ألم تك ترعانا من الدّهر إن سطاوتحفظ من أموالنا ما نضيّع
وتبسط كفّا فى الحقوق كأنماأناملها فى البأس والجود أذرع
وتلبس أخلاقا كراما كأنهاعلى العرض من فرط الحصانة أدرع
وتربط جأشا والكماة قلوبهمتزعزع خوفا من قنا تتزعزع
وأمنيّة المرتاد يحضرك النّدىفيشفع فى مثل الفلا فيشفّع
فأنطق فيه حامد وهو مفحموأفحم فيه حاسد وهو مصقع
ألا إنّ فى ظفر المنيّة مهجةتظلّ لها عين العلا وهى تدمع
هى النفس إن تبك المكارم فقدهافمن بين أحشاء المكارم تنزع
ألا إنّ أنفا لم يعد وهو أجدعلفقدك عند المكرمات لأجدع
وإن امرأ لم يمس فيك مفجّعابملحوده، فى عقله لمفجّع
وقال يرثى القاسم بن طوق بن مالك:
جوى ساور الأحشاء والقلب واغلهودمع يضيم العين والجفن هامله
وفاجع موت لا عدوّ يخافهفيبقى، ولا يبقى صديقا يجامله
وأىّ أخى عزّ وذى جبريةينابذه أو أىّ، رام يناضله
إذا ما جرى مجرى دم المرء حكمهوبثّت على طرق النفوس حبائله!
فلو شاء هذا الدهر أقصر شرّهكما أقصرت عنّا لهاه ونائله
سنشكوه إعلانا وسرّا ونيّةشكيّة من لا يستطيع يقاتله
فمن مبلغ عنّى ربيعة أنّهتقشّع طلّ الجود عنها ووابله
وأنّ الحجا منها استطارت صدوعهوأنّ الندى منها أصيبت مقاتله
مضى للزّيال القاسم الواهب اللهىولو لم يزايلنا لكنّا نزايله
ولم يعلموا أنّ الزمان يريدهبفجع ولا أنّ المنايا تراسله
ومنها:
طواه الردى طىّ الرّداء وغيبّتفضائله عن قومه وفواضله
طوى شيما كانت تروح وتغتدىوسائل من أعيت عليه وسائله
فيا عارضا للعرف أقلع مزنهويا واديا للجود جفّت مسايله
وقال يرثى محمد بن حميد وأخاه قحطبة:
بأبى وغير أبى- وذاك قليل-ثاو عليه ثرى النّباج مهيل
خذلته أسرته كأنّ سراتهمجهلوا بأن الخاذل المخذول
أكّال أشلاء الفوارس بالقناأضحى بهنّ وشلوه مأكول
كفّى، فقتل محمد لى شاهدأن العزيز مع القضاء ذليل
ومنها:
هيهات لا يأتى الزمان بمثلهإنّ الزمان بمثله لبخيل
ما أنت بالمقتول صبرا إنّماأملى غداة نعيّك المقتول
ومنها:
من ذا يحدّث بالبقاء ضميره!هيهات! أنت على الفناء دليل
يا ليت شعرى بالمكارم كلّهاماذا، وقد فقدت نداك، تقول؟
ومنها:
يا يوم قحطبة لقد أبقيت لىحرقا أرى أيّامها ستطول
ليث لو انّ الليث قام مقامهلانصاع وهو يراعة إجفيل
لمّا رأى جمعا قليلا فى الوغىوأولو الحفاظ من القليل قليل
لاقى الكريهة وهو مغمد روعهفيها ولكن بأسه مسلول
ومشى إلى الموت الزّؤام كأنماهو من محبّته إليه خليل
ومنها:
أضحت عراص محمد ومحمدوأخيهما وكأنهنّ طلول
أبنى حميد ليس أوّل ما عفابعد الأسود من الأسود الغيل
ما زال ذاك الصبر وهو عليكمبالموت فى ظلّ السيوف كفيل
ستبسلون كأنّما مهجاتهمليست لهم إلا غداة تسيل
ألفوا المنايا فالقتيل لديهممن لم يخلّ العيش وهو قتيل
إن كان ريب الدهر أثكلنيكمفالموت أيضا ميّت مثكول
وقال يعزّى مالك بن طوق:
أمالك إنّ الحزن أحلام حالمومهما تدم فالحزن ليس بدائم
امالك إفراط الصبابة تاركحنا واعوجاجا فى قناة المكارم
تأمّل رويدا هل تعدّن سالماإلى آدم أم هل تعدّ ابن سالم!
متى ترع هذا الموت عينا بصيرةتجد عادلا منه شبيها بظالم
فإن تك مفجوعا بأبيض لم تكنتشدّ على جدواه عقد التمائم
بفارس دغمىّ وهضبة وائلوكوكب عتّاب وحمزة هاشم
شجا الريح فازدادت حنينا لفقدهوأحدث شجوا فى بكاء الحمائم
فمن قبله ما قد أصيب نبيّناأبو القاسم النور المبين بقاسم
وخبّر قيس بالجليّة فى ابنهفلم يتغيّر وجه قيس بن عاصم
وقال علىّ فى التعازى لأشعثوخاف عليه بعض تلك المآثم:
أتصبر للبلوى عزاء وحسبةفتؤجر، أم تسلو سلوّ البهائم؟
خلقنا رجالا للتجلّد والأسىوتلك الغوانى للبكا والمآتم
وأىّ فتى فى الناس أحرض من فتىغدافى خفارات الدموع السّواجم
وهل من حكيم ضيّع الصبر بعدمارأى الحكماء الصبر ضربة لازم
فلا برحت تسطو ربيعة منكمبأرقم عطّاف وراء الأراقم
فأنت وصنواك الشقيقان إخوةخلقتم سعوطا للانوف الرواغم
ثلاثة أركان، وما انهدّ سؤددإذا ثبتت فيه ثلاث دعائم
وقال يرثى عمير بن الوليد:
كفّ الندى أمست بغير بنانوقناته أضحت بغير سنان
جبل الجبال غدت عليه ملمّةتركته وهو مهدّم الأركان
أنعى عمير بن الوليد لغارةبكر من الغارات أو لعوان
أنعى فتى الفتيان غير مكذّبقولى، وأنعى فارس الفرسان
عثر الزمان ونائبات صروفهبمقيلنا عثرات كلّ زمان
لم يترك الحدثان يوم سطابهأحدا نصول به على الحدثان
قد كنت حشو الدرع ثم أراك قدأصبحت حشو اللحد والأكفان
شغلت قلوب الناس ثم عيونهممذ متّ بالخفقان والهملان
واستعذبوا الأحزان حتى إنّهميتحاسدون مضاضة الأحزان
ما يرعوى أحد الى أحد ولايشتاق إنسان الى إنسان
أأصاب منك الموت فرصة ساعةفعدا عليك وأنتما أخوان!
فمن الذى أبقى ليوم تكرّمومن الذى أبقى ليوم طعان !
وقال يرمى ابنا له:
كان الذى خقت أن يكوناإنّا إلى الله راجعونا
أمسى المرجّى أبو علىّموسّدا فى الثرى يمينا
حين استوى وانتهى شباباوحقّق الرأى والظنونا
أصبت فيه وكان عندىعلى المصيبات لى معينا
كنت كثيرا به عزيزاوكنت صبّا به ضنينا
دافعت إلا المنون عنهوالمرء لا يدفع المنونا
آخر عهدى به صريعاللموت بالداء مستكينا
إذا شكا غصّة وكربالا حظ أو راجع الأنينا
يدير فى رجعه لسانايمنعه الموت أن يبينا
يشخص طورا بناظريهوتارة يطبق الجفونا
ثم قضى نحبه وأمسىفى جدث للثرى دفينا
باشر برد الثرى بوجهقد كان من قبله مصونا
بعيد دار قريب جارقد فارق الإلف والقرينا
بنىّ يا واحد البنيناغادرتنى مفردا حزينا
هوّن رزئى بك الرزاياعلىّ فى الناس أجمعينا
آليت أنساك ما تجلّىصبح نهار لمصبحينا
وما دعا طائر هديلاورجّعت واله حنينا
تصرّف الدهر بى صروفاوعاد لى شأنه شؤونا
وحزّ فى اللحم بل براهواجتثّ من طلحتى فنونا
أصاب منّى صميم قلبىوخفت أن يقطع الوتينا
والمرء رهن بحالتيهفشدّة مرّة ولينا
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع