من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا تشبيه خمسة بخمسة
فكقول أبى الفرج الواوا الدمشقى:
قالت متى البين يا هذا فقلت لهاإمّا غدا زعموا أولا فبعد غد
فأمطرت لؤلؤا من نرجس فسقتوردا وعضّت على العنّاب بالبرد
وشبّه قاضى القضاة نجم الدين بن البارزىّ سبعة أشياء بسبعة أشياء وهى:
يقطّع بالسّكين بطّيخة ضحىعلى طبق فى نجلس لان صاحبخ
كشمس ببرق قدّ بدر أهلةلدى هالة فى الأفق شتّى كواكبه
قال: والغرض من التشبيه قد يكون بيان إمكان وجود الشىء عند ادعاء ما لا يكون إمكانه بيّنا، كقول ابن الرّومىّ:
وكم أب قد علا بابن ذرى شرفكما علت برسول الله عدنان
وكقول المتنبى:
فإن تفق الأنام وأنت منهمفإن المسك بعض دم الغزال
أو بيان مقداره، كما إذا حاولت نفى الفائدة عن فعل إنسان قلت: هذا كالقابض على الماء، لأن لخلوّ الفعل عن الفائدة مراتب مختلفة فى الإفراط والتفريط والوسط، فإذا مثّل بالمحسوس عرفت مرتبته، ولذلك لو أردت الإشارة إلى تنافى الشيئين فأشرت إلى ماء ونار فقلت: هذا وذاك هل يجتمعان؟ كان تأثيره زائدا على قولك: هل يجتمع الماء والنار؟ وكذلك إذا قلت فى وصف طول يوم: كأطول ما يتوهّم، أو لا آخر له، أو أنشدت قوله:
فى ليل صول تناهى العرض والطولكأنّما ليله بالليل موصول
لم تجد فيه من الأنس ما تجده فى قوله:
ويوم كظلّ الرمح قصّر طولهدم الزقّ عنّا واصطفاق المزاهر
وما ذاك إلّا للتشبيه بالمحسوس، وإلّا فالأوّل أبلغ، لأن طول الرمح متناه وفى الأوّل حكمت أنّ ليله موصول باللّيل، وكذلك لو قلت فى قصر اليوم: كأنّه ساعة، أو كلمح البصر، لوجدته دون قوله:
ظللنا عند دار أبى أنيسبيوم مثل سالفة الذّباب
وقوله:
ويوم كإبهام القطاة مزيّنإلىّ صباه غالب لى باطله
قال: وقد يكون غرض التشبيه عائدا على المشبه به، وذلك أن تقصد على عادة التخييل أن توهم فى الشىء القاصر عن نظيره أنه زائد، فتشبّه الزائد به، كقوله:
وبدا الصباح كأنّ غرّتهوجه الخليفة حين يمتدح
وهذا أبلغ وأحسن وأمدح من تشبيه الوجه بالصباح، لأن تشبيه الوجه بالصباح أصل متّفق عليه لا ينكر ولا يستكثر، وإنما الذى يستكثر تشبيه الصباح بالوجه.
قال: ثم الغرض بالتشبيه إن كان الحاق الناقص بالزائد امتنع عكسه مع بقاء هذا الغرض، وإن كان الجمع بين شيئين فى مطلق الصورة والشكل واللون صحّ العكس كتشبيه الصبح بغرّة الفرس الأدهم لا للمبالغة فى الضياء، بل لوقوع منير فى مظلم وحصول بياض قليل فى [سواد] كثير.
قال: والتشبيه قد يجىء غريبا يحتاج فى إدراكه الى دقّة نظر، كقول ابن المعتزّ:
والشمس كالمرآة فى كفّ الأشل
والجامع الاستدارة والإشراق مع تواصل الحركة التى تراها للشمس إذا أنعمت التأمّل فى اضطراب نور الشمس، ويقرب منه قول الآخر:
كأن شعاع الشمس فى كلّ غدوةعلى ورق الأشجار أوّل طالع
دنانير فى كفّ الأشلّ يضمّهالقبض وتهوى [من] فروج الأصابع
وكقول المتنبىّ:
الشمس من مشرقها قد بدتمشرقة ليس لها حاجب
كأنها بودقة أليتيجول فيها ذهب ذائب
ومن لطيف ما جاء فى هذا المعنى من التشبيه قول الأخطل فى مصلوب:
أو قائم من نعاس فيه لوثتهمواصل لتمطّيه من الكسل
شبّهه بالمتمطّى، لأنّ المتمطّى يمدّ يديه وظهره ثم يعود إلى حالته الأولى، فزاد فيه أنّه مواصل لذلك، وعلّله بالقيام من النعاس لما فى ذلك من الّلوثة والكسل.
قال: والتشبيه ليس من المجاز، لأنه معنى من المعانى، وله ألفاظ تدلّ عليه وضعا فليس فيه نقل اللفظ عن موضوعه، وإنّما هو توطئة لمن يسلك سبيل الاستعارة والتمثيل، لأنه كالأصل لهما وهما كالفرع له، والذى يقع منه فى حيّز المجاز عند أهل هذا الفنّ هو الذى يجىء على حدّ الاستعارة، كقولك لمن يتردّد فى الأمر [بين] أن يفعله أو يتركه: «أراك تقدّم رجلا وتؤخّر أخرى» والأصل فيه أراك فى تردّدك كمن يقدّم رجلا ويؤخر أخرى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع