تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما الإيهام

- ويقال له التورية والتخييل- فهو أن يذكر ألفاظا لها معان قريبة وبعيدة، فإذا سمعها الإنسان سبق إلى فهمه القريب، ومراد المتكلّم البعيد مثاله قول عمر بن أبى ربيعة:

أيها المنكح الثريّا سهيلاعمرك الله كيف يلتقيان
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «منكر رقص عاقد الطيلسان»
هى شاميّة إذا ما استقلّتوسهيل إذا استقلّ يمانى
للشاعر ابن المُقري، من قصيدة «منكر رقص عاقد الطيلسان»

فذكر الثريا وسهيلا ليوهم السامع أنه يريد النجمين، ويقول: كيف يجتمعان والثريّا من منازل القمر الشاميّة، وسهيل من النجوم اليمانيّة؟ ومراده الثريّا التى كان يتغزّل بها لمّا زوّجت بسهيل؛ ومن ذلك قول المعرّى:

إذا صدق الجدّ افترى العمّ للفتىمكارم لا تخفى وإن كذب الخال
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

فإنّ وهم السامع يذهب إلى الأقارب، ومراده بالجدّ: الحظّ، وبالعمّ: الجماعة من الناس، وبالخال: المخيلة، ومن ذلك قول الحريرىّ فى [وصف الإبرة والميل فى] المقامة الثامنة:

وقوله أيضا:

يا قوم كم من عاتق عانسممدوحة الأوصاف فى الأنديه
قتلتها لا أتقى وارثايطلب منّى قودا أو ديه

يريد بالعاتق العانس: الخمر، وبقتلها: مزجها، كما قال حسّان:

إن التى عاطيتنى فرددتهاقتلت قتلت فهاتها لم تقتل

وأمثال ذلك كثيرة.

وعند علماء البيان: التخييل تصوير حقيقة الشىء للتعظيم، كقوله تعالى:

وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ

والغرض منه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز، وكذلك قوله ﷺ: «إنما نحن حفنة من حفنات ربّنا» قال الزمخشرى: ولا يرى باب فى علم البيان أدقّ ولا ألطف من هذا الباب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.