من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر نبذة من كلام القاضى الفاضل الأسعد محيى الدين (٢)
أسفا على أيّام الاجتماع التى كانت مواسم لسرور الأسرار، ومباسم لثغور الأوطار؛ وتذكّرا لأوقات عذب مذاقها، وعذّب فراقها؛ وروّحت بكرها، وزوّعت ذكرها
والله ما نسيت نفسى حلاوتهافكيف أذكر أنّى اليوم أذكرها
ومذ فارقت الجناب النّورىّ- لا زال جنى جنابه نضيرا، وسنا سنائه مستطيرا؛ وملكه فى الخافقين خافق الأعلام، وعزّه على الجديدين جديد الأيام؛ لم أقف منه على كتاب يخلف سواد سطوره ما غسل الدمع من سواد ناظرى، ويقدم ببياض منظومه ومنثوره ما وزعه البين من سواد خاطرى
ولم يبق فى الأحشاء إلا صبابةمن الصبر تجرى فى الدموع البوادر
وأسأله المناب بشريف الجناب، وأداء فرض، تقبيل الأرض؛ حيث تلتقى وفود
الدنيا والآخره، وتغمر البيوت العامرة المنن الغامره؛ ويظلّ الظلّ غير منسوخ بهجيره، وينشر المجد بشخص لا تسمح الدنيا بنظيره
تظاهر فى الدنيا بأشرف ظاهرفلم ير أنقى منه غير ضميره
كفانى عزّا أن أسمّى بعبدهوحسبى هديا أن أسير بنوره
فأىّ أمير ليس يشرف قدرهإذا ما دعاه صادقا بأميره
وإننى فى السؤال بكتبه أن يوصلها ليوصل بها لدى تهانئ تملأ يدى، ويودع بها عندى مسرّة تقتدح فى الشكر زندى
عهدتك ذا عهد هو الورد نضرةوما هو مثل الورد فى قصر العهد
وأنا أرتقب كتابه ارتقاب الهلال لتفطر عين عن الكرى صائمه، وترد نفس على موارد الماء حائمه.
وكتب أيضا يتشوّق:
لا عتب أخشاه لقطع كتابكمواسمع فعذرى بعده لا يعتب
مهما وجدتك فى الضمير ممثّلاأبدا تناجينى إلى من أكتب
كتب عبد حضرة مولاه- حرس الله سمّوه، وأدام مزيد علائه ونموّه، وقرن بالمسارّ رواحه وغدوّه، وكبت حاسده وأهلك عدوّه- عن سلامة ما استثنى فيها الدهر إلا ألم فراقه، وعافية موصولة بمرض قلب لا أرجو موعد إفراقه
لو لم يكن إنسان عينى سابحالخشيت حين بكيت من إغراقه
وعندى اليه وجد يكلم الضلوع، ويتكلّم بألسنة الدموع؛ والنفس قريبة استعبار، لذكر أوقات السرور القصار، وأنوارها التى يكاد سنا برقها يخطف الأبصار.
شهور ينقضين وما شعرنابأنصاف لهنّ ولا سرار
إذ العيش غضّ وريق، والمهج لم يتقسّمها التفريق، ولا سار منها إلى بلد فريق وبقى فى بلد فريق، ولا سقاها كؤوس وجد للجفون المترعة تريق
ثملت منها ومالىسوى الغرام رحيق
وإلى الله الشكوى من شوق فى الصّميم، وصبر راحل وغرام لا يريم، كأنه غريم
زعموا أنّ من تباعد يسلولا ومحيى العظام وهى رميم
ولقد استغرب وصول الرفاق وقد صفرت من كتابه الكريم عيابهم، ولو زاره لعدّه تحفة الخصيص بالتخصيص، وأدرك به بغية الحريص، ورأى للدّهر المذنب مزيّة التمحيص، وصال به على نوائب الأيام المنتابه صولة لا يجد عنها من محيص
وحسبتنى لوصولهيعقوب بشّر بالقميص
هنالك يرتع فى تلك الرّياض التى غصونها أسطارها، وشكلها أطيارها، وألفاظها نوّارها، ومعانيها ثمارها، وبلاغتها أنهارها، وجزالتها تيارها
إن أظلمت للنفس فيها ليلةقمر المعانى عندنا سمسارها
ويتلقّاه قبل يده بقلبه، ويكاد يسبق ضميره إلى أكله وشربه
ويظنّه والطرف معقود بهشخص الرقيب بدا لعين محبّه
وإذا ضنّ مولاه بمأثوره، جاد عليه بميسوره؛ ...
فكأنّنى أهديت للشمس السّناوطرحت ما بين المصاحف دفترا
وعلى كلّ حال فيسأله أن يواصله من مراسمه بما ينتظره ناظره ليجد نورا، وقلبه ليستشعر به سرورا، وخاطره ليجعله بينه وبين الهمّ سورا؛ وألّا يخلى رفقة من كتاب ولو بالقلائد القلائل من درر أقلامه، ودرارىّ كلامه.
وكتب: لو استعار الخادم- أدام الله نعمة المجلس- أنفاس البشر كلاما، وأغصان الشجر أقلاما؛ وبياض النهار أطراسا، وسواد الليل أنفاسا؛ ما عبّر عن الوجد الذى عبّرت عنه عبراته، ولا عن الشوق الذى لا يستثير مثله معبدا
إذا هزجت فى الثقيل الأوّل نبراته؛ أسفا على ما عدمه فى هذه الطريق، من ذلك المحيّا الطّليق، والخلق الذى هو بكل مكرمة خليق، والصفات التى يحسن بها كلّ حسن ويليق، ويعذر كلّ جفن يسفح ذخيرته شوقا إليها ويريق
قفا أو خذا فى العذل أىّ طريقفما أنا من سكر الهوى بمفيق
أما والهوى إنّ الهوى لأليّةيعظّمها فى الحبّ كلّ مشوق
لو أنّ الهوى مما تصحّ هباتهلقاسمت منه قلب كلّ صديق
وما زار ناظر خادمه الكرى إلا تمثّل له مولاه طيفا يهمّ أن يتعلّق بأذياله، وقبل تمويه ناظره على قلبه فى وصاله
وودّ أن سواد الليل مدّ لهوزاد فيه سواد القلب والبصر
ولقد وجد طعم الحياة لبعده مرّا، وقال بعده للذّتى العين والقلب: مرّا
وها هو يرجو فى غد [وعد] يومهلعلّ غدا يأبى لمنتظر عذرا
وإلى الله ﷾ يرغب أن يجعله بالسلامة مكنوفا، وصرف الحدثان عن ساحته مكفوفا، وعنان الصّروف عن فنائه مصروفا، ووفود الرجاء على أرجائه عكوفا؛ وأن يمتع الوجه بوصفه الذى هو أشرف من كلّ وجه موصوفا
من كان يشرك فى علاك فإنّنىوجّهت وجهى نحوهنّ حنيفا
وقد كان ينتظر كتابا يشرّفه ويشنفه، ويستخدمه على الأوامر ويصرّفه؛ ويجتنى ثمر السرور غضّ المكاسر ويقتطفه؛ فتأخّر ولم يحدث له التأخير ظنّا، ولا صرفه [عن] أن يعتقد أنّ مولاه لا تحدث له الأيام بخلا بفضله ولا ضنّا
ولو تصرف السحب الغزاز عن الثّرىلما انصرفت عن طبعك الشّيم الحسنى
وهو ينتظر من الأمر والنهى ما يكون عمله بحسبه، ويثبت له عهد الخدّام بنسبه
ومن عجب أنّى أحنّ إليهموأسأل عنهم من أرى وهم معى
وتطلبهم عينى وهم فى سوادهاويشتاقهم قلبى وهم بين أضلعى
وكتب أيضا: كتبت والعبرات تمحو السطور، ويوقد ماؤها نار الصدور ويهتك وجدا كان تحت السّتور، ويرسل من بين أضلعى نفس الموتور
قد ذكرنا عهودكم بعد ما طالتليال من بعدها وشهور
عجبا للقلوب كيف أطاقتبعدكم! ما القلوب إلّا صخور
وما وردت الماء إلّا وجدت له على كبدى وقدا لا بردا، ولا تعرّضت لنفحات النسيم إلا أهدى إلىّ جهدا، ولا زارنى طيف الخيال إلا وجدنى قد قطعت طريقه سهدا، ولا خطف لى البارق الشّامىّ إلا باراه قلبى خفوقا ووقدا
وأيسر ما نال منّى الغليلألا أحسّ من الماء بردا
فسقى الله داره ما شربت [من] الغمام، وأيّامنا بها وبدور ليالى تلك الأيّام تمام
ذمّ اللّيالى بعد منزلة اللّوىوالعيش بعد أولئك الأقوام
وكان قد وصل منه كتاب كالطّيف أو أقصر زورا، وكالحبّ أو أظهر جورا، والربيع أو أبهر نورا، والنجم أو أعلى طورا، والماء الزلال أو أبعد غورا؛ فنثرت عليه قبلى، وجعلت سطوره قبلى بل قبلى، ووردت منه موردا
أهلا به وعلى الإظماء أنشدهلو بلّ من غللى أبللت من عللى
إلا أنه- أبقاه الله- ما عزّزه بثان،ولا آنس غريبه، وإنى وإيّاه غريبان
وكم ظلّ أو كم بات عندى كتابهسمير ضمير أو جنان جنان
وأرغب إليه- لا زالت الرّغبات اليه-، وأسأله- لا خيّم السؤال إلا لديه-؛ أن يلاطف بكتابه قلبى، ويمثّل لى بمثاله أيّام قربى
والله لولا أنّنىأرجو اللّقا لقضيت نحبى
هذا وما فارقتكملكنّنى فارقت قلبى
وكتب جواب كتاب ورد عليه:
شكرت لدهرى جمعه الدار مرّةوتلك يد عندى له لا أضيعها
وطلعة مولانا يطالع عبدهوكلّ ربوع كان فيها ربوعها
فؤاد سقاه لا يعود غليلهوعين رأته لا تفيض دموعها
ورد على الخادم كتاب المجلس- أعلى الله سلطانه وأثبته، وأرغم أنف عدوّه وكبته، وأصماه بسهام أسقامه وأصمته؛ ولا أخلى الدنيا من وجوده، كما لم يخل أهلها من جوده، ولا عطّل سماء المجد من صعوده، كما لم يعطّل أرضها من سعوده- وهو كتاب ثان يثنى إليه عنان الثناء، ويصف لى حسن العهد على التّناء، ويستنهض الأدعية الصالحة فى الأطراف والآناء، ويبشّر الخادم بأنه وإن كان بعيد الدار فإنه بمثابة المقيم فى ذلك الفناء، وأن هذه الخدمة التى أنعم الله عليه بها وثيقة الأساس على الدهر شامخة البناء؛ فقام له قائما على قدمه، وسجد فى الطّرس ممثّلا سجود قلمه، واسترعى الله العهد على أنه تعالى قد رعى ما أودعه فى ذمّة كرمه؛ وصارت له نجران علاقة خير صرف إليها وجهه فكأنها قبله، ودعا بنى الآمال إلى اعتقاد فضل مالكها فكأنّما يدعوهم إلى
ملّه؛ والله يوزعه شكر هذا الافتقاد على البعاد، ولا يخله من هذا الرأى الجميل الذى هو ملجأ الاستناد؛ وعقد الاعتقاد؛ والخادم لا ينفكّ متطلّعا لأخبار المولى فترده مفضلة ومجمله، ومفصّلة ومجمله؛ ويعرف منها ما يعرف به موقع اللطف بالمولى فى أحواله، ومكان النجح فى آماله؛ وأنّه بحمد الله فى نعمة منه- لا غيّر الله ما به منها، ولا صرفها عنه ولا صرفه عنها- فيجدّد لله الشكر والحمد، ويبلّغه ما يبلغه منها المراد والقصد؛ ونسأل الله ألّا يخلى الدولة الناصريّة منه ناصرا لسلطانها، وعينا لأعيانها؛ وسيفا فى يد الإسلام يناضل عن حقّه، وفرعا شريفا يشهد مرآه بشرف عرقه؛ والرأى أعلى فى إجرائه على ما عوّد من هذا الإنعام، وزيادته شرفا بالاستنهاض- إن صلح له- والاستخدام.
ومن جواب آخر: ورد كتاب المجلس- أدام الله واردات الإقبال على آماله، و [لا] سلبت الأيام نعمتى جميله وإجماله، ولا انحطّ قدر بدره عن درجتى تمامه وكماله، وأحسن جزاءه عن ميثاق الفضل الذى نهض باحتماله- ووقفت منه على ما لا يجد الشكر عنه محيدا، وآنست به القلب الذى كان وحيدا، وعددت يوم وصوله السعيد عيدا، ووردت منه بئرا معطّلة وحللت قصرا مشيدا؛ ولا يكلّف الله نفسا إلّا وسعها، وتلك الغاية ليست فى وسعى، ولا تعلم نفس إلا ما طرق سمعها، وتلك المحاسن ما طرق مثلها سمعى، ولا تتناول يد إلّا ما وسعه ذرعها، وهذه الأوابد الأباعد ما طالها ذراعى ولا استقلّ بها ذرعى.
ومن آخر: خلّد الله أيّام المجلس، وعضّد الملّة الحنيفيّة منه بحاميها، والأركان الإسلاميّة من سيفه بشائدها وبانيها، وأمتع الدولة المحمديّة بعزمته التى حسنت الكفاية بها، فلا غرو أن تحسن الكفاية فيها؛ ولا عدمت الدنيا نضرة بأيّامه النّضيره، والدين نصرة بأعلامه النصيره؛ المملوك يقبّل التراب الذى يوما يستقرّ بحوافر سيله، ويوما يستقرّ بحوافر خيله- فلا زال فى يوم السلم جوده سحابا صائبا، ويوم الحرب شهابا ثاقبا- وينهى أنه وردت عليه المكاتبة التى استيقظت بها آماله من وسنها، وأفادته معنى من الجنّة فإنها أذهبت ما بالنفوس من حزنها، وتلقّى المملوك قبلها بالسجود والتقبيل، وتحلّى بعقود سطورها فهيهات بعد هذا شكوى التعطيل؛ واكتحل من داء السهد بإثمدها، وأدار على الايّام كأس مرقدها، وأسمعته نغم النّعم التى هى أعجب إلى النفس من نغمات معبدها، وأطالت الوقوف عليها ركاب طرفه [فما وقوف ركاب طرفة] ببرقة ثهمدها؛ وضرع إلى من يشفّع وسائل المتضرّعين،
ويملأ مواقع آمال المتوقّعين؛ أن يغلّ عنه كلّ يد للخطوب بسيطه، ويفكّ به كلّ ربقة للأيّام بأعناق بنيها محيطه.
ومن آخر: رفع الله عماد الإسلام ببقاء المجلس، وبسط ظلّه على الخلق، وملّك يده الكريمة قصب السّبق، وجمع بتدبيره بين ناصيتى الغرب والشرق؛ وألّف لقدرته طاعتى الجهر والسرّ، وصرّف بعزمته زمامى النّهى والأمر، وأحرز لجدّه مسّرّتى الأجر والنصر، وقطّ بفتكته شوكتى النفاق والكفر- وردت على المملوك مكاتبة كريمة رفعها حيث ترفع العمائم، ومدّ اليد اليها كما تمدّ إلى الغمائم؛ وفضّها، بعد أن قضى باللّثم فرضها، واستمطرت نفسه سماءها فأرضت أرضها؛ وكاد المملوك يتأمّلها لولا أنّ دمع الناظر إلى العين سبقه، على أنه دمع قد تلوّن بتلوّن الأيّام فى فراقه، فلو فاض لعصفر الكتاب وخلّقه؛ فلا أعدمه الله المولى حاضرا وغائبا، ومشافها ومكاتبا، وأحلّه»
فى جانب السعادة ويعزّ على المملوك أن يحلّ من مولاه جانبا.
ومن آخر: ورد كتابه ووقفت على ما أودعه من فضل خطّ وفصل خطاب، وعقائل عقول ما كنا لها من الأكفاء وإن كنا من الخطّاب، وآثار أقلام
تناضل عن الملّة نضال النّصال، وكأنها فضل سبق لما تحوزه من حقّ السّبق وخصل الخصال؛ فأعيذ الإسلام من عدمه، ولا عدم بسطة تلمه، وثبوت قدمه؛ فإنه الآن عين الآثار، وأثر الأعيان، وخاطر الحفظ إلا أنّ الخطوب تصحب فيه خواطر النّسيان؛ وليّن اهتصر الدهر سطوا، واختصر خطوا؛ وإنه سيف يمان إن قدم عهدا، فقد حسن فرندا، وخشن حدّا؛ وأجرى نهرا، وأورى شررا؛ واخضرّ خميله، وقطع الأيّام جميله؛ وضارب الأيّام فأجفلت عن مضاربه ضرائبها، وشردت عن عزمه غرائبها؛ ولبسها حتى أنهجت بواليا، ثم اختار منها أياما وأبى أن يلبسها لياليا؛ لا جرم أن صحيفته البيضاء شعار شعره، وروضة علمه الغنّاء قد جلت أنوار نوره، وزواهر زهره؛ فالزمان لا يعدو عليه بزمانة تعدو، ولا يتجاوز أوقاته إلّا موسومة بمحاسنه ولا يعدو؛ حتى يمتّ إليه عدوّ يلتفت أمس، ويروى اليوم
أنّ قرابته من فضله أمسّ؛ والله يعلم أنّنى لأرى له ولا أرى فيه، وأسدّ عنه كلّ خرق تعجز عنه يد رافيه؛ ضنّا بالصدور أن تخلو من صدر كقلبها، ومحاماة عن حقوق تقدمته التى أوجبها أن تعارض بسلبها.
ومن آخر: وصل كتاب الحضرة فجعل مستقرّه النّعمة فى الصدور، وأخرجتنى ظلمات خطّه إلى نور السرور؛ ووقفت وكأنّى واقف على طلل من الأحبّة قد بكى عليه السحاب بطلّه، وابتسم له الروض عن أخبار أهله وآثار منهلّه؛ فلم أزل أرشف مسك سطوره ولماها، وأنزّه العين والقلب بين حسنها وجناها؛ وأطلق عنان شوق جعلت الأقلام له لجما، وحسبت النّقس ليلا، والكتاب طيفا، والوقوف عليه حلما؛ إلى أن قضت النفوس وطرا، وحملت الخواطر خطرا، وقرنت بما ظنّه سحابا ما ظنّه مطرا؛ هذا على أنه قريب العهد بيد النّعماء، فإن هرب فمن ماء إلى ماء.
ومن آخر: فلمّا وقف على الكتاب جدّد العهد بلثمه ما لم يصل إلى اليد [التى] بعثته، وشفى القلب بضمّه عوضا عن الجوانح التى نفثته
وأين المطامع من وصلهولكن أعلّل قلبا عليلا
ومن آخر: وصل كتابه، وكان من لقائه طيفا إلا أنه أنس بالضّحى، وأثار حرب الشوق وكان قطب الرّحى
تخطّى إلىّ الهول والقفر دونهوأخطاره لا أصغر الله ممشاه
ومن كلامه ﵀ يصف بلاغة كتاب، قال: كتاب إلى نحرى ضممته، وذكرت به الزمن الذى ما ذممته، وأكبرت قدره فحين تسلّمته [استلمته] والتقطت زهره فحين لمحته استملحته، وامتزج بأجزاء نفسى فحين لحظته حفظته؛ وجمعت بينه وبين مستقرّه من صدرى، واستطلت به مع قصره على حادثات دهرى، وجعلت سحره بين سحرى ونحرى، واستضأت به ورشفته فهو نهارى وهو نهرى؛ فإن أردت العطر بلا أثر أمسكت مسكه بيدى، وإن أردت السكر بلا إثم أدرت كأسه فى خلدى؛ فلله أنامل رقمته، ما أشرف آثارها! وخواطر أملته، ما أشرق أنوارها! ولم أزل متنقلا منه بين روضة فيها غدير، وليلة فيها سمير؛ وإمارة لها سرير، ومسرّة أنالها طليق أسير، ونعمة أنا لها عبد بل بها أمير؛ حتى أدبرت عنى جيوش الأسى مفلوله، وقصرت عنّى يد الهمّ مغلوله؛ وملئت منّى مسامع المكارم حمدا، وخواطر الصنائع ودّا؛ وحطّ الأمل بربعى رحله، وأنبت الربيع بفنائى بقله؛ ولبست من الإقبال أشرف خلعه، ووردت من القبول أغزر شرعه، وانتجعت من رياض الرجاء أرجى نجعه.
وقال أيضا من آخر: هذا من عفو الخواطر، فكيف إذا استدعى المجلس خطّيّة خطّه فجاءت تعسل، وحشد حشود بلاغته فأتت من كل حدب تنسل!.
ومن آخر: ورتع فى رياض بلاغته التى لم يقتطفهنّ من قبله غارس ولا جان، واجتلى الحور المقصورات فى الطروس التى لم يطمثهنّ إنس قبله ولا جانّ؛ وغنى بتلك المحاسن غنى خيرا من المال، واعتقد فيها كنوزا إذا شاء أنفق منها الجمل، وإذا شاء أمسك منها الجمال.
وقال أيضا: كتاب اشتمل على بديع المعانى وباهرها، وزخرت بحار الفضل إلا أننى ما تعبت فى استخراج جواهرها؛ بل سبحت حتى تناولتها، وجنحت إلىّ فما حاولتها؛ واقتبست من محاسن أوصافه، وبدائع أصنافه؛ نكتا استقلت أجسادها بالارواح، وزهيت جيادها بما فيها من الغرر والأوضاح؛ فيا لله من بدائع وروائع، ولطائف وطرائف! فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين، وما يقرّط الأسماع ويقرّط الألسن؛ فكأنه طرف طرف صوبه مدرار، وعلم علم منصوب فى رأسه نار؛ صحّح السحر وإن كان ظنّا، وفضح الدّرّ إذ كان أبرع معنى، وأسنى حسنا، وأدنى مجنى، وأغنى مغنى؛ فما ضره تأخير زمانه، مع تقدّم بيانه؛ ولا من سبقه فى عصره، مع أنه قد سبق فى شعره.
ومن آخر: ولله هو من كتاب لمّا وقفت عليه الغلّة شفاها، ورأت وردها كلّ ماء غيره سفاها، ووطّأ مضاجع أنسها بعد أن كان الشوق يقلّب الجنوب على سفاها؛ فلا عدم ودّها الذى به عن كلّ مودّة سلوة، ولا برحت كفاية الله تحلّها فى الذّرا وتعلى قدرها فى الذّروه، ولا فقد مما ينعم به أىّ نعمه، ولا مما ينشيه أىّ نشوه.
ومن آخر: كتاب كريم تبسّم إلىّ ضاحكا، وظنّ مداده أنه قد جلا سطره علىّ حالكا؛ فما هو إلّا سواد الحدقة منه انبعثت الأنوار، وما هو إلا سويداء ليلة الوصل اشتملت على دجى تحته نهار، فلله هو من كتاب استغفر الدهر ذنب المشيب بسواده، واستدرك الزمان غلطه بسداده.
ومن آخر: كتاب تقارعت الجوارح عليه فكادت تتساهم، فقالت اليد:
أنا أولى به، شددت على مولاه ومولاى عقد خنصرى، ورفعت اسمه فوق منبرى؛ وقبضت عليه قبضتى، وبسطت فى بسط راحته وقت الدّعاء راحتى؛ وقالت العين:
أنا أولى به، أنا وعاء شخصه، والىّ يرجع القلب فى تمثيله ونصّه؛ وأنا سهرت بعد رحيله وحشة، وأنا إذا ذكر هجير القلب عللته رشّة بعد رشّة؛ فقال القلب:
طمعتها فى حقّى لأنى غائب، وهل أنت لى يايد إلّا خادم؟ وهل أنت لى
يا عين إلا حاجب؟ أنا مستقرّه ومستودعه، ومرتعه ومشرعه، وأنا أذكره وبه أذكركما، وأحضره ولخدمته أحضركما؛ فاليد استخدمها مرّة فى الكتابة إليه، ومرّة فى شدّ الخنصر عليه؛ ومرّة فى الإشارة الى فضله، ومرّة فى الدعاء بكلّ صالح هو من أهله؛ والعين استخدمتها فى ملاحظة وجهه آئبا، وفى توقع لقائه غائبا؛ وفى السهد شوقا الى قربه، والمطالعة لما يخرج أمرى بكتبه من كتبه؛ فهنالك سلّمتا واستجرّتا، وألقتا واستأخرتا؛ وكدت أرشف نقسه لأنقله الى سويداه، لولا أنّ سواد العين قال: أنا أحوج الى الاستمداد من هداه.
ومن كلامه رحمه الله تعالى ما ركّب نصف قرائنه على نصف بيت نحو قوله:
وصل كتاب مولاى بعد ماأصات المنادى للصلاة فأعتما
فلما استقرّ لدىّ، «تجلّى الذى من جانب البدر أظلما» فقرأته، «بعين اذا استمطرتها أمطرت دما» وساءلته، «فساءلت مصروفا عن النطق أعجما» ولم يردّ جوابا، «وماذا عليه لو أجاب المتيّما» وردّدته قراءة، «فعوجلت دون الحلم أن أتحلما» وحفظته، «كما يحفظ الحرّ الحديث المكتّما» وكرّرته، «فمن حيثما واجهته قد تبسّما» وقبّلته، «فقبّلت درّا فى العقود منظّما» وقمت له، «فكنت بمفروض
المحبّة قيّما» وأخلصت لكاتبه، «وليس على حكم الحوادث محكما» ولم أصدّفه، «ولكنّه قد خالط اللحم والدما» وأرّخت وصوله، «فكان لأيام المواسم موسما» وداويت عليل «حشا ضرّ ما فيه من النار ضرّما» وشفيت غليل «فؤاد أمنّيه وقد بلغ الظما» فأما تلك الأيام التى «حماها من اللوم المقام على الحمى» والليالى العذاب التى «ملأن نحور الليل بيضا وأنجما» [فإنّى لأذكرها، «بصبر كما قد صرّمت قد تصرّما»] وأرسل الزفره «فلو صافحت رضوى لرضّ وهدّما» وأرسل العبره، «كما أنشأ الأفق السحاب المديّما » وأخطب السلوه، «فأسأل معدوما وأقفل معدما»
فأما الشكر فإنما «أفضّ به مسكا عليك مختما» وأقوم منه بفرض «أرانى به دون البريّة أقوما» وأوفّى واجب قرض، «وكيف توفّى الأرض قرضا من السما».
وقال أيضا: وصل كتاب الحضرة بعد أن عددت الليالى لطلوع صديعه «وقد عشت دهرا لا أعدّ اللياليا»، وبعد أن انتظرت القيظ والشتاء لفصل ربيعه «فما للنوى ترمى بليلى المراميا» ! واستروحت إلى نسيم سحره، «إذا الصيف ألقى فى الديار المراسيا» ومددت يدى لاقتطاف ثمره، «فلله ما أحلى وأحمى المجانيا !» ووقفت على شكواه من زمانه، «فبث لشكواه من الدهر شاكيا» وعجبت لعمى الحظّ عن مكانه «وقد جمع الرحمن فيه المعانيا» وتوقّعت له دولة يعلو بها الفضل «إذا هزّ من تلك اليراع عواليا» ورتبة يرتقى صهوتها بحكم العدل «فربّ مراق يعتددن مهاويا» وإلى الله أرغب فى إطلاع سعوده، «زواهر فى أفق المعالى زواهيا» وفى إنهاض عثرات جدوده، «فقد أعثرت بعد النهوض المعاليا».
وقال أيضا:
وصل من الحضرة
كتاب به ماء الحياة ونقعة الحيا فكأنى إذ ظفرت به الخضر
ووقف عبدها منه على
عقود هى الدرّ الذى أنت بحرهوذلك ما لا يدّعى مثله البحر
ورتعت منه فى
رياض [يد] تجنى وعين وخاطرتسابق فيها النّور والزهر والثّمر
وكرعت منه فى حياض
تسرّ مجانيها اذا ما جنى الظماوتروى مجاريها اذا بخل القطر
وما زلت منه أنشد
كانّى سار فى سريرة ليلةفلمّا بدا كبّرت إذ طلع الفجر
ووافى على ما كنت أعهد ف
خلت بأنّ العين من سحب كفّهفمن ذى ومن ذى [فيه] ينثر الدرّ
وأسترجع فائت الدنيا من مورده
وما كان عندى بعد ذنب فراقهبأنّى أرى يوما به يعد الدهر
ونفّس عن النفس بأبيض ثماده،وعن العين بأسود إثمده
به لهما سبح طويل فهذهعلى خاطر برد وفى خطر بدر
وجدّد اليه أشواقا جديدها
يمرّ به ثوب الجديدين دائمافيبلى ولا تبلى وإن بلى الدهر
وذكّر أياما لا يزال يستعيدها
وهيهات أن يأتى من الدهر فائتفدع عنك هذا الأمر قد قضى الأمر
وكلام القاضى الفاضل- ﵀ كثير، بأيدى الناس منه عدّة مجلّدات، أخبرنى من أثق بقوله من القضاة الحكام الأعيان أنه يزيد على خمسين مجلّدا قد جمعت، أما ما لم يجمعه الناس فكثير جدا؛ وقد نقل بعض من أرّخ، أنه وجد للقاضى الفاضل مسوّدات كتب صدرت عنه وأجوبة تزيد اذا جمعت على مائة مجلّد، ولا يحتمل الحال أن نورد له أكثر مما أوردناه، ورسائله المختارة كثيرة قد يكون فيها أجود مما اخترناه ونحوه، وإنما أوردنا له ما حضر فى هذا الوقت، إذ لم يمكن البحث عن كلامه والاستقصاء، وإن كان كلّ رسائله مختارة ﵀.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع