تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر شىء من رسائل الشيخ الإمام الفاضل ضياء الدين

أبى العباس أحمد ابن الشيخ الإمام العابد القدوة أبى عبد الله محمد بن عمر بن يوسف بن عمر بن عبد المنعم الأنصارىّ القرطبىّ ﵀،- وكانت وفاته بقنا من أعمال قوص فى سنة اثنتين وسبعين وستمائة- كتب إلى شيخنا الإمام العلّامة تقىّ الدين محمد ابن الشيخ الإمام الحبر مجد الدين أبى الحسن علىّ بن وهب بن مطيع القشيرىّ المعروف بابن دقيق العيد رحمهم الله تعالى: تخدم المجلس العالى صفات يقف الفضل عندها، ويقفو الشرف مجدها، وتلتزم المعالى حمدها؛ وسمات يبتسم ثغر الرياسة منها، وتروى أحاديث السيادة عنها؛ الصدرىّ الرئيسىّ المفيدىّ؛ معان استحقّها بالتمييز، واستوجبها بالتبريز، وسبكته الإمامة لها فألفته خالص الإبريز؛ ومعال أقرّته فى سويدائها، وأطلعته فى سمائها،

وألبسته أفضل صفاتها وأشرف أسمائها؛ العلّامىّ الفاضلىّ التقوىّ؛ نسب اختص به اختصاص التشريف، لا تعريفا فالشمس تستغنى عن التعريف؛ لا زالت إمامته كافلة بصون الشرائع، واردة من دين الله وكفالة أمّة رسول الله أشرف الموارد وأعذب الشرائع، آخذة بآفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطّوالع، قاطعة أطماع الآمال عن إدراك فضله وما زالت تقطّع أعناق الرجال المطامع، صارفة عن جلاله مكاره الأيام صرفا لا تعتوره القواطع، ولا تعترضه الموانع؛ وينهى ورود عذرائه التى «لها الشمس خدن والنجوم ولائد» وحسنائه التى «لها الدرّ لفظ والدّرارى قلائد» ومشرّفته التى «لها من براهين البيان شواهد» وكريمته التى «لها الفضل ورد والمعالى موائد ووديعته التى «لها بين أحشائى وقلبى معاهد»

وآيته الكبرى التى دلّ فضلهاعلى أن من لم يشهد الفضل جاحد
وأنك سيف سلّه الله للهدىوليس لسيف سلّه الله غامد

فلمثلها يحسن صوغ السوار، ولفضلها يقال: «أناة أيها الفلك المدار» وإنها فى العلم أصل فرع نابت، والأصل علّة النشأة والقرار، وفرع أصل ثابت، والفرع فيه الورق والثمار؛ هذه التى وقفت قرائح الفضلاء على استحسانها، وأوقفتنى على قدم التعبّد لإحسانها، وأيقنت أنّ مفترق الفضائل مجتمع فى إنسانها، وكنت أعلم علمها بالأحكام الشرعية فاذا هى فى النثر ابن مقفّعها، وفى القصائد أخو حسّانها؛ هذه وأبيك أمّ الرسائل المبتكره، وبنت الأفكار التى هذّبتها الآداب فهى فى سهل الإيجاز البرزة وفى صون الإعجاز المخدّره، والمليئة ببدائع البدائه، فمتى تقاضاها متقاض لم تقل: «فنظرة الى ميسرة»؛ والبديعة التى لم توجّه اليها الآمال فكرها لاستحالة غير مسبوق بالشعور، ولم تسم اليها مقل الخواطر لعدم الإحاطة بغيب الصدور قبل الصدور، والبديهة التى فصّل البيان كلماتها تفصيل الدرر بالشذور؛ إنّ كلمها ليميس فى صدورها وإعجازها، ويختال فى سطورها وإعجازها، وتنثال عليها أغراض المعانى بين إسهابها وإيجازها؛ فهى فرائد ائتلفت من أفكار الوائلىّ والإيادىّ، وقلائد انتظمت انتظام الدرارىّ، ولطائم فضّت عن العنبر الشّحرىّ والمسك الدارىّ؛ لا جرم أن غوّاصى الفضائل ظلوا فى غمراتها خائضين، وفرسان

الكلام أضحوا فى حلباتها راكضين، وأبناء البيان تليت عليهم آياتها «فظلّت أعناقهم لها خاضعين».

ما إن لها فى الفضل مثل كائنوبيانها أحلى البيان وأمثل
فالعجز عنها معجز متيقّنونبيّها بالفضل فينا مرسل
ما ذاك إلا أنّ ما يأتى بهوحى الكلام على اليراعة ينزل

بزغت شمسا لا ترضى غير صدره فلكا، وانقادت معانيها طاعة لا تختار سواه ملكا، وانتبذت بالعراء فلا تخشى إدراك الإنكار ولا تخاف دركا، وندّت شواردها فلا تقتنصها الخواطر ولو نصبت هدب الجفون شركا

فللأصائل فى عليائها سمرإن الحديث عن العلياء أسمار
وللبصائر هاد من فضائلهايهدى أولى الفضل إن ضلّوا وإن جاروا
بادى الإبانة لا يخفى على أحد«كأنه علم فى رأسه نار»

أعجب بها من كلم جاءت كغمام الظّلال على سماء الأنهار! وسرت كعليل النسيم عن أندية الأسحار، وجليت محاسنها كلؤلؤ الطلّ على خدود الأزهار، وتجلّت كوجنة الحسناء فى فلك الأزرار، وأهدت نفحة الروض متأوّد الغصن بليل الإزار، فأحيتنا بذلك النفس المعطار، وحيّتنا بأحسن [من] كأسى لمى وعقار، وآسى ريحان وعذار؛

ولؤلؤى حبب وثغر، وعقيقى شفة وخمر، وربيعى زهر ونهر، وبديعى نظم ونثر؛ ولم أدر ما هى أثغور ولائد؟ أم شذور قلائد؛ أم توريد خدود، أم هيف قدود؛ أم نهود صدور، أم عقود نحور؛ أم بدور ائتلفت فى أضوائها، أم شموس أشرقت فى سمائها؟

جمعن شتيت الحسن من كلّ وجهةفحيّرن أفكارى وشيّبن مفرقى
وغازلها قلبى بودّ محقّقوواصلها ذكرى بحمد مصدّق
وما كنت عشّاقا لذات محاسنولكن من يبصر جفونك يعشق
ولم أدر والألفاظ منها شريفةالى البدر تسمو أم إلى الشمس ترتقى

إنما هى جملة إحسان يلقى الله الرّوح من أمره على قلبها، أو روضة بيان «تؤتى أكلها كلّ حين بإذن ربّها»؛ أو ذات فضل اشتملت على ذوات الفضائل، وجنت ثمر العلوم فأجنتها بالضحى والأصائل؛ أو نفس زكت فى صنيعها، ونفث روح القدس فى روعها؛ فسلكت سبل البيان ذللا، وعدمت مماثلا فأضحت فى أبناء المعالى مثلا؛ وسرت الى حوز الأمانى والأنام نيام، فوهب لها واهب النعم أشرف الأقسام؛ فجادت فى الإنفاق، ولم تمسك خشية إملاق، وقيّدت نفسها فى طلق الطاعة فجاءها توقيع التفضيل على الإطلاق

أبن لى معزاها أخا الفهم إنهاالى الفضل تعزى أم الى المجد تنسب
هى الشمس إلّا أنّ فكرك مشرقلإبدائها عندى وصدرى مغرب
وقد أبدعت فى فضلها وبديعهافجاءت الينا وهى عنقاء مغرب
فأعرب عن كلّ المعانى فصيحهابما عجزت عنه نزار ويعرب
ومذ أشرقت قبل التناهى بأوجهاعفا فى سناها بدر تمّ وكوكب
تناهت علاء والشباب رداؤهافما ظنكم بالفضل والرأس أشيب
لئن كان ثغرى بالفصاحة باسمافثغرك بسّام الفصاحة أشنب
وإن ناسبتنى بالمجاز بلاغةفأنت إليها بالحقيقة أنسب
ومذ وردت سمعى وقلبى فإنهالتؤكل حسنا بالضمير وتشرب
وإنى لأشدو فى الورى بثنائهاكما ناح فى الغصن الحمام المطرّب
وتشهد أبناء البيان إذا انتدوابأنى من قسّ الإيادى أخطب
وإنّى لتدنينى الى المجد عصبةكرام حوتهم أوّل الدهر يثرب
وانّى إذا خان الزمان وفاءهوفىّ على الضراء حرّ مجرّب
إباء أبت نفسى سواه وشيمةقضى لى بها فى المجد أصل مهذّب
ونفس أبت الا اهتزازا إلى العلاكما اهتزّ يوم الرّوع رمح ومقضب
ولى نسب فى الأكرمين تعرّفتإليه المعالى فهو ريّان مخصب
نمته أصول فى العلاء أصيلةلها المجد خدن والسيادة مركب
تلاقى عليه المطعمون تكرّمااذا احمرّ أفق بالمجرّة مجدب
من اليمنيّين الذين سما بهمالى العزّ بيت فى المعالى مطنّب
قروا تبّعا بيض المواضى ضحاءهوكوم عشار بالعشيّات تضهب
فرحّله الجود العميم ومنصلله الغمد شرق والذوائب مغرب
وهم نصروا والدين عزّ نصيرهوآووا وقد كادت يد الدين تقضب
وخاضوا غمار الموت فى حومة الوغىفعاد نهارا بالهدى وهو غيهب
أولئك قومى حسبى الله مثنياعليهم وآى الله تتلى وتكتب

هذه اليتيمة أيدك الله ملحتها الإحماض، وتحليتها الألفاظ فى أبعاض الاعتراض لتسرح مقل الخواطر فى مختلفات الأنواع، ويتنوع الوارد على القلوب والأسماع، وإلا فلا تماثل فى الأدوات، وان وقع التماثل فى الذوات، كالجمع بين النّوريّة فى

السراج والشمس، واشتمال الإنسانيّة على القلامة والنفس، والتوارد الإدراكىّ بين كلّىّ بالعقل، وجزئىّ بالحسّ؛ وكالعناصر فى افتقار الذوات اليها، وان تميّزت الحرارة عليها؛ وكالمشاركة الحيوانيّة فى البضعة اللسانيّة، واختصاص الناطقيّة بالذات الإنسانيّة؛ فسيّدنا ثمر الروض ونسيمه، وسواه ثراه وهشيمه، وزهره وأنداؤه، وغيره شوكه وغثاؤه؛ والبدر وإشراقه، وسواه هلاليّته ومحاقه؛ اشتراك فى الأشخاص، وامتياز فى الخواصّ؛ ومشابهة فى الأنواع والأجناس، ومغايرة فى العقول والحواسّ؛ كالورد والشّقيق، والقهرمان والعقيق؛ تماثلا فى الجواهر والأعراض، وتغايرا فى تمييز الأغراض؛ فسيّدنا من كلّ جنس رئيسه، ومن كلّ جوهر نفيسه؛ وأما حسناء المملوك على مذهبهم فى تسمية القبيح بالحسن، والحسن بالقبيح، والضرير بالبصير والأخرس بالفصيح؛ فما صدّت ولا صدّت يمنى»

كاسها. ولا شذّت فى مذهب ولائه عن اطّراد قياسها، ولا زوت عن وجه جلالته وجه إيناسها، ولا جهلت أنه فى العلوم الشرعيّة ابن أنسها، وفى المعانى الأدبيّة أبو نواسها؛ ولا خفى عنها أن سيّدنا مجرى اليمين، وفى وجه السيادة إنسان المقلة وغرّة الجبين، والدرّة فى تاج الجلالة

والشّذرة فى العقد الثمين؛ وأنه الصدر الذى يأرز العلم إلى صدره، وتقترح عقائل المعانى من فكره، وتأتمّ الهداة ببدره، وتنتمى الهداية الى سرّه، وانّها فى الإيمان بمحمديّته أمّ عمارة لا أمّ عمره؛ وانّه غاية فخارها؛ ونهاية إيثارها، [وآية نهارها] ومستوطن إفادتها بين شموس فضائله وأقمارها؛ فكيف تصدّ وفيه كلّيّة أغراضها، ومنه علّيّة جملتها وأبعاضها، وفى محلّه قامت حقائق جواهرها وأعراضها؛ لكنّها توارت بالحجاب، ولاذت بالاحتجاب؛ وقرب بالمجلس الكمالى ليكمّل ما بها من نقص كمال وكمال عيب، وتجمع بين حقيقتى إيمان الشهادة والغيب، وتعرض على الرأى التقوىّ سليمة الصدر نقيّة الجيب، وأشهد أنها جاءت تمشى على استحياء وليست كبنت شعيب؛ هذا ولم تشاهد وجه حسنائه، ولا عاينت سكينة حسينه وهند

أسمائه، ولا قابلت نيّر فضله وبدر سمائه؛ أقسم لقد كان يصرفها الوجل، ويقيّدها الخجل؛ عالمة أنّ البحر لا يساجل، والشمس لا تماثل؛ والسيف لا يخاشن، والبدر لا يحاسن؛ والأسد لا يكعم، والطّود لا يزحم؛ والسحاب لا يبارى، والسيل لا يجارى؛ وأنّى تبلغ الفلك هامة المتطاول، «وأين الثريّا من يد المتناول»؛ تلك عوارف استولت على المعالى استيلاءها على المعالم، وشهدت لها الفضائل بالسيادة شهادة النبوّة بسيادة قيس بن عاصم؛ ولا خفاء بواضح هذا الصواب، عند مقابلة البداية بالجواب؛

فالشمس أوضح من ضياء الأنجمما البيّن الأعلى كداج مظلم
يا مثريا من كلّ علم نافعأيقاس مثر فى العلوم بمعدم
أو كفت فضلك فى رذاذ غمائمىما للرذاذ يد بنوء المرزم
وانصبّ بحرك فى ربيع خواطرىما للربيع وفيض بحر أعظم
وسللت سيف العلم أبيض مخذماكالبرق يلمع فى غمام مثجم
فللت حدّى معضد فى راحتىما للكهام وحدّ أبيض مخذم
يا سابقا جهدى مصلّى عفوهما للسّكيت يد بعفو مظهم
بذّ السوابق فى العلوم وحازهابالكسب منه والتراث الأعظم
العلم علم محمد وكفى بهوعلىّ الباب المبلّغ فاعلم
ما كنت أوّل محجم عن موردعذبت موارده لقرن مجحم
سابقت سبّاقا شأوت بيانهمببديع نثر أو بليغ منظّم
وسقيت بالكأس الكبيرة منهمالما سقوا بالأصغر المتثلّم
حتى اذا سابقته وهو ابن بحرأو أبو بحر إليه ينتمى
طارت فضائله إلى عليائهابجناح فتخاء ونسر قشعم
وسما به العلم الأجلّ محلّهحتى توقّل فى المحلّ الأعظم
ومشى حضارا فانثنيت مقصّراأتجول خيلى فى مقرّ الهيثم
لا عار إن عضلت بدائه فكرتىبابن المقفّع أو بنجل الأهتم
يا أعلم الفضلاء لست مقاولافصحى بناتك باللسان الأعجم
لو حاولت فكرى مساواة لهايوما لجاءت بالغراب الأعصم

أقتصر فللبيان فى بحر فضائله سبح طويل، وللسعى فى غاياته معرّس ومقيل، وللمحامد ببثينة محاسنه صبابة جميل، وإنّى وإن كنت كثّير عزّة ودّه، إلا أنّى فى حلبة الفضل لست من فرسان ذلك الرّعيل؛ لا سيّما وقد وردت مشرع ألفاظه التى راقت معانيها، ورقّت حواشيها، وأدنت ثمرات الفضل من يمين جانيها؛ فجاءت كالنسيم العليل، والشذا من نفحة الأصيل، والشراب البارد والظلّ الظليل

طبع تدفّق رقّة وسلاسةكالماء عن متن الصفاة يسيل
كالمقلة الحسناء زان جفونهاكحل وأخرى زانها التكحيل
والروضة الغناء يحسن عرفهاوتزاد حسنا والنسيم عليل
والخاطر التقوىّ كمّل ذاتهعلما وليس لكامل تكميل

والله تعالى يبقيه جامعا للعلوم جمع الراحة بنانها، رافعا له رفع القناة سنانها، حافظا له حفظ العقائد أديانها، والقلوب إيمانها

ليضحى نديما للمعالى كأنهنديما صفاء مالك وعقيل
ويصبح ظلّ الفضل من فىء ظلّهعلى كنف الإسلام وهو ظليل
وينشأ أبناء العلوم وكلّهمبحسنائه فى العاشقين جميل
دلالته فى الفضل من ذات نفسهوليس على شمس النهار دليل

وكتب- رحمه الله تعالى- رسالة الى الصاحب شرف الدين الفائزىّ عند ما ورد عليه كتاب يذكر أن رسول الخليفة وصل يلتمس إجابة الملك المعزّ أوّل ملوك الترك إلى صلح الملك الناصر صلاح الدين يوسف - وقد كان الناس يذكرون أن الملك الناصر يريد أن يهجم بعساكره على الديار المصرية، وأنه لا يجيب إلى الصلح، [فلما] جاء الرسول بذلك ظهر للناس خلاف ما ظنّوه-:

لأمرك أمر الله بالنجح عاضدفصل آمرا فالدهر سيف وساعد
وقل ما اقتضت علياك فالعزّ قائمبأمرك والمجد المؤثّل قاعد
ونم وادعا فالجدّ يقظان حارسلمجدك والعادى لبأسك راقد
فما تبرم الأيّام ما الله ناقضولا تنقض الأيّام ما الله عاقد
وقد برزت بكر المكارم والعلاوفى جيدها من راحتيك قلائد
فحفّت بها الأملاك وهى مواهبوسارت بها الرّكبان وهى محامد
وزفّت لها النعماء وهى مصادررفعنا لها الأمداح وهى موارد
فنثّرها الإحسان وهى لآلئونظّمها الإفضال وهى فرائد
فلا زلت محروس العلا يا ابن صاعدوجدّك فى أفق السيادة صاعد
تسرّ بك الدنيا ويبتهج الورىوتستوكف النّعمى وتحوى المقاصد

ورد كتاب كريم، ونبأ عظيم؛ لم تجر ينبوعه جياد الأقلام، ولم تجد بنوئه عهاد الأيام، ولم تظفر بمثله أعياد الإسلام؛ فتلى على عذبات المنابر، وجلى على آماق الأبصار وأحداق البصائر؛ وكانت بشراه البكر العوان، لما ابتدأت به من البشارة

ولما تلده من البشائر، وطليعة المسارّ التى واجهت الآمال ووجه السعد سافر، ومقدّمة الأمن التى لا يسرّ بها إلا مؤمن ولا يساء بها إلّا كافر؛ وتحيّة الله التى أحيت قلوب العباد، ومنّة الله التى سكنت لها السيوف فى الأغماد، ونعمة الله التى عمّت كلّ حاضر وباد؛ ورحمة الله التى رحم بها هذه الأمّة وما زال بالمؤمنين رحيما، وفضل الله على هذه الملّة وكان فضل الله عليها عظيما؛ وسعادة سارت بها الأيام الى المقام المعزّىّ بين الخبب والتقريب، ومركب عزّ قدّمته عناية الله تقدمة الجنيب، وكتابا عنايته هذا عطاء الله، وعنوانه «نصر من الله وفتح قريب»، وسلّم جلّل وجه الإسلام برد لباسه القشيب، وسلامة جنت يمين الإيمان ثمر غصنها الرطيب، وعزّ ألبس الملك خلع شبابه بعد ما خلع غبار الوقائع [عليه] رداء المشيب، وشمس سعادة منذ طلعت فى أفقها لم تجنح للمغيب، ولطف خفىّ قعد له كلّ حمد وقام به كلّ خطيب، ومملكة تسمعها الأيّام: قفا نضحك بمسارّ الإنعام لا قفا نبك من ذكرى حبيب، وغنيمة باردة حازتها يد الملك ولسان السنان غير ناطق وكفّ السيف غير خضيب

بتسديد رأى لو رأته أميّةلما احتفلت يوما بقتل شبيب

الى غير ذلك من فكرة صاحبيّة شرفيّة سكن الملك تحت ظلالها ونام، وقعد بأمرها وقام؛ وتحرّكت لها العزائم، وسكنت لها الصوارم، واستنزلت العصم وذعرت العواصم، وهمم إذا سمت سامت السماء واذا همّت أهمت الغمائم، وعزّ تحت ظل ظلاله الشرف مقيم وفى خدمته المجد قائم، وعزم استيقظ له جفن النصر والسيف فى جفنه نائم، وسيف حزم على عاتق الملك منه نجاد وفى يد جبّار السموات منه قائم؛ وآراء استفتح عقائلها فأنجبت، ورمى غرض إصابتها فأكثبت، (أى أصابت) وأعمل رائدها فاستيقظت له الهمم والأنام نيام، وجلس فى صدور رياستها والعالمون قيام، وتدبير أحكم بإبرام النقض ونقض الإبرام، وذعر به رابض الأسد وأنس به نافر الآرام؛ وأجال به خيله فى مسارى الأرقم، ومقرّ الهيثم، وأمضاه فى مضايق خطبه فأغناه عن سنّ السّنان وشفة اللهذم؛ هذا ولما صدقت عزائم المملكة التى نظم الله قلادة ملكها فليس لها انتثار، ولمعت كواكب أسلها فى ليل الرّهج وسماء الغبار، وبنت حوافر خيلها سورا من متراكم النّقع المثار، وحصّنتها يد الله بما أظهرته من

كامن الغيب وأخفته من طلائع الأقدار، وحضنتها رعاية الله وله من القدر أعوان ومن الملائكة أنصار

فعمّت عموم اللّيل واللّيل مظلموجاءت مجىء الصبح والصبح مشرق
ومدّت غماما من سنابك خيلهابسلّ المواضى المشرفيّات يبرق

فى كتائب إذا سارت سوابقها ملأت عرض الغبراء، واذا نشرت خوافقها سترت وجه الخضراء؛ وكادت تذعر الآساد بمواضى حتوفها، وتسكن المنايا تحت ظلال سيوفها؛ لا سيما إذا أنجمت أنجم عواليها، ولمعت بروق مواضيها؛ وجاءت خيلها كالصخر الأصمّ والطود الأشم أعجازها وهواديها؛ من كلّ كميت حلو فى الإزار، بين الشّقرة والاحمرار، كأنه ورديّة العقار

يحسّ وقع الرزايا وهى نازلةفينهب الجرى نفس الحادث المكر

وكلّ أشقر كأنما قدّ أديمه من لهب النار، معار رداء الحسن، وأحقّ الخيل

بالركض المعار، لا تعلق به المذاكى يوم رهان ولا تشقّ له الحوادث وجه غبار كأنما لبس ثوبا من خالص النّضار

عتاق لو جرت والريح شأوالفاتته وأوثقه إسار
غدت ولها حجول من لجينوراحت وهى من علق نضار
للشاعر أبو العلاء المعري، اقرأ القصيدة

وكلّ أدهم كريم النّجار، غذىّ اللّبان الغزار، كأنما فصّلت ثيابه من سواد الليل وصيغت حجوله من بياض النهار

بأغرّ يبتسم الصباح بوجههحسنا ويسفر عن محيّا مسفر
خلع الظلام عليه فضل ردائهوثنى من التحجيل ثوب مقصّر

وكلّ أشهب أفرغ فى قالب الكمال، وجيهىّ»

الأب أعوجىّ الخال، إن مشى ضاق بزهوه فسيح المجال، وإن سعى رأيت البرق ملجما بالثريّا مسرجا بالهلال، كأنّما انتعل خدّ الجنوب واشتمل بثوب الشّمال

من الجياد التى لم تبد فى رهجإلّا أرتك بياض الصبح فى غسق
ولا جرين مع النّكباء فى طلقإلّا احتقرت التماع البرق فى الأفق

وكلّ مطهّم إن ركض قلق السماط لركضه، وخلت بعضه منفصلا عن بعضه وإن مشى رأيت الطود فى سمائه والرياح فى أرضه؛ وإن خطا ظننته يرتع فى روض المجرّة ويكرع فى حوض الغمام، وخلته الأشمّ من ابنى شمام، همّه جهة الأمام وصوته حركة اللجام، كأنه قطعة من سماء أو ظلّة من غمام

جرى والريح فى طلقى رهانفقامت دونه ومضى أماما
ومدّ من السنابك ثوب غيمولم أر قبلها ثوبا غماما

عليها كلّ كمىّ لابس الحرب ولابسته، ومارسها ومارسته؛ وكتبت عليه المواضى فى صدره كتابا أعجمته أطراف الأسل، وجنى ثمر الحديد أحلى عنده من العسل وسار إلى مهج الأبطال كسيف القضاء وحثّ الأجل؛ له حنكة الأشيب ونجدة الغلام، وصنعة الضرب الفدّ والطعن التّؤام، والفتكات التى تطلع صبح الصوارم

فى ليل القتام، والفعلات التى لها فتكات الأورق فى النّقد وصولات الأسد فى السّوام

يمشى الى الموت عالى الكعب معتقلاأظمى الكعوب كمشى الكاعب الفضل
للشاعر عبد الله الشقراطسي، اقرأ القصيدة

يحسن فى بحار الدروع سبح الفوارس، بين بدور اليلب ونجوم القوانس؛ من كلّ سابغة لا تصل إليها ألسنة الحداد، كأنها أثواب الأراقم خيطت بأعين الجراد؛ كفيلة بحماية الأنفس وصيانة المهج، تنير مسالك لابسها فى دياجى الرّهج، إنما هى البحر ولا حرج

اذا ما مشوا فى السابغات حسبتهمسيولا وقد سالت بهنّ الأباطح
للشاعر عنترة بن شداد، من قصيدة «طربت وهاجتك الظباء السوارح»

وكلّ أبيض هندىّ تألّفت من الملح أبعاضه، البرد جسمه والبرق إياضه؛ المفارق مغاربه والأجفان مطالعه، والأنفس موارده والمنايا منابعه؛ لو أثمر لأنبت رءوسا ولو تفجّر لسال نفوسا، ولو تكشّف صافى حديده لرأيت فيه عبوسا

سليل النار دقّ ورقّ حتىكأنّ أباه أورثه السّلالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»
ودبّت فوقه حمر المناياولكن بعد ما مسخت نمالا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «وأشقر نبت عارضه تراه»

وكل أسمر اذا انتحى فهو صاح واذا انثنى فهو نشوان، واذا ورد دم القلب فهو ظمآن القناة ريّان السنان؛ اذا خطب النواصى وخط، واذا كتبت المواضى نقط؛ واذا قصرت يد القرن طال، واذا صليت نار الحرب العوالى صال

توهّم كلّ سابغة غديرافرنّق يشرب الحلق الدّخالا
للشاعر أبو العلاء المعري، من قصيدة «أعن وخد القلاص كشفت حالا»

وكلّ صفراء رقشاء الأديم، كانها أرقم الصّريم؛ لها فلك بالرزيّة دائر، وسهم بالمنيّة طائر، إن ركب فهو مقيم وإن نزل فهو سائر؛ مع عزائم بنت على الدولة سورا، وجعلت بينها وبين الذين لا يؤمنون بالدولة المعزّيّة حجابا مستورا؛ على أنها غنيمة لم تحتج إلى الإيجاف والإيضاع، وطلبة ألفاها على طرف الثمام وحبل الذراع؛ وعناية جاءت على اختيار المراد ومراد الاختيار، ونعمة كرّت هى والتوفيق فى قرن

وجرت والسعادة فى مضمار، ومنحة ركضت بها الى المقام المعزّىّ سوابق الأقدار ومعنى خفى من نعم الله لم تلجه عقائل الأفكار؛ واذا سبقت عناية الله فليس لأمر حتمه الله رافع، واذا لحظت السعادة امرأ وقفت دونه آمال المطالب وتقطّعت خلفه أعناق المطامع، واستولت يمينه على آفاق سماء الشرف فلها قمراها والنجوم الطوالع، وهذه مواهب لا تدركها دقائق الأسطرلاب ولا درج الشمس ولا رصد الطوالع

لعمرك ما تدرى الضّوارب بالحصاولا زاجرات الطير ما الله صانع

وينهى أنّ حاملها من عقدت عليه الملوك خناصرها، واختصّ منها بالصحبة ناصرها؛ وله فضل لا يذاد عن منهل العلم سوامه، ولا تجهل فى مسالك الشرف

أعلامه؛ وله نفس سمت حتى أخذت سماء السيادة بيمينها، وهمّة اذا رأيت ذاتها الكريمة توسّمت الرّياسة فى جبينها، وأبوّة لا تتّجر من المعالى إلّا فى ثمينها؛ وقد أكلته السنة بل السنوات، وترادفت عليه الملمّات بل المؤلمات؛ وقد صيّر الجناب الزينىّ لما يحاوله ذريعه، وورد المنهل الرّحب وإنه لعذب الشريعه، وقد أصاب به مولانا طريق المصنع فألبسه ثياب الصنيعه؛ ومولانا أولى من أولاه شرف جلاله ونظر اليه بعين كريمة يقابل بها ما يقابله من كرم خلاله؛ فالإبريز قد يشتبه إلّا على نقّاده، والغيث قد يخلف إلا على روّاده، والماء قد يأجن إلا على ورّاده؛ وسيّدنا مصعبىّ الهمم وهذا ابن قيس رقيّاته، ومهلبىّ الشّيم وهذا حبيب أبنائه، وواثقىّ الإحسان وهذا فى الجلالة ابن [أبى] دواده وفى الأدب ابن زيّاته؛ فليضعه حيث

وضعته السيادة صدرا، وليطلعه كما أطلعته الفضائل بدرا؛ وليصرف اليه عناية تعلّق بها الحمد علاقة غيلان بميّه، والحكم بأميّه؛ وهو يعلم- أدام الله أيامه- أن المناصب عرائس، والصنائع قلائدها، والولايات مآدب، والمكارم موائدها، والليالى- كما علمت- حبالى، والسيّئات والحسنات ولائدها؛ وخير من لبس ثوب نعمة كاهل هذا الإمام، وإن الحسنة اليه لأشرف مواهب الأيام، فاغتنمها فإنّها غاية الأغتنام؛ وأعيذ مولانا بالله أن يجعل نظره إليه لمحا، أو يضرب عنه الذكر صفحا، أو يكون مولانا روضة ثم لا يجد هذا الصدر منها نفحا، ومطلع آفاق الشرف ثم لا يستوضح هذا الملتمس من أفقها صبحا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.