من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومن انشائه أيضا أعزه الله تعالى مقامة عملها فى سنة اثنتين وسبعمائة
على لسان من التمسها منه، فقال:
حكى أليف الغرام، وحليف السّقام؛ وقتيل العيون، وصريع الجفون؛ وفريسة الأسود، والمصاب بنبال الحدق السود؛ عن قصّته فى هواه، وقضيته التى كان فى أوّلها غناه، وفى آخرها عناه؛ قال: لم أزل فى مدّة العمر أترقّب حبيبا أتلذّذ بحبّه، وأتنعّم بقربه؛ وأحيا بانعطافه، وأسكر من ريقه بسلافه؛ وأستعذب العذاب فيه، وأرشف خمر الرضاب من فيه، وأقتطف ورد السرور من وجنتيه وأجتنيه؛ وأكتسى به لطفا، وأكتسب بمصاحبته ظرفا؛ حتى ظفرت يداى بمن رقّ وراق، ولطفت حدائق معانيه حتى كادت تخفى عن الأحداق
لطفت معانيه فهبّ مع الصّباورقيبه بهبوبه لا يعرف
قد جمع أوصاف المحاسن والمعانى، وفاق كلّ مليح فليس له فى الحسن ثانى؛ أما قوامه، فقد ملك الفؤاد فأضحى ملكا عادلا، واستباح النفوس من اعتداله فلا غرو إن أضحى لها قاتلا
عجبا لقدّك ما ترنّح مائلاإلا وقد سلب الغصون شمائلا
وأما لحاظه فقد غنيت عن الكحل بالكحل، وأذابت حبّات القلوب فى حبّ تلك المقل
وإذا رأيت الطرف يعمل فى الحشاعمل الأسنّة فالقوام مثقّف
إلى غير ذلك من وجه كالبدر فى تمامه، يعلوه من شعره ما يصير به كالبدر تحت غمامه
قمر تبلّج وجهه فى حندسمن شعره فأضاء منه الحندس
ومقبّل أشهى من الراح، وأعطر من زهر الربا تفتّحت أكمامه عند الصباح
ومقبّل عذب كأنّرضابه برد وراح
وخدّ أمسى شقيق الشّقيق، ومبسم يرشف من شفاهه العقيق الرحيق
شفة كمحمرّ العقيقومبسم مثل الأقاح
وصدغ سال على خدّه القانى، وامتدّ كدمع محبّه الأسير العانى
صبّ له دمع كصدغك سائلفعساك يا مثرى الجمال تواسى
وخصر لطف ودقّ، وعلاه كثيب ردف فأثقله حتى ضنى ورقّ
يا ردفه رفقا على خصرهبينكما حرمة جيران
الى غير ذلك من أنواع حسن قصر عن وصفها قلمى، وعجز عن حصرها كلمى؛ وأشفقت من شرحها خوفا أن أنمّ عليه، أو أذكر ما تفرّد به من الحسن فأكون
قد أشرت اليه؛ وأنا قد تدرّعت ثوب الكتمان، وتستّرت حتى غاض من الدمع وأغضى الطرف وسكت اللسان
يقولون من هذا الذى متّ فى الهوىبه كلفا يا ربّ لا علموا الذى
غير أنّى قد متعت بذكر ملاحته فؤادى، ولا بدّ أن أوردها مجملة لأكمد بلفظها المعادى
حكاه من الغصن الرطيب وريقهوما الخمر إلّا وجنتاه وريقه
هلال ولكن أفق قلبى محلّهغزال ولكن سفح عينى عقيقه
بديع التثنّى راح قلبى أسيرهعلى أن دمعى فى الغرام طليقه
أقرّ له من كل حسن جليلهووافقه من كل معنى دقيقه
من التّرك لا يصبيه وجد إلى الحمىولا ذكر بانات الغوير يشوقه
ولا حلّ فى حىّ تلوح قبابهولا ساق فى ركب يساق وسيقه
ولا بات صبّا للفريق وأهلهولكن إلى خاقان يعزى فريقه
يهدّد منه الطرف من ليس خصمهويسكر منه الريق من لا يذوقه
على خدّه جمر من الحسن مضرميشبّ ولكن فى فؤادى حريقه
له مبسم ينسى المدام بريقهويخجل نوّار الأقاحى بريقه
قال الراوى: فأعلمته ما خامر قلبى من هواه، وبذلت نفسى ابتغاء لرضاه
بثثت له سرّى ونحن بروضةفمالت لتصغى للحديث غصون
فتلقّى ضراعتى بالرّحب والإقبال، وسفر عن وجه الرضا فبشّرت نفسى ببلوغ الآمال؛ وقلت:
تذلّلت فى الشكوى إليه فرقّ لىحنوّا لدمعى فى الهوى وتذلّلى
غزال لبست السّقم خلعة جفنهعلى أننى فيه خلعت تجمّلى
تعدّل بالأعذار حتى خدعتهبسحر الرّقى أفديه من متعلّل
فراقب إغفاء الرقيب وهجعة السّميروراعى حين غفلة عذّلى
ووافى أخا الأشواق حلف صبابةأسير هوى من وجده فى تململ
فلم أر روضا كان أحسن بهجة- لعمر الهوى- من وجهه المتهلّل
فأعظمت مسراه وقبّلت خاضعاثرى خطوه شكرا الفضل التطوّل
وانعطف علىّ انعطاف الغصن الرطيب، وتمازجت قلوبنا حتى أشكل علىّ أينا الحبيب؛ وفزت منه ببديع جمال تلذّ به النفوس، ورشفت من رضابه أحلى ما ترشفه الأفواه من شفاه الكؤوس
تعلّقته صائدا للقلوببألحاظه سالبا للنّهى
بديع الجمال إذا ما بداترى فيه للعين مستنزها
فكم فيه للعين من روضةوكم فيه للنفس من مشتهى
يا حسنه لمّا أتى بوعد وعلى غير وعد، ويا لذاذة قربه ويا حرارة ما ذقناه بعدها من هجر وصدّ؛ فلم نزل على ذلك مدّة أغفى الدهر عنّا فيها، أقضّى حياة طابت تلذّذا وترفيها
رعى الله محبوبا نعمت بوصلهوقد بعدت عنّا الغداة عيون
حتى شعر بنا الدهر الخؤون، ورمانى بسهم فرقة أبعدت المنى وجلبت المنون؛ وعلم بما كتمناه الرقيب، وعجز عن داء قلبى الطبيب
لو كان للعشاق حظّ فى الهوىما كان يخلق فى الزمان فراق
فتجرّعت بعد الشّهد علقما، ولم أستطع أفتح من الحزن فما؛ وهمت فى ساحة الشوق والالتياح، وفضحتنى الأدمع التى طال بها على المحبّين الافتضاح
لا جزى الله دمع عينىّ خيراوجزى الله كلّ خير لسانى
نمّ دمعى فليس يكتم شيئاووجدت اللسان ذا كتمان
كنت مثل الكتاب أخفاه طىّفاستدلّوا عليه بالعنوان
فاذا هو مرّ المذاق، وأمنع الدمع فيقول: وهل خبأتنى لأعظم من يوم الفراق
أبى الوجد أن يخفيه قلب متيّميكابده والدمع يبديه والضّنى
وكم ذاب القلب حسره، وتفتّتت الكبد فى تلك الفتره؛ على خلوة أبثّ فيها حزنى، وأفسح فيها المجال الذى ضاق به عطنى؛ فلم أظفر بخلوة فى لمحة بصر، ولا فزت بذكر كلمة أفرّج بها ما عرض من حصر
تعرّضت من شوق إليه فأعرضاولولا الهوى لم أمنح الحبّ مبغضا
وبحت إليه أنّ عندى رياضةعليه وما تلك الرّياضة عن رضا
قضى حبّه أنّى إذا عزّ فى الهوىأذلّ وإنى قد رضيت بما قضى
لقلبى من عينيه سقم وصحّةفكم مرّة فى الحبّ داوى وأمرضا
مضى لى به عيش بكيت لفقدهوهيهات أن يرتدّ عيش إذا مضى
وبليت برقيب قد سلب الله من قلبه الإيمان، وسلّطه علىّ بغلظ الطباع وفظاظة اللسان؛ كأنه شيطان لا بل هو بعينه، لكنّه أربى عليه فى بهتانه ومينه؛ يحاقّ على الكلمة الواحده، ولا يسمح بأن طرفى يمتدّ إلى تلك المحاسن التى غدت القلوب بها واجده؛ يودّ لو غطّى على بصرى، ويبدلنى مغيبى من محضرى؛ لا يفتر عن اللّوم والعذل، ولا يرى أن يقضى ساعاته إلّا فى بذل الحيل؛ يرغب فى شتات شملى، وانقطاع وصلى؛ وليس لى فى دفعه حيله، ولا فى الانتقام منه وسيله؛ وما زال حتى أحال الحبيب عن وداده، وكدر ما صفا من حسن ظنّه واعتقاده؛ وأنا أروض نفسا كادت تذوب، وأتسلّى بأيام وصاله وأقول: لعلها ترجع وتؤوب
لئن ذقت مرّ الصبر أو ملح أدمعىلقد أعذبت تلك المذاقات منهلى
فلم يقنع الدهر لى بذلك، ولا رضى بالصدّ والعذل والهجر الذى هو أعظم المهالك؛ حتى قضى بالفرقة والبعاد، ورمتنى النوى بسهم فلم يخطئ الفؤاد؛ وكنت أتعلّل بالنظر، وأقول: مشاهدة هذا الوجه القمرىّ عندى أكبر وطر؛ حتى منعت الوصال والمشاهده، وندبت قلبى القريح بأدمع عينى الجامده
أحباب قلبى لقد قاسيت بعدكمنوائبا صيرتنى فى الهوى مثلا
وقد تعجّبت أنّى بعد فرقتكمأحيا وأيسر ما لاقيت ما قتلا
وانقطعت عنّى الرسائل، وذهبت لذاذة ما اعتدته من تلك الوسائل
هل مخبر عنكم يعيش بقربهميت الرجا والصبر بعد إياس
أحبابنا قسما بساعة وصلنالم أكتحل من بعدكم بنعاس
غبتم فعندى بالفراق مآتمفمتى تعود بعودكم أعراسى
وذوى غصن السرور بعد أن كان رطيبا، وفقدت لنداء ألمى مجيبا؛ وأغلقت باب الدّعه، وأسبلت هواطل أدمعى قائلا للأجفان: لا تخشى فأنت متفقة من سعه؛ ولولا التعلّل بالذكرى، والتأمّل فى حسنه الذى تشكّل فى مرآة القلب فسرّ سرّا؛ لقلت:
كأنّك قد ختمت على ضميرىفغيرك لا يمر على لسانى
ولى عين تراك وأنت تنآىكما ترنو إليك وأنت دانى
وأقرب ما يكون هواك منّىإذا ما غاب شخصك عن عيانى
شغلت عن الورى بصرى وسمعىكأنهما بحبّك مفردان
فهأنا لا أعاين ما بدا لىسواك ولا أصيخ لمن دعانى
ثم إنّى فارقت الحياه، وبذلتها راغبا فى هواه؛ ولم أزل كذلك الى أن ظهرت آثار قربه، وسرى النسيم عطرا فعلمت قرب ركبه
وأذكرنى ذاك الصّبا زمن الصّباوما الشوق إلا ما تجدّد بالذكر
فكاد قلبى يطير للقائه، ولولا تستّره بحجب الفؤاد لخرج من قوّة برحائه؛ وتذكرت كيف يكون اللقاء والاجتماع، والرقباء قد أزمعوا على المنع والدّفاع، وقلت: فارقنى على غير رضا، وجفانى من غير ذنب، ونآى عنّى من غير وداع؛ وهأنا فى غيابه وحضوره، وسخطه وسروره؛ لا أحول عن ودّه، ولا أرى إلا الوفاء بعهده
هيهات ما وجدى عليك بزائلفإلام يطنب فى الملامة عاذلى
ناشدتك العهد القديم ومنابلوى الصّريم وبانه المتمايل
هل تعلمنّ سوى هواك وسيلةتدنى رضاك وقد جهلت وسائلى
أدنيتنى حتى إذا تيّمتنىبمحاسن ومعاطف وشمائل
وبحسن وجه لو تجلّى فى الدجىسجد الصباح لضوئه المتكامل
ونواظر سحّارة لجفونهافضل الصناعة لا لساكن بابل
ووقعت من قلبى بودّ قد جرىمجرى دمى بجوانحى ومفاصلى
قاطعتنى وسمعت قول حواسدىوصرمت من بعد الوصال حبائلى
ولرب ليل بتّ فيه مسهّدافردا أسامر لوعتى وبلابلى
أطوى على حرّ الغرام أضالعايطوين فيه على قداح النابل
وهأنا أترقّب وصله، وأتوقّع عدله.
أتراه من جور الصبابة ينصفويرقّ للعانى عليه ويعطف
صبّ يرى السّلوان عنه محرّمافله إليه تولّه وتلهّف
يا أهل كاظمة وحقّ هواكمقسما بكم وبغيركم لا يحلف
مشتاقكم ألف الصبابة فيكمفكأنه لسواكم لا يعرف
فعدوه منكم بالوصال تعلّةولكم بأن تعدوا الوصال ولا تفوا
وحياتكم يرعاكم فى بعدكمولقربكم فى بعدكم يتشوّف
وليس لى ما أمت به إلا صدق الغرام، والإقدام فى حبّه على ارتكاب الحمام
جدّد عهود تواصل وتلاقواستبق لى رمقا فليس بباق
واشفع إلى ما رقّ من ترف الصّبامن وجنتيك برقّة الأخلاق
ما حقّ ذى قلب صفا لك ودّهتقطيعه بقطيعه وفراق
مع ذا وذا كيف استهنت فكن أنا الموثوق بى مولاى فى الميثاق
قال الراوى: فسمع شكواى وما أشكى، وقابل رقّتى بجفوة بها القلب أنكى والطرف أبكى؛ ولفق أعذارا، وأقسمت عليه أن يزور فلم ير لقسمى إبرارا هذا ما اتّفق إيراده من كلامه- أدام الله علوّه- فى هذا الموضع، وسنورد إن شاء الله من كلامه أيضا ما تقف عليه فى آخر فن الحيوان فى السفر الذى يليه إن شاء الله تعالى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع