من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
أما اشتراط العدالة والديانة والأمانة
- فلأنّه يتصرّف بشهادته فى الأموال والدّماء والفروج، فإذا لم يكن فيه من الدّيانة والعدالة والأمانة ما يستمسك به، ويقف عند أوامر الشرع الشريف ونواهيه بسببه؛ تولّاه- والعياذ بالله تعالى- الشيطان بالغرور، وأوقعه فى محظور يتوقّع فى الدار الآخرة منه وقوع المحذور؛ وربّما انكشفت فى الدّنيا عورته، وبدت سريرته؛ وإذن هو المعنىّ والمشار اليه بقولهم:
«شاهد الزور قتل ثلاثة: نفسه والمشهود له والمشهود عليه» فلم يفز ممّا ارتكبه بطائل، بل جمع لنفسه بين نكال عاجل وعقاب آجل، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ.
وأما طلاقة العبارة وذلاقة اللسان
- فلأنه يجلس بين يدى الحاكم فى مجلسه العامّ، ويحضره من يحضره: من العلماء والفقهاء، وذوى المناصب، وأصحاب الضرورات، وخصوم المحاكمات على اختلاف طبقاتهم وأديانهم؛ وهو المتصدّى لقراءة ما يحضر فى المجلس: من إسجالات حكميّة، ومكاتيب شرعيّه؛ وكتب مبايعات، ووثائق إقرارات؛ وقصص وفتاوى، وغير ذلك مما يتّفق فى المجلس؛ فمتى لم يكن الكاتب طلق العبارة فصيح اللّسان، جيّد القراءة حسن البيان؛ تعذّرت قراءة ذلك عليه ولكن فى المجلس، فرمقته العيون شزرا، وتلمّظت به الألسن سرّا؛ ونظر بعض القوم بسببه بعضا، وكان عندهم فى الرتبة سماء فغدا أرضا؛ ثم تتعدّى هذه المفسدة الى إفساد المكتوب، والتباس المعنى المراد والأمر المطلوب؛ وذلك لأنّه إذا توقّف فى القراءة احتاج إلى إعادة اللّفظة وتكريرها، وترديد الكلمة وتدويرها؛ فتشكل قراءته على سامعه ومستكتبه، ويكون قد أخلّ برتبته ومنصبه.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع