من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
فأما الشاهين
- واسمه بالفارسية شوذانه، فعرّبته العرب على ألفاظ شتّى منها: شوذانق وشوذق وشوذنيق وشيذنوق. ويقال: إنه من جنس الصقر إلا أنه أبرد منه وأيبس؛ ولذلك تكون حركته من العلو إلى السّفل شديدة. وليس يحلّق
فى طلب الصّيد على خطّ مستقيم إنما يحوم لثقل جناحه، حتى إذا سامت الفريسة انقضّ عليها هاويا من علو فضربها وفارقها صاعدا؛ فإن سقطت على الأرض أخذها، وإن لم تسقط أعاد ضربها [لتسقط]؛ وذلك دليل على جبنه وفتور نفسه وبرد مزاج قلبه. ومع ذلك كلّه فهو أسرع الجوارح وأخفّها وأشدّها ضراوة على الصيد.
إلّا أنهم عابوه بالإباق وبما يعتريه من الحرص؛ حتى إنه ربما ضرب بنفسه الأرض فمات. ويزعمون أنّ عظامه أصلب من عظام سائر الجوارح؛ ولذلك هو يضرب بصدره ويعلق بكفّه.
وقال بعض من تكلّم فى هذا النوع: الشاهين كاسمه. يريد [شاهين] الميزان؛ [لأنه] لا يحتمل أدنى حال من الشّبع ولا أيسر حال من الجوع.
والمحمود من صفاته: أن يكون عظيم الهامة، واسع العينين حادّهما، تامّ المنسر، طويل العنق، رحب الصدر، ممتلئ الزّور، عريض الوسط، جليل الفخذين، قصير الساقين، قريب القفدة من الظهر، قليل الرّيش ليّنه، تامّ الخوافى، دقيق الذّنب، إذا صلّب عليه جناحيه لم يفضل عنهما شىء منه. فإذا كان كذلك فهو يقتل الكركىّ [ولا يفوته]. وزعم بعضهم أنّ السّود من الشواهين هى المحمودة؛ وأن السواد أصل لونها، وإنما أحالته التّربة. ويكون فى الشواهين الملمّع. والله أعلم.
وأوّل من صاد بالشّواهين قسطنطين [ملك عمّوريّة]. حكى أنه خرج يوما يتصيّد، حتى إذا أتى إلى مرج فسيح نظر إلى شاهين ينكفئ على طير الماء؛ فأعجبه ما رأى من سرعته وضراوته وإلحاحه على صيده، فأخذه وضرّاه؛ ثم ريضت له الشّواهين بعد ذلك وعلّمت أن تحوم على رأسه إذا ركب فتظلّه من الشمس؛ فكانت تنحدر مرّة وترتفع أخرى، فإذا نزل وقعت حوله.
وقد وصف الشعراء الشواهين وشبّهوها؛ فمن ذلك قول النّاشى:
هل لك يا قنّاص فى شاهينشوذانق مؤدّب أمين
جاء به السائس من رزينضرّاه بالتّخشين والتّليين
حتى لأغناه عن التلقينيكاد للتثقيف والتّمرين
يعرف معنى الوحى بالجفونيظلّ من جناحه المزين
فى قرطق من خزّه الثمينيشبه من طرازه المصون
برد أنوشروان أو شيرينأحوى مجارى الدّمع والشؤون
ذى منسر مؤلّل مسنونواف كشطر الحاجب المقرون
منعطف مثل انعطاف النونيبدى اسمه معناه للعيون
وقال أبو الفتح كشاجم وبدأ بالكركىّ:
يا ربّ أسراب من الكراكىمطمعة السكون فى الحراك
بعيدة المنال والإدراككدر وبيض اللّون كالأفناك
تقصر عنها أسهم الأتراكذعرن قبل لغط المكاكى
وقبل تغريد الحمام الباكىبفاتك يربى على الفتّاك
مؤدّب الإطلاق والإمساكململم الهامة كالمداك
مثل الكمىّ فى السّلاح الشّاكىذى منسر ضخم له شكّاك
ومخلب بحدّه بتّاكللحجب عن قلوبها هتّاك
حتى إذا قلت له دراكوحلّقت تسمو إلى الأفلاك
ممتدّة الأعناق والأوراكموقنة بعاجل الهلاك
غادرها تهوى على الدّكاكأسرى بكفّيه بلا فكاك
يا غدوات الصيد ما أحلاكومنّة الشاهين ما أقواك
لم تكذبى فراسة الأملاكإيّاك أعنى مادحا إيّاك
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع