من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومنها نهر الأبلّة
- الّذى طوله أربع فراسخ، ورءوس نخله على وجه الأرض شوارف وأصولها فى الثّرى رواسخ؛ بجانبيه بساتين إن هبّ النسيم بأغصانها تعانقت وتمايلت، وإن لعب بأفنانها تناظرت وتماثلت؛ كأنّما غرست فى يوم واحد شجراته، وقامت على خطّ الاستواء نخلاته؛ وفيه يقول التّنوخىّ شاعر اليتيمة:
واذا نظرت إلى الأبلّة خلتهامن جنّة الفردوس حين تخيّل
كم منزل فى نهرها الى السّروربأنّه فى غيره لا ينزل
فكأنّما تلك القصور عرائسوالزهر وشى فهى فيه ترفل
غنّت قيان الطّير فى أرجائههزجا يقلّ له الثقيل الأوّل
وتعانقت تلك الغصون فأذكرتيوم الوداع وعيرهم تترحّل
ربع الربيع بها فحاكت كفّهحللا بها عقد الهموم تحلّل
فمدبّج وموشّح ومدّنرومعمّد ومحبّر ومهلّل
فتخال ذا عينا وذا ثغرا وذاخدّا يعضّض تارة ويقبّل
ومنها غوطة دمشق
- الّتى هى شرك العقول وقيد الخواطر، وعقال النفوس ونزهة النواظر، خلخلت الأنهار أسؤق أشجارها، وجاست المياه خلال ديارها؛ وصافحت أيدى النسيم أكفّ غدرانها، ومثّلت فى باطنها موائس أغصانها؛ يخال سالكها أن الشمس قد نثرت على أثوابه دنانير لا يستطيع أن يقبضها ببنان، ويتوهّم المتأمّل لثمراتها أنّها أشربة قد وقفت بغير أوان فى كلّ أوان؛ فيالها
من رياض من لم يطف بزهرها من قبل أن يحلّق فقد قصّر، ومن غياض من لم يشاهدها فى إبّانها فقد فاته من عمره الأكثر.
وهذه الأربعة الأماكن أجمع جوّابوا الأقطار على تفضيلها على ما عداها، وتمييزها على ما سواها.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع