من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر غرق فرعون وقومه
قال الكسائىّ: ولما رجع فرعون بجنوده وقد أجرى لهم النيل بزعمهم، دخل عليه جبريل فى صورة آدمىّ حسن الهيئة، فقال له: من أنت؟ قال: عبد من عبيد الملك جئتك مستعديا على عبد من عبيدى مكّنته من نعمتى، وأحسنت إليه كثيرا، فاستكبر وبغى وجحدنى حقّى وتسمّى باسمى، وادّعى فى جميع ما أنعمت عليه به أنّه له، وأنّه لا منعم عليه به. قال فرعون: بئس ذلك من العبيد. قال جبريل: فما جزاؤه عندك؟ قال: يغرق فى هذا البحر. فقال له جبريل: أسألك
أن تكتب لى خطّك بذلك. فكتب له فرعون خطّا، وأخذه جبريل وجاء به إلى موسى، وأمره عن الله ﷿ أن يرتحل بقومه عن مصر؛ فنادى موسى فى بنى إسرائيل وأمرهم بالرحيل؛ فارتحلوا وهم يومئذ ستّمائة ألف.
قال الثعلبىّ: ستّمائة ألف وعشرون ألفا لا يعدّ فيهم ابن سبعين سنة ولا ابن عشرين سنة؛ ولكنّ هؤلاء المقاتلة سوى الذريّة. وأهل التوراة يقولون:
إنه لا يعدّ فيهم ابن خمسين سنة ولا ابن عشرين سنة، لا خلاف عندهم فى هذا ويزعمون أنه نصّ التوراة.
قال الكسائىّ: فلما سمع فرعون بارتحالهم أمر باجتماع جنوده؛ قال الله تعالى:
فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ
. فاجتمعوا وهم لا يحصون كثرة.
قيل: إنّ هامان كان على مقدّمة فرعون بألف ألف وستّمائة ألف.
وقال الثعلبىّ: ألف ألف وسبعمائة ألف رجل على ألف ألف وسبعمائة ألف حصان.
قال: وقال ابن جريح: أرسل فرعون فى أثر موسى وقومه ألف ألف وخمسمائة ألف ملك مسوّر، مع كل ملك ألف رجل؛ ثم خرج فرعون خلفهم فى الدّهم، وكان فى عسكره مائة ألف حصان أدهم سوى سائر الشّيات، وذلك حين طلعت الشمس وأشرقت؛ قال الله تعالى: (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ).
قال الكسائىّ: وساروا حتى قربوا من موسى ومن معه، فقالوا: يا موسى، قد لحقنا فرعون بجنوده، والبحر أمامنا والسيف وراءنا. قال كلّا إنّ معى ربّى سيهدين.
فأوحى الله تعالى إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ
فضربه فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ
. وصار فيه اثنا عشر طريقا للأسباط الأثنى عشر
فجعلوا يسيرون وموسى أمامهم وهارون وراءهم، وجعل الله بينهم فتحا ليرى بعضهم بعضا، وجاء فرعون ومن معه إلى البحر ورأى تلك الطرق فيه، فقال لهامان:
هذه تفرّقت من هيبتى. وقصد الافتحام فلم يطاوعه فرسه- وكان حصانا- ونفر من العبور؛ فأتاه جبريل على رمكة فى صورة آدمىّ، فدنا من فرعون وقال:
ما يمنعك من العبور؟ وتقدّم إلى جنبه، فاشتمّ فرس فرعون رائحة الرّمكة فتبعها ودخل فرعون وجنوده وجبريل أمامهم وميكائيل يسوق الناس، حتى لم يبق من جنود فرعون أحد على الساحل، فجاءه جبريل بخطّه؛ فلما رآه فرعون علم أنه هالك وانضمّت الطرق، وأغرق الناس، وفرعون ينظر إليهم؛ قال الله تعالى: حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ
. فقال له جبريل: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين.
ثم غرق فرعون وجميع من معه وبنو إسرائيل ينظرون إليهم؛ ثم قال:
بنو إسرائيل: إنّ فرعون لم يغرق. فأمر الله تعالى البحر فألقاه على الساحل.
قال الله تعالى: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً.
قال: فلمّا عبر موسى البحر ببنى إسرائيل إلى الطّور، إذا هم فى طريقهم بقوم يعبدون الأصنام، قال الله تعالى: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أَصْنامٍ لَهُمْ قالُوا يا مُوسَى اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ.
ثم قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضّلكم على العالمين، وذكّرهم بنعم الله تعالى عليهم، وأمرهم بالتوبة والاستغفار؛ ثم ساروا وفى قلوبهم حبّ الأصنام حتى قربوا من الطّور.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع