من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر بناء الصرح وما قيل فيه
قال: ولما انقضى أمر السحرة أقبل فرعون على هامان وقال: يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كاذِباً.
قال: فجمع هامان خمسين ألف صانع وصنع القرميد- وهو الآجر، وهامان أوّل من صنعه- فكانوا يبنون فيه ليلا ونهارا لا يفترون؛ فلمّا تكامل الصرح وارتفع ارتفاعا عظيما، أمر الله ﷿ جبريل فهدمه وجعل عاليه سافله ومات كلّ من كان فيه على دين فرعون، والمؤمنون يزيدون ويجتمعون إلى موسى ﵇.
وحكى أبو إسحاق الثعلبىّ- ﵀ أن الصرح اجتمع فيه لبنائه خمسون ألف بنّاء سوى الأتباع والأجراء ممّن يطبخ الآجرّ والجصّ وينجر الخشب والأبواب ويضرب المسامير؛ فلم يزل يبنى ذلك الصرح؛ ويسّر الله تعالى له أمره
استدراجا منه، فأتى الأمر فيه على ما يريد، إلى أن فرغ فى سبع سنين، فارتفع ارتفاعا لم يبلغه بنيان أحد من الخلق منذ خلق الله السموات والأرض؛ فشقّ ذلك على موسى، فأوحى الله تعالى إليه: أن دعه وما يريد فإنّى مستدرجه ومبطل كلّ ما عمله فى ساعة واحدة.
قال: فلمّا تم بنيانه بعث الله ﷿ جبريل فضرب بجناحه الصرح، فقذف به على عسكر فرعون، فقتل منهم ألفى ألف رجل.
قالوا: ولم يبق أحد ممّن عمل فيه إلا أصابه موت أو حريق أو عاهة.
قال: وكان تدمير الله تعالى الصرح فيما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
قال: فلمّا رأى فرعون ذلك من أمر الله، وعلم أنّ حيلته لم تغن عنه شيئا عزم على قتال موسى ومن معه، وأمر أصحابه فنصبوا له الحرب؛ فلما رأى الله تعالى ذلك من فعل فرعون وقومه، وأنه حقّت عليهم كلمة العذاب، ابتلاهم الله تعالى بالعذاب والآيات.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع