من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر القبطىّ وخروج موسى من مصر
قال: ولما كبر موسى صار يركب من مراكب فرعون ويلبس من ملابسه؛ وكان يدعى: موسى بن فرعون؛ فامتنع بسببه الظلم عن بنى إسرائيل، ولم يعلم إلّا أنّ ذلك من قبل الرضاعة؛ واتفق ركوب فرعون، فركب موسى فى أثره والمدينة مغلّقة الأسواق، وليس بها أحد؛ قال الله تعالى: وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
فكان الذى من شيعته فتى من بنى إسرائيل، والذى من عدوّه رجل من القبط، وهو طبّاخ لفرعون، وقد أخذ حطبا للطعام، وهو يريد الإسرائيلىّ على حمله وقد امتنع؛ فلما مرّ بهما استغاثه الإسرائيلىّ؛ فقال للطبّاخ: اتركه. فامتنع من تركه؛ فوكزه موسى فى صدره فمات؛ فندم موسى على قتله؛ قال الله تعالى: فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
الآيات.
قال: فأصبح فى المدينة خائفا يترقّب.
وجاء القبط وشكوا إلى فرعون أنّ بنى إسرائيل قتلوا رجلا منهم؛ فأمرهم أن يطوفوا على قاتله؛ وخرج موسى فى اليوم الثانى، فإذا الّذى استنصره بالأمس يستصرخه على قبطىّ آخر، والقبطىّ يقول: هذا الّذى قتل ابن عمّى بالأمس.
فقال الإسرائيلىّ: أعنى يا موسى على هذا، فإنّه يريد أن يحملنى إلى دار فرعون قال له موسى إنّك لغوىّ مبين.
قال: ثم لم يجد موسى بدّا من نصرة الإسرائيلىّ، فحسر عن ذراعيه، ودنا من القبطىّ؛ فظنّ الإسرائيلىّ أنّ موسى يريد أن يبطش به، فقال ما أخبر الله به عنه:
فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ.
فلمّا سمع القبطىّ كلام الإسرائيلىّ لموسى تحقق أن موسى قاتل ابن عمه؛ فدخل إلى دار فرعون وأخبره أن موسى هو الّذى قتل القبطىّ؛ قال: ومن أعلمك؟
فقصّ عليه القصة؛ فأذن فرعون لأولياء المقتول فى قتل موسى حيث وجدوه؛ فجاء حزقيل- وكان مؤمنا من آل فرعون- وأعلم موسى بالخبر.
قال الله تعالى: وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ.
ومضى بغير زاد ولا راحلة؛ فمرّ براع فى طريقه، فأعطاه موسى ثيابه، وأخذ جبّة الراعى وكساه، وسار فوصل إلى مدين فى اليوم السابع وقد أجهده الجوع.
قال: وكان موسى يسير بالليل ودليله النجم، فإذا جاء الصبح جاءه أسدان يدلّانه على الطريق؛ فكان هذا دأبه وهما كذلك حتى ورد مدين؛ والله الهادى.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع