من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر خبر دخول موسى- ﵇ إلى فرعون وما كان من أمره معه
قال: وأمر فرعون أن يزيّن قصره، وجلس والتاج على رأسه، ووقف الوزراء عن يمينه وشماله، وأحضر موسى؛ فلمّا رآه عرفه، ثم قال له: من أنت؟ قال:
أنا عبد الله ورسوله وكليمه. قال: أنت عبد فرعون. قال: إن الله أعزّ من أن يكون له ندّ. قال له فرعون: إلى من أرسلت؟ قال: إليك وإلى جميع أهل مصر. قال: فبماذا؟ قال: أن يقولوا لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأنّى موسى عبده ورسوله. قال: فما حجّتك؟ فإنّ لكلّ مدّع بيّنة. قال: إن أتيتك ببيّنة تؤمن؟ قال: نعم. قال موسى: يا هارون، انزل عن الكرسىّ وبلّغ فرعون الرسالة.
فنزل وقال: يا فرعون. إِنَّا رَسُولا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ وَلا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْناكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلامُ عَلى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدى
. فقال فرعون: فَمَنْ رَبُّكُما يا مُوسى قالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى
، الآيات.
فغضب فرعون على هارون، وأمر هامان بنزع ما عليه من اللباس؛ فنزعه حتى بقى بالسراويل، فألبسه موسى مدرعة الصوف؛ فاقشعرّ جلده؛ فنزل جبريل بقميص كوّنه الله تعالى فكان وألبسه إيّاه؛ فقال فرعون لهامان: احمل موسى
وأخاه إلى منزلك ودارهما، فإن أطاعانى مكّنتهما من خزائنى، ولا أقطع أمرا دونهما. ففعل ذلك؛ فقالا له: يا هامان اشتر نفسك من ربّك. فضحك من قولهما، ثم أحضرهما من الغد إلى فرعون؛ فأقبل على موسى وقال: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ
أى عن النبوّة فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ.
ثم قال: تذبّح أبناءهم وتستحيى نساءهم، فشكوك إلى ربّ العالمين. وكان فرعون متكئا، فاستوى جالسا وقال: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ
. فالتفت فرعون لمن حوله وقال: أَلا تَسْتَمِعُونَ.
قال موسى: رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ
. قال فرعون: لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ. قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع