تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر وفاة داود ﵇

قال الكسائىّ: كان داود- ﵇ شديد الغيرة على النساء، ويغلق الأبواب عليهنّ إذا خرج، ويحمل المفاتيح معه. فقيل: إنه رجع يوما ففتح باب نسائه، فرأى رجلا فى داره ذا مهابة. فقال له داود- وغضب-:

من أنت؟ ومن أدخلك دارى؟ قال: أدخلنى الدار من هو أولى بها منك، أنا الذى لا أهاب الملوك، ولا يمنعنى دونهم الحجّاب والجنود، وأفرّق بين الجمع، أنا ملك الموت. فارتعد داود وقال: دعنى أدخل إلى أهلى لأودّعهم. قال: لا سبيل إلى ذلك يا داود. فبكى وقال: من لبنى اسرائيل من بعدى؟ قال: ابنك سليمان.

قال: الآن طابت نفسى، امض لما أمرت به، فقبض روحه- ﵇ وغسّله سليمان وإخوته، وكفّنه بأكفان نزلت عليه من الجنة، وحمله إلى قبره،

ودفن دون غار إبراهيم- ﵇ قال: وعكفت الطير على قبره أربعين يوما.

قال الثعلبىّ فى خبر وفاة داود: إن داود كانت له وصيفة تغلق الأبواب كل ليلة وتأتيه بالمفاتيح ثم تنام، ويقبل داود على ورده فى العبادة. فأغلقت ذات ليلة الأبواب وجاءت بالمفاتيح ثم ذهبت لتنام، فرأت رجلا قائما فى وسط الدار فقالت: ما أدخلك هذه الدار! فإن صاحبها رجل غيور، فخذ حذرك. فقال:

أنا الذى أدخل على الملوك بغير إذن. فسمعه داود، وكان فى المحراب يصلّى، ففزع واضطرب وقال: علىّ به، فأتاه. فقال: ما أدخلك هذه الدار فى هذا الوقت بغير إذن؟! فقال: أنا الذى أدخل على الملوك بغير إذن. قال:

فأنت ملك الموت؟ قال نعم. قال: أجئت داعيا أم ناعيا؟ قال: بل ناعيا.

قال: فهلّا أرسلت إلىّ قبل ذلك وآذنتنى لأستعدّ للموت؟ قال: كم أرسلت إليك يا داود فلم تنتبه. قال: ومن كانت رسلك؟ قال: يا داود، أين أبوك إيشى؟

وأين أمّك؟ وأين أخوك؟ وأين قهرمانك فلان؟ قال: ماتوا كلهم. قال: أما علمت أنهم رسلى، وأن النوبة تبلغك! ثم قبضه.

قال أهل التاريخ: كان عمر داود مائة سنة، ومدّة ملكه أربعين سنة.

وقد تقدّم خبر آدم فيما وهب له من عمره.

ذكر نبوّة سليمان بن داود ﵉ وملكه

قال الكسائىّ- ﵀: ولما قام سليمان- ﵇ من عزاء أبيه داود وتفرّق الطير عن قبره، دخل محراب أبيه، فهبط عليه جبريل- ﵇ وقال له: إن الله تعالى يخصّك بالسلام ويقول لك:

الملك أحبّ إليك أو العلم؟. فخرّ سليمان ساجدا لله تعالى وقال: العلم أحبّ إلىّ من الملك، لأنه أنفع الأشياء. فأوحى الله تعالى إليه: إنك تواضعت وأخترت العلم على الملك، فقد وهبت لك العلم والملك، وأضفت إلى ذلك كمال العقل وزينة الخلق، ونزعت عنك العجب، وسأطوى لك الدنيا بأسرها حتى تطأها بجيشك وتشاهد عجائبها. فخرّ سليمان ساجدا لربّه، ورفع رأسه فإذا الرياح الثمانية قد وقفت بين يديه وقالت له: إن الله سخّرنا لك، فاركبنا إذا شئت إلى أىّ موضع شئت.

وأقبلت الوحوش والسّباع فوقفت بين يديه وقالت: إن الله أمرنا بالطاعة لك.

وأقبلت الطير وقالت: قد أمرنا أن نظلّك بأجنحتنا ولا نخالفك فى أمر. وفوّض الله- ﷿ إلى سليمان أمر الدنيا شرقها وغربها.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.