تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر حشر الطير لسليمان بن داود ﵉ وكلامها له

قال الكسائىّ: ولما آتاه الله النبوّة والملك أحبّ أن يستنطق الطير، فحشرت إليه، فكان جبريل يحشر طير المشرق والمغرب من البر، وميكائيل يحشر طير الهواء والجبال. فنظر سليمان إلى عجائب خلقها، وجعل يسأل كل واحد منها عن مسكنه

ومعاشه فيخبره، وكان بين يديه سبعة ألوية من ألوية الأنبياء، يمسكها سبعة من الملائكة.

قال: ولما حشرت الطير له جاءته فوجا فوجا؛ فسلّمت عليه «الخطّافة» بثلاث لغات وقالت: يا نبىّ الله، أنا ممن اختارنى نوح وحملنى فى السفينة، ومنّى تناسل كلّ خطّافة فى الدنيا، ودعا لى آدم وقال: إنك تدركين من أولادى من خلافته مثل خلافتى، تحشر إليه الوحوش والطيور والمردة، فإذا رأيته فأقرئيه منّى السلام. وقالت له: يا نبىّ الله، إن معى سورة تعجب الملائكة من نورها، ما أعطيت لأحد من بنى آدم غير أبيك إبراهيم، فإنها نزلت كرامة له يوم ألقى فى النار، فهل لك أن تسمعها منّى؟ قال نعم. فقرأت سورة الْحَمْدُ

حتى بلغت وَلَا الضَّالِّينَ

ومدّت صوتها بآمين وسجدت، وسجد معها سليمان ﵇.

ثم تقدّم «النّسر» وهو يومئذ فى صورة عظيمة فقال: السلام عليك يا ملك الدنيا، ما رأيت ملكا أعظم من ملكك، وإنى صحبت آدم وساعدته على كثرة حزنه، وأنا أوّل من علم بهبوطه إلى الأرض، وكنت معه إلى أن تاب الله عليه وقال: إنه يكون من ذرّيتى من يحشر له الطير، فإذا رأيته فأقرئه منىّ السلام؛ وقد أدّيت إليك وديعته، فاصطنعنى يا نبىّ الله، فإنى عليم بمعادن الأرض وجبالها، ومعى آية عظيمة لا يفتر لسانى عنها، وهى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ

. ثم سجد وسجد معه سليمان؛ فلمّا رفع رأسه جعله سليمان ملكا على سائر الطيور.

ثم تقدّمت «العقاب » فوقفت بين يديه وسلّمت عليه وقالت: يا نبىّ الله، إن الله حين خلقنى كنت أعظم خلقا من هذا، غير أن حزنى على هابيل يوم قتله قابيل صيّرنى الى ما ترى، ولقد توحّشت الأرض والجبال يوم قتل. ومعى آية أعطانيها ربى، وهى: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى

. ثم قالت: سلّطنى على من شئت، فإنى قوية سميعة.

ثم تقدّمت «العنقاء» وهى يومئذ شديدة البياض، وصدرها كالذهب الأحمر، ووجهها كوجه الإنسان، ولها ذوائب كذوائب النساء، ورجلان صفراوان، ولها تحت أجنحتها يدان، فى كل يد ثلاثون إصبعا، فوقفت بين يديه وسلّمت وقالت: إن الله فضّلك على كثير من الملوك حين أبرزنى اليك فى صورتى هذه، فمرنى بما شئت، فو الله ما نطقت لأحد إلا لصفوة الله آدم، فإنى وقفت بين يديه وتعجّب من حسن صورتى، وقال: ما أشبهك بطيور الجنان! فمنذكم خلقك ربك؟ قلت: منذ ألفى عام. ثم تبخترت بين يديه فقال: أيها الطائر، إنك معجب بخلقك، والعجب يهلك صاحبه، لقد فاز المفلحون وخسر المبطلون.

وللعنقاء خبر عجيب نذكره- إن شاء الله- فى آخر خبر الطير على ما تقف عليه إن شاء الله تعالى.

ثم تقدّم «الغراب» فسلّم وقال: يا نبىّ الله، لقد فضّلك الله على كثير من ولد آدم، وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما، وإنى كنت أبيض

قبل ذلك، فصرت كما ترى، لمّا سمعتهم يقولون: اتخذ الرحمن ولدا.

وما ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا. ولقد دعا لى أبوك آدم ونوح بطول العمر؛ وسمعت أباك إبراهيم يتلو آية يخضع لها كل شىء، وهى: كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ.

ثم تقدّمت «الحمامة» فسلّمت عليه وقالت: يا نبىّ الله، أنا الحمامة التى اختارنى أبوك آدم لنفسه إلفا وأنيسا، وكنت آنس به وبتسبيحه؛ وكان اذا ذكر الجنة يصيح صيحة عظيمة ويقول: أترانى أرجع إليها؟ وإن لم أرجع إليها كنت من الخاسرين. واعلم يا نبىّ الله أنه قد علّمنى كلمات حفظتها عنه، وهى: الله لا إله إلا هو وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله سيد الأوّلين والآخرين.

وقد أقبلت إليك طائعة لأمرك، فمرنى بما شئت.

ثم تقدّم «الهدهد» فسلّم عليه وسجد بين يديه وقال: ما أحببت أحدا كما أحببتك، لأنى رأيت الدنيا ضاحكة لك، وقد أعطاك الله ملكا عظيما، فاتخذنى رسولا آتك بالأخبار، وأدلك على مواضع الماء. فقال له: أراك أكيس الطيور، وأرى فخاخ بنى إسرائيل تصطادك، ولا تغنى عنك كياستك شيئا. قال الهدهد:

يا نبىّ الله، الحيلة لا تنفع مع القضاء والقدر، وإن الله يضيف إلى عقل المخلوق سبعين ضعفا ثم ينفّذ فيه حكمه وقضاءه. قال: صدقت. ثم سجد بين يديه مرارا.

ثم تقدّم إليه «الديك» وهو آخر من تقدّم، فوقف بين يديه وهو فى نهاية الحسن، وضرب بجناحيه، وصاح صيحة أسمع الملائكة والطيور وجميع من حضر

وقال فى صياحه: يا غافلين اذكروا الله. ثم قال: يا نبىّ الله، إنى كنت مع أبيك آدم وكنت أوقظه أوقات الصلوات، ومع نوح فى الفلك، ومع أبيك إبراهيم وكنت أسمعه يقول: «اللهمّ مالك الملك تؤتى الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعزّ من تشاء، وتذّل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شىء قدير». واعلم يا نبىّ الله أنى ما صحت صيحة إلا أفزعت بها الجن والشياطين.

ففرح سليمان به وأمره أن يكون معه حيثما كان. ووقف كل طير بين يديه، وفرغ من حشر الطيور وعرفها بأسمائها ومنطقها، وكانوا يعبدون الله بالليل والنهار، وكذلك الوحوش والسباع، حتى عرف كل واحد منهم باسمه وصفته ونعته.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.