من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
معجزة أخرى (٣)
قال: ثم لم يلبث الدهقان أن أعرس ابنا له، فصنع له عيدا فجمع عليه أهل مصر وكان يطعمهم شهرين. فلمّا انقضى ذلك زاره قوم من أهل الشام ولم يعلم الدهقان بهم حتى نزلوا به وليس عنده يومئذ شراب. فلمّا رأى عيسى اهتمامه بذلك دخل بيتا من بيوت الدهقان فيه جرار، فأمرّ عيسى يده على أفواهها وهو يمشى، فكلّما مرّ بيده على جرّة امتلأت شرابا حتى أتى على آخرها، وهو يومئذ ابن اثنى عشرة سنة.
معجزة أخرى:
قال: وبينا عيسى يلعب مع الصبيان بأرض مصر، إذ وثب غلام منهم على غلام آخر فقتله. فجاء أهله وتعلّقوا بجميع الصبيان وفيهم عيسى وأتوا بهم الى القاضى.
فقال القاضى: من قتل هذا؟ قالوا: هذا، وأشاروا إلى عيسى. فقال له القاضى:
لم قتلت هذا الغلام؟ قال: أراك حاكما جاهلا، كان يجب أن تسألنى: أقتلته أم لا! قال القاضى: أراك ذا عقل، فما اسمك؟ قال: عيسى بن مريم. قال:
يا عيسى، لم قتلته؟ قال: يا جاهل، أبهذا أمرتك؟ ثم دنا عيسى من الغلام وقال:
قم بإذن الله الذى يحيى العظام وهى رميم، فاستوى جالسا وقال له: من قتلك؟
قال: قتلنى فلان بن فلان، وهذا عيسى بن مريم برىء من دمى. فعجب الناس من ذلك وقتلوا قاتل الغلام، وأخذت مريم بيد عيسى وانطلقت.
معجزة أخرى:
قال: وأتت به أمّه الى معلّم ليعلّمه، فقال: إنّ ربى قد أغنانى عن تعليم المعلّمين وقد علّمنى التوراة والإنجيل. قالت: صدقت، ولكن تكون عند معلّم خير من أن تلعب مع الصبيان. فأتت به الى معلّم يعلّمه، فعلّمه عيسى. قال الثعلبىّ: وروى
محمد الباقر ﵀ قال: لما ولد عيسى ﵇ كان ابن يوم كأنه ابن شهر، فلمّا كان ابن تسعة أشهر أخذت والدته بيده وجاءت به الى كتّاب وأقعدته بين يدى المؤدّب. فقال له المؤدّب: قل: «بسم الله الرّحمن الرّحيم» فقالها عيسى ﵇. فقال المؤدّب: قل: أبجد، فرفع عيسى رأسه وقال للمؤدّب: هل تدرى ما أبجد؟ فعلاه ليضربه. فقال: يا مؤدّب، لا تضربنى، إن كنت تدرى وإلّا فسلنى حتى أفسّر لك. فقال: فسّره لى. فقال عيسى ﵇: الألف آلاء الله، والباء بهجة الله، والجيم جلال الله، والدال دين الله. هوّز، الهاء هى جهنم وهى الهاوية، والواو ويل لأهل النار، والزاى زفير جهنم. حطّى، حطّت الخطايا عن المستغفرين. كلمن، كلام الله غير مخلوق لا مبدّل لكلماته. سعفص، صاع بصاع والجزاء بالجزاء. قرشت تقرشهم حين تحشرهم، أى تجمعهم. فقال المؤدّب لأمه:
أيتها المرأة، خذى بيد ابنك فقد علّم ولا حاجة له الى مؤدّب. وقال سعيد بن جبير:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ عيسى ﵇ أرسلته أمّه الى الكتّاب ليتعلّم، فقال له المعلّم قل بسم الله الرحمن الرحيم فقال وما باسم الله. قال لا أدرى.
قال الباء بهاء الله والسين سناء الله والميم مملكته». والله أعلم الموفّق.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع