من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر الحشر والمعاد والنفخة الثانية
جاء فى بعض التفاسير فى قوله تعالى: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ
قيل: جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت. قال: ثم يأمر الله ملك الموت أن يقبض روح جبريل وميكائيل وإسرافيل، ثم يأمر ملك الموت أن يموت فيموت ولا يبقى إلا الله، فينادى ﷻ: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ
فلا يجيبه أحد، فيقول: لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ.
ثم يمكث الناس فى البرزخ أربعين عاما، ثم يحيى الله ﷿ إسرافيل فيأمره أن ينفخ النفخة الثانية؛ قال الله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ.
وقال تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى
. وقال تعالى:
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ
. روى عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يأكل التراب كلّ شىء من الإنسان إلّا عجب الذّنب».
قيل: يا رسول الله، وما هو؟ قيل: «مثل حبّة خردل ومنه ينشأ». وفى الحديث الآخر: «ثم ينزل الله من السماء ماء فينبتون كما ينبت البقل». وفى الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «يقول الله وعزتى وجلالى ليرجعنّ كلّ روح إلى جسده، فتدخل الأرواح فى الأرض إلى الأجسام، فتدخل فى الخياشيم ثم تمشى مشى السمّ فى اللّديغ». قال: «وتجتمع الأرواح كلها فى الصّور، ثم ينفخ إسرافيل فيه فتخرج الأرواح كأنها النحل قد ملأت ما بين السماء والأرض، ثم تدخل فى الأجساد» كما تقدّم. وفى الحديث الصحيح أنّ عائشة رضى الله عنها قالت:
يا رسول الله، كيف يحشر الناس يوم القيامة؟ قال: «حفاة عراة». قالت:
يا رسول الله، والنساء؟ قال: «والنساء». قالت: يا رسول الله، فما نستحيى؟ قال:
«يا عاشة الأمر أهمّ من أن ينظر بعضهم الى بعض». وعن أبى موسى الأ شعرىّ رضى الله عنه قال قال رسول الله ﷺ: «يعرض الناس يوم القيامة ثلاث عرضات، فأمّا عرضتان فجدال ومعاذير، وأمّا الثالثة فعند ذلك تطير الصحف فى الأيدى، فآخذ بيمينه وآخذ بشماله». وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ
قال: «يقوم أحدهم فى رشحه الى أنصاف أذنيه وهو اليوم الذى قال الله تعالى فيه كَلَّا لا وَزَرَ إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ يُنَبَّؤُا الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ بِما قَدَّمَ وَأَخَّرَ
». وقال رسول الله ﷺ: «يجمع الله الأوّلين والآخرين فى صعيد واحد فيسمعهم الداعى وينفذهم البصر» يريد أرضا مستويّة لا جبل فيها ولا أكمة ولا ربوة ولا وهدة، أرض بيضاء لم يسفك عليها دم قطّ، ولا عمل عليها خطيئة ولا ارتكب فيها محرّم. قال الله تعالى:
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ
. وفى حديث ثوبان: أن النبىّ ﷺ سئل أين يكون الناس يوم تبدّل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: «هم فى الظّلمة دون الجسر» والجسر هو الصراط. وفى حديث عائشة «إنهم على الصراط». قال الله ﷿: وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
. وقال تعالى: يَتَخافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْراً
أى يقول بعضهم لبعض سرّا، فيقول أعدلهم قولا وأرجحهم عقلا: إن لبثتم إلا يوما. قال الله ﷿: نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً.
وروى عن مجاهد أنه قال: للكفّار هجعة قبل يوم القيامة يجدون فيها طعم النوم، فإذا بعثوا قالوا: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا! فتخرج الخلائق مذعورين خائفين وجلين، وإذا المنادى ينادى: يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
، فيطمع فى ذلك النداء المؤمنون والكافرون، فينادى المنادى: الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِنا
وَكانُوا مُسْلِمِينَ
. وعن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم». قيل:
يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم؟ قال: «إنّ الذى أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم أما إنهم يتّقون بوجوههم كلّ حدب وشوك».
وفى حديث مسلم بن الحجّاج عن أنس أنّ رجلا قال: يا رسول الله، كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: «أليس الذى أمشاه على رجليه فى الدنيا قادرا على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة». والأحاديث الصحيحة فى هذا الباب كثيرة جدّا لو استقصيناها لطال الكلام وانبسط القول، وخرج التأليف عن شرطه الذى قدّمناه، فلنختم هذا الباب ب
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع