تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

وأما من أظهر تمثال صورته ﷺ وصور بعض أصحابه رضى الله عنهم

وذلك مصوّر عندهم فى بيوت فى بيعهم.

فمن ذلك ما روى عن دحية بن خليفة الكلبىّ رسول الله ﷺ إلى قيصر أنه قال: لقيت قيصر بكتاب رسول الله ﷺ وهو بدمشق، فأدخلت عليه خاليا، فناولته الكتاب فقبّل خاتمه وفضّه وقرأه، ثم وضعه على وسادة أمامه، ثم دعا بطارقته وزعماء دينه فقام فيهم على وسائد بنيت له، ثم خطبهم فقال: هذا كتاب النبىّ الذى بشّر به عيسى المسيح، وأخبر أنه من ولد إسماعيل، قال: فنخروا نخرة عظيمة، وحاصوا فأومى إليهم بيده أن اسكتوا، ثم قال: إنما جرّبتكم لأرى غضبكم لدينكم، ونصركم له، وصرفهم، ثم استدعانى من الغد فأخلانى، وأنّسنى بحديثه، وأدخلنى بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاثة عشر صورة، فإذا هى صور الأنبياء المرسلين صلى الله عليهم وسلم فقال:

انظر من صاحبك من هؤلاء، فنظرت فإذا صورة النبىّ ﷺ كأنما ينطق، فقلت: هو هذا، فقال: صدقت، ثم أرانى صورة عن يمينه فقال:

من هذا؟ قلت: هذه صورة رجل من قومه اسمه أبو بكر الصدّيق رضى الله عنه، فأشار إلى صورة أخرى عن يساره، فقلت: هذه صورة رجل من قومه يقال له عمر رضى الله عنه، فقال: إنا نجد فى الكتاب أن بصاحبيه هذين يتمّ الله أمره.

قال دحية: فلما قدمت على النبىّ ﷺ أخبرته، قال: صدق، بأبى بكر وعمر يتمّ الله هذا الأمر بعدى. والله الموفق.

ومنه ما روى عن حكيم بن حزام قال: دخلت الشام للتجارة قبل أن أسلم، ورسول الله ﷺ بمكّة، فأرسل قيصر إلينا، فجئناه ومعنا أميّة بن

أبى الصّلت الثّقفىّ، فقال: من أى العرب أنتم؟ وما قرابتكم من هذا الرجل الذى يزعم أنه نبى؟ فقال حكيم: فقلت أنا ابن عمه، يجمعنى وإياه الأب الخامس، فقال: هل أنتم صادقىّ فيما أريكموه وأسألكم عنه؟ قلنا: نعم، نصدقك أيها الملك، فقال: أنتم ممن اتّبعه أو ممن ردّ عليه؟ قلنا: ممن ردّ عليه ما جاء به وعاداه، ولكنا نصدقك مع هذا، قال: احلفوا لى بآلهتكم لتصدقنّنى فى جميع ما أسألكم عنه وأعرضه عليكم، فحلفنا له وأعطيناه من المواثيق ما أرضاه، فسألنا عن أشياء مما جاء به رسول الله ﷺ فأخبرناه بها، ثم نهض واستنهضنا معه، فأتى كنيسة فى قصره، فأمر بفتحها ودخل ونحن معه، وجاء إلى ستر وأمر بكشفه فإذا صورة رجل، قال: أتعرفون من هذه صورته؟ قلنا: لا. قال:

هذه صورة آدم، ثم تتبّع أبوابا يفتحها ويكشف عن صور الأنبياء واحدا بعد واحد، ويقول: هذا صاحبكم ؟ فنقول: لا. حتى فتح بابا وكشف لنا سترا عن صورة محمد ﷺ، فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: نعم، هذه صورة صاحبنا، فقال: أتدرون منذكم صوّرت؟ قلنا: لا. قال: منذ أكثر من ألف سنة، فإن صاحبكم نبىّ مرسل فاتّبعوه، ولوددت أنى عنده فأشرب ما يغسل من قدميه.

وقد ورد فى الصحيحين خبر قيصر مع أبى سفيان لمّا سأله عن رسول الله ﷺ. وسيأتى ذكره إن شاء الله تعالى.

ومنه ما روى عن جبير بن مطعم أنه قال: لما بعث الله النبى ﷺ: خرجت تاجرا إلى الشام، فأرسل إلىّ عظيم الأساقفة فأتيته فقال:

هل تعرف هذا الرجل الذى ظهر بمكة، يزعم أنه نبىّ؟ قال: فقلت هو ابن عمى، فأخذ بيدى وأدخلنى بيتا فيه تماثيل وقال: انظر ترى صورته ههنا؟

فنظرت فلم أرشيئا فأخرجنى من ذلك البيت، وأدخلنى بيتا أكبر منه فيه مثلها، وقال: انظر هل تراه ههنا، فنظرت فإذا صورة النبىّ ﷺ، وإذا صورة أبى بكر وهو آخذ بعقب النبى ﷺ، وإذا صورة عمر وهو آخذ بعقب أبى بكر، فقال: هل رأيته؟ فقلت: نعم هوذا، قال: أتعرف الذى أخذ بعقبه؟ قلت: نعم، هو ابن أبى قحافة، قال: وهل تعرف الذى هو آخذ بعقبه؟ قلت نعم، هذا عمر بن الخطاب ابن عمّنا، فقال: أشهد أنه رسول الله، وأن هذا هو الخليفة من بعده، وأن هذا هو الخليفة من بعد هذا.

وهذا باب متسع لو استقصيناه لطال، ولو سطرنا ما وقفنا عليه منه لا نبسطت هذه السيرة، وخرجت عن حدّ الاختصار، وفيما أوردناه كفاية.

فلنذكر بشائر كهّان العرب والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.