تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر دعاء رسول الله ﷺ الناس إلى الإسلام

قال محمد بن إسحاق:

وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا ذهبوا فى الشّعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبى وقّاص فى نفر من أصحاب رسول الله ﷺ فى شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلّون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبى وقّاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير، فشجّه، فكان أول دم هريق فى الإسلام.

ثم أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن يصدع بما جاء به من عند الله وأن ينادى الناس بأمره، وأن يدعوهم إلى الله تعالى، فكان يدعو ثلاث سنين مستخفيا، إلى أن أمر الله بإظهار الدعاء.

قال محمد بن سعد: قوله تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صالِحاً وَقالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ)

هو رسول الله ﷺ.

وقال أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقى: لما أمر الله تعالى نبيّه ﷺ أن يعلم الناس نزول الوحى عليه، ويدعوهم إلى الإيمان به، كبر ذلك عليه، فنزل قوله ﷿: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ)

، قالت عائشة رضى الله عنها: كان رسول الله ﷺ يحرس حتى نزلت هذه الآية، فأخرج رسول الله ﷺ رأسه من القبّة، فقال [لهم]: «أيها الناس، انصرفوا فقد عصمنى الله»؛ قيل: يعصمك من قتلهم أن يقتلوك، فبلّغ عند ذلك الرسالة.

وعن الزهرىّ، قال: دعا رسول الله ﷺ إلى الإسلام سرا وجهرا، فاستجاب لله تعالى من شاء من أحداث الرجال وضعفاء الناس حتى كثر من آمن بالله؛ وكفار قريش غير منكرين لما يقول، فكان إذا مرّ عليهم فى مجالسهم يشيرون إليه: إنّ غلام بنى عبد المطلب ليكلّم من السماء، فكان ذلك حتى عاب الله آلهتهم التى يعبدونها دونه، وذكر هلاك آبائهم الذين ماتوا على الكفر، فعند ذلك عادوا رسول الله ﷺ وناكروه؛ وأجمعوا علاقة.

قال ابن عباس رضى الله عنه: لما أنزل الله ﷿ على رسوله ﷺ:

(وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)

صعد رسول الله ﷺ على الصّفا فقال:

«يا معشر قريش»، فقالت قريش: محمد على الصّفا يهتف، فأقبلوا واجتمعوا، فقالوا:

مالك يا محمد؟ فقال: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدّقوننى» ؟

قالوا: نعم، أنت عندنا غير متّهم، وما جرّبنا عليك كذبا قط، قال: «فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد يا بنى عبد المطلب يا بنى عبد مناف يا بنى زهرة»، حتى عدّد الأفخاد من قريش «إن الله أمرنى أن أنذر عشيرتى الأقربين، وإنى لا أملك لكم من الدّنيا منفعة، ولا من الآخرة نصيبا إلا أن تقولوا لا إله إلا الله» قال: فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تعالى (تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ)

السورة كلّها. قال الواقدى: لما أظهر رسول الله ﷺ الإسلام ومن معه، وفشا أمره بمكّة، ودعا بعضهم بعضا، فكان أبو بكر يدعو ناحية سرّا، وكان سعيد بن زيد مثله، وعثمان مثل ذلك، [وكان عمر يدعو علانية وحمزة ابن عبد المطلب] وأبو عبيدة بن الجرّاح؛ فغضبت قريش من ذلك، وظهر منهم لرسول الله ﷺ الحسد والبغى، وأشخص به منهم رجال فبادوه، وتستّر آخرون وهم على ذلك الرّأى، إلا أنهم ينزّهون أنفسهم عن القيام والإشخاص برسول الله ﷺ.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.