تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر فترة الوحى عن النبىّ ﷺ وما أنزل بعد فترته

قال: وفتر الوحى عن رسول الله ﷺ فترة حتى شقّ ذلك عليه وأحزنه. واختلف فى مدة فترة الوحى، فقال ابن جريح: احتبس عنه الوحى اثنى عشر يوما، وقال ابن عباس رضى الله عنهما: خمسة عشر يوما، وقيل:

خمسة وعشرين. وقال مقاتل: أربعين يوما. والله أعلم.

روى البخارىّ ﵀ عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها، وساق الحديث بنحو ما تقدّم، قال: وفتر الوحى فترة حتى حزن النبى ﷺ فيما بلغنا حزنا غدا منه مراراكى يتردّى من رءوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكى يلقى نفسه منه تبدّى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقا، فيسكن لذلك جأشه، وتقرّ نفسه فيرجع، فإذا طالت عليه فترة الوحى غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدّى له جبريل وقال له مثل ذلك. قال: وتكلم المشركون عند فترة الوحى بكلام، فأنزل الله تعالى على رسوله ﷺ:

(وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)

السورة بكمالها؛ وقيل فى سبب نزولها أن رسول الله ﷺ كان ترك قيام الليل ليلتين أو ثلاثا لشكوى أصابته، فجاءت امرأة فقالت: يا محمد، إنى لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، فأنزل الله تعالى السورة.

قال القاضى أبو الفضل عياض بن موسى ﵀ فى كتابه المترجم (بالشفا بتعريف حقوق المصطفى): تضمّنت هذه السّورة من كرامة الله تعالى لنبيّه وتنويهه به وتعظيمه إياه ستّة وجوه:

الأوّل- القسم له عما أخبر به من حاله بقوله: (وَالضُّحى وَاللَّيْلِ إِذا سَجى)

أى وربّ الضحى، وهذا لمن عظم درجات المبّرة.

الثانى- بيان مكانته عنده وحظوته لديه بقوله: (ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى)

أى ما تركك وما أبغضك، وقيل ما أهملك بعد أن اصطفاك.

الثالث- قوله: (وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى).

قال ابن إسحاق: أى مالك فى مرجعك عند الله أعظم مما أعطاك الله من كرامة الدنيا. وقال سهل: أى ما ذخرت لك من الشفاعة والمقام المحمود خير لك مما أعطيتك فى الدنيا.

الرابع- قوله: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى)

، وهذه آية جامعة لوجوه الكرامة وأنواع السعادة وشتات الإنعام فى الدّارين والزّيادة.

قال ابن إسحاق: يرضيه بالفلج فى الدّنيا والثواب فى الآخرة. وقيل: يعطيه الحوض والشفاعة، وروى عن بعض آل النبى ﷺ أنه قال: «ليس فى القرآن آية أرجى منها. ولا يرضى رسول الله ﷺ أن يدخل أحد من أمّته النار».

الخامس- ما عدّه الله تعالى عليه من نعمه، وقرّره من آلائه قبله فى بقية السورة، من هدايته إلى ما هداه له، أو هداية الناس به على اختلاف التفاسير، ولا مال له فأغناه بما آتاه، أو بما جعله فى قلبه من القناعة والغنى، ويتيما فحدب عليه عمّه وآواه إليه، وقيل: آواه إلى الله، وقيل: يتيما لا مثال لك فآواك إليه، وقيل المعنى ألم يجدك فهدى بك ضالّا، وأغنى بك عائلا، وآوى بك يتيما، ذكّره بهذه المنن، وأنه- على المعلوم من التفسير- لم يهمله فى حال صغره وعيلته ويتمه، وقبل معرفته به ولا ودّعه ولا قلاه، فكيف بعد اختصاصه واصطفائه. والله أعلم السادس- أمره بإظهار نعمته عليه، وشكر ما شرّفه به بنشره وإشادة ذكره بقوله: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)

، فإنّ من شكر النعمة التحدّث بها، وهذا خاصّ له، عامّ لأمته.

وقال ابن إسحاق: أى بما جاءك من الله من نعمته وكرامته من النبوّة، فحدّث بها أى اذكرها وادع إليها. قال: فجعل رسول الله ﷺ يذكر ما أنعم الله به عليه وعلى العباد به من النبوّة سرّا إلى من يطمئنّ إليه من أهله.

قال: ثم فرضت الصلاة عليه ﷺ. والله الموفّق لطاعته.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.