من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
فمن ذلك ما روى عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما فى سبب إسلام عمر
وأنه كان قد ضمن لقريش قتل النبىّ ﷺ، وخرج لذلك، فمرّ بقوم من خزاعة وقد اعتمدوا صنما لهم يريدون أن يتحاكموا إليه، فقالوا لعمر: ادخل لتشهد الحكم، فدخل معهم، فلما مثلوا بين يدى الصّنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول:
يأيها الناس ذوو الأجسامما أنتم وطائش الأحلام
ومسند الحكم إلى الأصنامأصبحتم كراتع الأنعام
أما ترون ما أرى أمامىمن ساطع يجلو دجى الظلام
قد لاح للناظر من تهاموقد بدا للناظر الشآمى
محمد ذو البرّ والإكرامأكرمه الرحمن من إمام
قد جاء بعد الشّرك بالإسلاميأمر بالصلاة والصيام
والبرّ والصّلات للأرحامويزجر الناس عن الآثام
فبادروا سبقا إلى الإسلامبلا فتور وبلا إحجام
قال: فتفرّق القوم عن الصنم ولم يحضره يومئذ أحد إلّا أسلم؛ ثم ذكر ابن عباس انطلاق عمر إلى منزل أخته على ما نذكر ذلك أو نحوه عند ذكرنا إسلام عمر رضى الله عنه.
قال: ثم خرج لقصد النبىّ ﷺ، فلقيه رجال من بنى سليم قد تنافروا إلى صنم لهم ليحكم بينهم اسمه الضّمار، فدعوا عمر إلى الدخول معهم إليه ففعل، فلما وقفوا بين يدى الصّنم سمعوا هاتفا من جوفه يقول:
أودى الضّمار وكان يعبد مرةقبل الكتاب وقبل بعث محمد
إن الذى ورث النبوّة والهدىبعد ابن مريم من قريش مهتدى
سيقول من عبد الضّمار ومثلهليت الضّمار ومثله لم يعبد
أبشر أبا حفص بدين صادقتهدى إليه بالكتاب المرشد
واصبر أبا حفص قليلا إنهيأتيك عن فرق أعزّ بنى عدى
لا تعجلنّ فأنت ناصر دينهحقّا يقينا باللسان وباليد
قال: فعجب القوم منه ونكّسه عمر، وغيّر الله ما فى صدره من عداوة رسول الله ﷺ.
ومنه ما روى أن وائل بن حجر وكان ملكا مطاعا، وكان له صنم من العقيق الأحمر يعبده ويحبّه حبّا شديدا، ولم يكن يكلّم منه، إلا أنه كان يرجو ذلك، فيكثر له السجود، ويعتر له العتائر، فبينا هو نائم فى الظهيرة أيقظه صوت منكر من المخدع الذى فيه الصّنم، فقام من مضجعه وأتاه فسجد أمامه، فإذا قائل يقول:
يا عجبا لوائل بن حجريخال يدرى وهو ليس يدرى
ماذا يرجّى من نحيت صخرليس بذى عرف ولا ذى نكر
ولا بذى نفع ولا ذى ضرّلو كان ذا حجر أطاع أمرى
قال وائل: فرفعت رأسى واستويت جالسا، ثم قلت: قد أسمعت أيها الناصح، فماذا تأمرنى؟ فقال:
ارحل إلى يثرب ذات النّخلوسر إليها سير مشمعلّ
تدن بدين الصائم المصلّىمحمد المرسل خير الرسل
قال وائل: ثم خرّ الصنم لوجهه فانكسر أنفه، واندقّت عنقه، فقمت إليه فجعلته رفاتا، ثم سرت مسرعا حتى أتيت المدينة؛ وذكر إسلامه بين يدى النبى ﷺ. والله المعين.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع