من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ومنه خبر مازن الطائى فى سبب إسلامه
رواه البيهقى فى دلائل النبوّة بسند قال: كان مازن الطائىّ بأرض عمان بقرية تدعى سمايل، وكان يسدن الأصنام لأهله، وكان له صنم يقال له باجر، قال مازن:
فعترت ذات يوم عتيرة، والعتيرة: الذبيحة، فسمعت صوتا من الصنم يقول:
يا مازن: أقبل إلىّ أقبل، تسمع ما لا يجهل، هذا نبى مرسل، جاء بحق منزل، فآمن به كى تعدل، عن حرّ نار تشعل، وقودها بالجندل.
قال مازن: فقلت والله إن هذا لعجب، ثم عترت بعد عشرة أيام عتيرة أخرى، فسمعت صوتا آخر أبين من الأوّل وهو يقول: يا مازن اسمع تسرّ، ظهر خير وبطن شرّ، بعث نبىّ من مضر، بدين الله الكبر، فدع نحيتا من حجر، تسلم من حرّ سقر؛ قال مازن: فقلت إن هذا والله لعجب، إنه لخير يراد بى؛ وقدم علينا رجل من أهل الحجاز فقلنا: ما الخبر وراءك؟ قال:
خرج رجل بتهامة يقول لمن أتاه: أجيبوا داعى الله ﷿، يقال له أحمد، قال: فقلت هذا والله نبأ ما سمعت، فثرت إلى الصنم فكسّرته أجذاذا، وشددت راحلتى ورحلت، حتى أتيت رسول الله ﷺ، فشرح إلىّ الإسلام فأسلمت، وأنشأت أقول:
كسرت باجر أجذاذا وكان لناربا نطيف به ضلّا بتضلال
فالهاشمىّ هدانا من ضلالتناولم يكن دينه منّى على بال
يا راكبا بلّغن عمرا وإخوتهأنى لما قال ربّى باجر قالى
قال مازن: فقلت يا رسول الله، إنى امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر، وبالهلوك من النساء، وألحّت علينا السنون فأذهبن الأموال، وأهزلن الذرارى والرجال، وليس لى ولد، فادع الله أن يذهب عنى ما أجد، ويأتينى بالحيا، ويهب لى ولدا، فقال النبى ﷺ: اللهم أبدله بالطّرب قراءة القرآن، وبالحرام الحلال، [وبالخمر ريّا لا إثم فيه، وبالعهر عفّة الفرج] وائته بالحيا، وهب له ولدا.
قال مازن: فأذهب الله عنى كل ما أجد، وأخصبت عمان، وتزوجت أربع حرائر، ووهب لى حيان بن مازن، وأنشأت أقول:
إليك رسول الله خبّت مطيّتىتجوب الفيافى من عمان إلى العرج
لتشفع لى يا خير من وطئ الحصافيغفر لى ربى فأرجع بالفلج
إلى معشر خالفت فى الله دينهمفلا رأيهم رأيى ولا شرجهم شرجى
وكنت امرأ بالعهر والخمر مولعاشبابى حتى آذن الجسم بالنّهج
فبدّلنى بالخمر خوفا وخشيةوبالعهر إحصانا وحصّن لى فرجى
فأصبحت همّى فى جهاد ونيّتىفلله ما صومى ولله ما حجّى
قال مازن: فلما رجعت إلى قومى أنّبونى وشتمونى، وأمروا شاعرهم فهجانى، فقلت إن هجوتهم فإنما أهجو نفسى، فتركتهم، قال: ثم إن القوم ندموا وكنت القيّم بأمورهم، فقالوا ما عسى أن نصنع به، فجاءنى منهم أزفلة عظيمة فقالوا: يابن عمّ، عبنا عليك أمرا فنهيناك عنه، فإذ أبيت فنحن تاركوك، ارجع معنا، فرجعت معهم، فأسلموا بعد كلّهم.
ومازن هذا هو الذى أقطعه رسول الله ﷺ أرض عمان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع