تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ومن ذلك ما روى عن لهيب بن مالك اللهبى أنه قال

حضرت عند رسول الله ﷺ، فذكرت الكهانة فقلت: بأبى أنت وأمى يا رسول الله! نحن أوّل من عرف حراسة السماء وزجر الشياطين، ومنعهم من استراق السمع عند القذف بالنجوم؛ وذلك أنا اجتمعنا إلى كاهن لنا يقال له خطر بن مالك، وكان شيخا كبيرا قد أتت عليه مائة سنة وثمانون سنة، وكان أعلم كهّاننا، فقلنا له:

يا خطر، هل عندك علم من هذه النجوم التى يرمى بها؟ فإنا قد فزعنا لها، وقد خفنا سوء عاقبتها، فقال: ائتونى بسحر، أخبركم الخبر، بخير أم ضرر. وأمن أم حذر؛ قال: فانصرفنا عنه يومنا، فلما كان من غد فى وجه السحر أتيناه، فإذا هو قائم على قدميه شاخص إلى السماء بعينيه، فناديناه يا خطر، فأومأ إلينا أن امسكوا

فأمسكنا، فانقضّ نجم من السماء عظيم، فصرخ الكاهن: أصابه إصابه، خامره عقابه، عاجله عذابه، أحرقه شهابه، زايله جوابه، يا ويله ما حاله، بلبله بلباله، عاوده خباله، تقطعت حباله، وغيرت أحواله؛ ثم أمسك طويلا، ثم قال:

يا معشر بنى قحطان، أخبركم بالحق والبيان، أقسمت بالكعبة ذات الأركان، والبلد المؤتمن السكان. قد منع السمع عتاة الجان، بثاقب بكفّ ذى سلطان، من أجل مبعوث عظيم الشان، يبعث بالتنزيل والقرآن، وبالهدى وفاضل الفرقان، تبطل به عبادة الأوثان. قال: قلنا يا خطر، إنك لتذكر أمرا عجيبا، فماذا ترى لقومك؟ فقال:

أرى لقومى ما أرى لنفسىأن يتبعوا خير نبى الإنس
برهانه مثل شعاع الشمسيبعث من مكة دار الحمس

بمحكم التنزيل غير اللبس

قلنا: يا خطر، وممّ هو؟ فقال: والحياة والعيش، إنه لمن قريش. ما فى حكمه طيش، ولا فى خلقه هيش، يكون فى جيش وأىّ جيش، من آل قحطان وآل ريش.

قال: قلنا بيّن لنا من أىّ قريش هو، قال: والبيت ذى الدّعائم، والرّكن

والأحائم، إنه لمن نجل هاشم، من معشر أكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كلّ ظالم؛ ثم قال: هذا هو البيان، أخبرنى به رئيس الجانّ؛ ثم قال: الله أكبر، جاء الحق وظهر، وانقطع عن الجنّ الخبر؛ ثم سكت فأغمى عليه، فما أفاق إلا بعد ثلاث فقال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله ﷺ: «لقد نطق عن مثل نبوّة، وإنه ليبعث يوم القيامة أمة وحده». والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.