تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر قصة الرّجم

روى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال: إن أحبار يهود اجتمعوا فى بيت المدراس حين قدم رسول الله ﷺ المدينة، وقد زنى رجل بينهم بعد إحصانه بامرأة من يهود قد أحصنت، فقالوا: ابعثوا بهذا الرجل وهذه المرأة إلى محمد، فاسألوه كيف الحكم فيهما، وولّوه الحكم عليهما، فإن عمل فيهما

بعملكم من التّجبية- والتجبية: الجلد بحبل من ليف قد طلى بقار، ثم تسوّد وجوههما، ثم يحملان على حمارين، وتجعل وجوههما من قبل أدبار الحمارين- فاتبعوه فإنما هو ملك، وصدّقوه، وإن هو حكم فيهما بالرجم فإنه نبىّ، فاحذروه على ما فى أيديكم أن يسلبكموه، فأتوه فقالوا: يا محمد، هذا رجل قد زنى بعد إحصانه بامرأة قد أحصنت، فآحكم فيهما، فمشى رسول الله ﷺ حتى أتى أحبارهم فى بيت المدراس، فقال: «يا معشر يهود أخرجوا إلىّ علماءكم»، فأخرجوا إليه عبد الله بن صوريا وأبا ياسر بن أخطب، ووهب بن يهوذا، فقالوا: هؤلاء علماؤنا، فساءلهم رسول الله ﷺ، ثم قالوا: هذا عبد الله بن صوريا أعلم من بقى بالتوراة، فخلا به رسول الله ﷺ، وكان غلاما شابا من أحدثهم سنّا، فقال له:

«يا بن صوريا، أنشدك الله، وأذكّرك بأيّامه عند بنى إسرائيل، هل تعلم أن الله حكم فيمن زنى بعد إحصانه بالرجم فى التوراة» ؟ قال: اللهم نعم، أما والله يا أبا القاسم إنهم ليعرفون أنك لنبىّ مرسل، ولكنهم يحسدونك، فخرج رسول الله ﷺ فأمر برجمهما، فرجما عند باب مسجده، ثم كفر بعد ذلك ابن صوريا، وجحد نبوّة رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: (يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنَّا بِأَفْواهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هذا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا)

، أى الرجم، (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ. سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جاؤُكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئاً وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ. وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ

وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ.

إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللَّهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ)

إلى آخر القصة.

وروى عن ابن عباس رضى الله عنه أنه قال: أمر رسول الله ﷺ برجمهما، فرجما بباب مسجده، فلما وجد اليهودىّ مسّ الحجارة قام إلى صاحبته فجنأ عليها يقيها مسّ الحجارة حتى قتلا جميعا.

وعن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما قال: لما حكّموا رسول الله ﷺ فيهما دعاهم بالتوراة، وجلس حبر منهم يتلوها، وقد وضع يده على آية الرّجم، فضرب عبد الله بن سلام يد الحبر، ثم قال: هذه يا نبىّ الله آية الرّجم، يأبى أن يتلوها عليك؛ فقال لهم رسول الله ﷺ: «ويحكم يا معشر يهود! ما دعاكم إلى ترك حكم الله وهو بأيديكم» ؟! فقالوا: أما إنه كان فينا يعمل به، حتى زنى رجل منا بعد إحصانه من بيوت الملوك وأهل الشرف فمنعه الملك من الرجم، ثم زنى رجل من بعده فأراد أن يرجمه فقالوا: لا والله، حتى ترجم فلانا، فلما قالوا ذلك اجتمعوا فأصلحوا أمرهم على التّجبية، وأماتوا ذكر الرّجم والعمل به، فقال رسول الله ﷺ: «فأنا أوّل من أحيا أمر الله وكتابه وعمل به». ثم أمر بهما فرجما عند باب مسجده، قال عبد الله ابن عمر رضى الله عنهما: [كنت] فيمن رجمهما. قال: واجتمع كعب بن أسد

وابن صلوبا، وعبد الله بن صوريا، وشأس بن قيس. وقال بعضهم لبعض: اذهبوا إلى محمد؛ لعلّنا نفتنه عن دينه، فإنما هو بشر، فأتوه فقالوا: يا محمد، إنك قد عرفت أنا أحبار يهود وأشرافهم وساداتهم، وأنا إن اتبعناك اتّبعك يهود ولم يخالفونا، وإن بيننا وبين بعض قومنا خصومة، أفنحاكمهم إليك فتقضى لنا عليهم، ونؤمن بك ونصدّقك؟ فأبى رسول الله ﷺ ذلك؛ فأنزل الله فيهم: (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ. أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)

قال: وأتى رسول الله ﷺ من أحبار يهود أبو ياسر بن أخطب، ونافع بن أبى نافع، وعازر بن أبى عازر، وخالد بن زيد، وأزار بن أبى أزار، وأشيع، فسألوه عمن يؤمن به من الرسل، فقال ﷺ: «نؤمن بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتى موسى وعيسى وما أوتى النبيون من ربهم لا نفرّق بين أحد منهم ونحن له مسلمون».

فلما ذكر عيسى جحدوا نبوّته، وقالوا: لا نؤمن بعيسى ولا بمن آمن به، فأنزل الله تعالى فيهم: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ)

. قال: وأتاه ﷺ رافع ابن حارثة، وسلام بن مشكم، ومالك بن الضّيف، ورافع بن حريملة فقالوا:

يا محمد، ألست تزعم أنك على ملة إبراهيم ودينه، وتؤمن بما عندنا من التوراة،

وتشهد أنها من الله حقّ؟ قال: «بلى، ولكنكم أحدثتم وجحدتم ما فيها مما أخذ عليكم من الميثاق، وكتمتم منها ما أمرتم أن تبينوه للناس، فبرئت من أحداثكم».

قالوا: فإنا نأخذ بما فى أيدينا؛ فإنا على الهدى والحقّ، ولا نؤمن بك ولا نتبعك، فأنزل الله تعالى فيهم: (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ)

قال: وأتاه ﷺ النّحّام بن زيد، وقردم بن كعب، وبحرىّ ابن عمرو، فقالوا: يا محمد، أما تعلم مع الله إلها غيره؟ فقال رسول الله ﷺ: «لا إله غيره، بذلك بعثت، وإلى ذلك أدعو»؛ فأنزل الله تعالى فيهم وفى قولهم: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ)

قال: وكان رفاعة بن زيد بن التابوت، وسويد بن الحارث قد أظهرا الإسلام ونافقا، فكان رجال من المسلمين يوادّونهما، فأنزل الله تعالى فيهم:

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)

إلى قوله:

(وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ)

. وقال جبل بن أبى قشير، وشمويل بن زيد لرسول الله صلى الله عليه

وسلم: أخبرنا متى الساعة إن كنت نبيا كما تقول؟ فأنزل الله تعالى: (يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْئَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)

وقال محمود بن سيحان ونعمان بن أضاء، وبحرىّ بن عمرو، وعزير بن أبى عزير، وسلام بن مشكم، وفنحاص، وعبد الله بن صوريا، وابن صلوبا، وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق، وأشيع، وكعب بن أسد، لرسول الله ﷺ:

أحقّ يا محمد أن هذا الذى جئت به حقّ من عند الله؟ فإنا لا نراه متسقا كما تتسق التوراة؟ فقال لهم رسول الله ﷺ: «أما والله إنكم لتعرفون أنه من عند الله، تجدونه مكتوبا عندكم، ولو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا به ما جاءوا به» فقالوا عند ذلك: يا محمد، أما يعلمك هذا إنس ولا جن؟

فقال: «أما والله إنكم لتعلمون أنه من عند الله، وأنى لرسول الله؛ تجدون ذلك مكتوبا عندكم فى التوراة» قالوا: يا محمد، فإن الله يصنع لرسوله إذا بعثه ما يشاء، ويقدر منه على ما أراد، فأنزل علينا كتابا من السماء نقرؤه ونعرفه، وإلا جئناك بمثل ما تأتى به. فأنزل الله تعالى: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً)

، والظهير: العون.

قال: وأتى رهط من يهود إلى رسول الله ﷺ، قالوا:

يا محمد، هذا الله خلق الخلق فمن خلقه؟ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم

حتى انتقع لونه، فجاءه جبريل ﵇ فسكّنه، فقال: خفّض عليك يا رسول الله، وجاءه من الله بجواب ما سألوه عنه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ. اللَّهُ الصَّمَدُ. لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)

، فلما تلاها عليهم قالوا: فصف لنا كيف خلقه؟ كيف ذراعه؟ كيف عضده؟ فغضب رسول الله ﷺ أشد من غضبه الأول، فأتاه جبريل فقال له مثل ما قال له أول مرة، وجاءه من الله بجواب ما سألوه فقال: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ)

، وكانت سؤالات يهود وعنتهم وبغيهم وتحريفهم وتبديلهم كثيرة؛ قد نطق بذلك كله القرآن، وجاء بالردّ عليهم وبتكذيبهم وتفريقهم، ثم سلط الله عليهم المسلمين، وحكّم فيهم سيوفهم فقتلوهم وأجلوهم واستأصلوا شأفتهم، وأسروا وسبوا منهم، على ما نذكر ذلك إن شاء الله تعالى فى الغزوات والسرايا، فلما أيسوا وأبلسوا عمدوا إلى تخيّلات أخر من السّحر والسّم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.