تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر ما ورد من أن يهود سحروا رسول الله ﷺ

قالوا: لما رجع رسول الله ﷺ من غزوة الحديبية سنة ست من مهاجره، ودخل المحرم سنة سبع، جاءت رؤساء يهود الذين بقوا بالمدينة ممن يظهر الإسلام وهو منافق، إلى لبيد بن الأعصم اليهودىّ حليف بنى زريق، وكان ساحرا، قد علمت ذلك يهود أنه أعلمهم بالسّحر وبالسّموم، فقالوا له: يا أبا الأعصم أنت أسحر منا، وقد سحرنا محمدا، فسحره منا الرجال والنساء فلم نصنع شيئا، وأنت

ترى أثره فينا، وخلافه ديننا، ومن قتل منا وأجلى، ونحن نجعل لك على ذلك جعلا على أن تسحره لنا سحرا ينكؤه، فجعلوا له ثلاثة دنانير على أن يسحر رسول الله ﷺ؛ فعمد إلى مشط وما يمشط من الرأس من الشعر فعقد فيه عقدا وتفل فيه تفلا، وجعله فى جفّ طلعة ذكر، ثم انتهى به حتى جعله تحت أرعوفة البئر، فوجد رسول الله ﷺ أمرا أنكره، حتى يخيّل إليه أنه يفعل الشىء ولا يفعله، وأنكر بصره حتى دلّه الله على ذلك؛ فدعا جبير ابن إياس الزّرقىّ وكان ممن شهد بدرا فدله على موضع فى بئر ذروان تحت أرعوفة البئر، فخرج جبير حتى استخرجه، ثم أرسل إلى لبيد بن الأعصم، فقال: «ما حملك على ما صنعت، فقد دلنى الله على سحرك وأخبرنى بما صنعت» ؟ فقال: حبّ الدنانير يا أبا القاسم. قال محمد بن سعد، قال إسحاق بن عبد الله: فأخبرت عبد الرحمن ابن كعب بن مالك بهذا الحديث، فقال: إنما سحره بنات أعصم أخوات لبيد، وكنّ أسحر من لبيد وأخبث، وكان لبيد هو الذى ذهب به فأدخله تحت أرعوفة البئر، قال: فلما عقدوا تلك العقد أنكر رسول الله ﷺ تلك الساعة بصره، ودسّ بنات أعصم إحداهنّ، فدخلت على عائشة فخبّرتها عائشة- أو سمعت عائشة تذكر ما أنكر رسول الله ﷺ من بصره- ثم خرجت إلى أخواتها وإلى لبيد فأخبرتهم، فقالت إحداهنّ: إن يكن نبيا فسيخبر، وإن يك

غير ذلك فسوف يدلّهه هذا السحر حتى يذهب عقله، فيكون بما نال من قومنا وأهل ديننا. فدله الله عليه:

وفى الصحيح عن عائشة أمّ المؤمنين رضى الله عنها أن النبىّ ﷺ سحر، حتى كان يخيل إليه أنه يصنع الشىء ولم يصنعه، حتى إذا كان ذات يوم رأيته يدعو، فقال: «أشعرت أن الله قد أفتانى فيما استفتيته، أتانى رجلان فقعد أحدهما عند رأسى، والآخر عند رجلىّ، فقال أحدهما: ما وجع الرجل؟

فقال الآخر: مطبوب، فقال: من طبّه؟ قال: لبيد بن الأعصم، قال: فيم؟

قال: فى مشط ومشاطة فى جفّ طلعة ذكر، قال: فأين هو؟ قال: فى ذى ذروان»، فآنطلق رسول الله ﷺ، فلما رجع أخبر عائشة فقال: «كأنّ نخلها رءوس الشياطين، وكأنّ ماءها نقاعة الحنّاء»، قالت فقلت: يا رسول الله، فأخرجه للناس، قال: «أمّا والله قد شفانى، وخشيت أن أثوّر على الناس منه شرا».

وعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: مرض رسول الله ﷺ وأخّذ عن النساء وعن الطعام والشراب، فهبط عليه ملكان وهو بين النائم واليقظان فجلس أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه؛ فقال: أحدهما لصاحبه:

ما شكواه؟ قال: طبّ- يعنى سحر- قال: ومن فعله؟ قال: لبيد بن أعصم اليهودىّ، قال: ففى أى شىء جعله؟ قال: فى طلعة، قال: فأين وضعها؟

قال: فى بئر ذروان تحت صخرة، قال: فما شفاؤه؟ قال تنزح البئر، وترفع الصخرة وتستخرج الطّلعة. وارتفع الملكان؛ فبعث النبى ﷺ إلى علىّ وعمّار فأمرهما أن يأتيا الرّكىّ فيفعلا الذى سمع، فأتياها وماؤها كانه قد خضب بالحنّاء فنزحاها، ثم رفعا الصخرة فأخرجا طلعة، فإذا فيها إحدى عشرة عقدة، ونزلت هاتان السورتان: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ)

و (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ)

، فجعل رسول الله ﷺ كلما قرأ آية انحلت عقدة، حتى انحلت العقد، وانتشر نبىّ الله ﷺ للنساء والطعام والشراب.

وجاء فى حديث آخر أن جبريل وميكائيل ﵉ أخبرا رسول الله ﷺ بشأن السّحر، وأنه ﷺ أخذ لبيدا، فاعترف فعفا عنه، روى عفوه عنه عن غير واحد؛ قال عكرمة: ثم [كان] يراه بعد عفوه فيعرض عنه. وحيث ذكرنا حديث السّحر فلا بأس أن نصله بالكلام على مشكله.

والله أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.