تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

حوادث السنة الخامسة

فيها تزوّج رسول الله ﷺ ريحانة بنت زيد النّضرية، وجويرية بنت الحارث المصطلقيّة. وفيها زلزلت المدينة، فقال رسول الله ﷺ:

«إن الله يستعتبكم فأعتبوه ». وفيها سابق رسول الله ﷺ بين الخيل.

وقد تقدم ذكر ذلك فى الباب الأول من القسم الثالث من الفن الثالث فى الجزء التاسع من هذه النسخة. وفيها كانت غزوة بنى المصطلق بالمريسيع. وحدث فى هذه الغزوة وقائع نذكرها فى هذا الموضع؛ فيها ما وقع بين المهاجرين والأنصار، وحديث الإفك، وخبر التّيمّم.

ذكر ما وقع بين المهاجرين والأنصار فى غزوة المريسيع وما قاله عبد الله بن أبىّ بن سلول المنافق

قال محمد بن إسحاق: لما كان رسول الله ﷺ على المريسيع- وهو ماء لبنى المصطلق - فى نزوله عن غزوته إياهم، وردت واردة الناس،

ومع عمر بن الخطاب أجير له من بنى غفار، يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهنىّ- حليف بنى عوف بن الخزرج- على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهنىّ: يا معشر الأنصار! وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين! فغضب عبد الله بن أبىّ، وعنده رهط من قومه، فيهم زيد بن أرقم- غلام حدث- فقال: أو قد فعلوها! قد نافرونا وكاثرونا فى بلادنا، والله ما أعدّنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال الأول: سمّن كلبك يأكلك؛ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ. ثم أقبل على من حضره من قومه وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم. قال: فمشى زيد بن أرقم إلى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، وعنده عمر بن الخطاب، فقال عمر: مر به عبّاد بن بشر فليقتله؛ فقال رسول الله ﷺ: «فكيف يا عمر إذا تحدّث الناس أن محمدا يقتل أصحابه! لا، ولكن أذّن بالرحيل»، فارتحل الناس فى ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، وجاء عبد الله بن أبىّ إلى رسول الله ﷺ فحلف بالله: ما قلت ما قال زيد بن أرقم عنّى، وما تكلمت به، فقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله، عسى أن يكون الغلام أوهم فى حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل.

فلما استقلّ رسول الله ﷺ لقيه أسيد بن حضير فقال: يا نبىّ الله، والله لقد رحت فى ساعة منكرة ما كنت تروح فى مثلها. قال: «أو ما بلغك

ما قال صاحبكم» ؟ قال: أىّ صاحب؟ قال: «عبد الله بن أبىّ» قال، وما قال يا رسول الله؟ قال: «زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعزّ منها الأذل» قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز. ثم قال:

يا رسول الله، ارفق به، فو الله لقد جاء الله بك وإنّ قومه لينظمون له الخرز ليتوّجوه، فإنه ليرى أنك استلبته ملكا. قال: ثم متن رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس فلم يلبثوا إلا أن وجدوا مسّ الأرض فوقعوا نياما.

قال: وإنما فعل رسول الله ﷺ ذلك ليشغل الناس عن الحديث الذى كان من عبد الله بن أبىّ.

قال: ثم هبت ريح شديدة تخوّفها الناس، فقال رسول الله ﷺ:

«لا تخوّفوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار». فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد بن التابوت أحد بنى قينقاع- وكان من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين- مات ذلك اليوم.

ونزلت السورة التى ذكر الله تعالى فيها المنافقين فى ابن أبىّ ومن قال بقوله، فلما نزلت أخذ رسول الله ﷺ بأذن زيد بن أرقم ثم قال: «هذا الذى أوفى لله بأذنه». وبلغ عبد الله بن عبد الله بن أبىّ بن سلول ما كان من أمر أبيه، فقال: يا رسول الله، إنه بلغنى أنك تريد قتل عبد الله بن أبىّ فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى به فأنا أحمل إليك رأسه، إنى أخشى أن تأمر غيرى فيقتله فلا تدعنى نفسى أنظر إلى قاتل عبد الله يمشى فى الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر فأدخل

النار، فقال رسول الله ﷺ: «نترفّق به ونحسن صحبته ما بقى معنا»، وكان بعد ذلك إذا أحاث حدثا كان قومه هم الذين يعاتبونه ويعنفّونه. فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شأنهم:

«كيف ترى يا عمر؛ أما والله لو قتلته يوم قلت لى اقتله لأرعدت [له] آنف لو أمرتها اليوم [بقتله] لقتلته»، فقال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمرى.

ومن الحوادث فى هذه الغزوة حديث الإفك.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.