من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر سرية المنذر بن عمرو السّاعدى إلى بئر معونة
كانت فى صفر على رأس ستة وثلاثين شهرا من مهاجره.
وذلك أن عامر بن مالك بن جعفر أبو براء ملاعب الأسنة الكلابى وفد على رسول الله ﷺ، فأهدى له فلم يقبل منه، وعرض عليه الإسلام فلم يسلم، ولم يبعد، وقال: لو بعثت معى نفرا من أصحابك إلى قومى لرجوت أن يجيبوا دعوتك. قال: أخاف عليهم أهل نجد؛ قال: أنا لهم جار. فبعث معه رسول الله ﷺ سبعين رجلا من الأنصار شببة يسمون القرّاء، وأمّر
عليهم المنذر بن عمرو، فساروا حتى نزلوا بئر معونة- وهى بين أرض بنى عامر وحرّة بنى سليم، كلا البلدين منها قريب، وهى إلى حرّة بنى سليم أقرب- فلما نزلوها سرحوا ظهرهم، وقدّموا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله، ﷺ، إلى عامر بن الطّفيل، فوثب على حرام فقتله؛ واستصرخ عليهم بنى عامر فأبوا، وقالوا: لا نخفر جوار أبى براء، فاستصرخ عليهم قبائل من بنى سليم، عصيّة ورعلا وذكوان، فنفروا معه. واستبطأ المسلمون حراما، فأقبلوا فى أثره، فلقيهم القوم فأحاطوا بهم، وكاثروهم فاقتتلوا، فقتل أصحاب رسول الله ﷺ، وفيهم سليم بن ملحان، والحكم بن كيسان.
قال ابن إسحاق: فقتلوا من عند آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بنى دينار بن النجار فإنهم تركوه، وبه رمق بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق. قال: وكان فى سرح القوم عمرو بن أمية الضّمرى، ورجل من الأنصار- قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح- فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا؛ فأقبلا لينظرا، فإذا القوم فى دمائهم، والخيل التى أصابتهم واقفة. فقال الأنصارى لعمرو بن أمية:
ما ترى؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله ﷺ، فنخبره الخبر؛ قال الأنصارى: ما كنت لأرغب بنفسى عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو؛ ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو بن أمية أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجزّ ناصيته، وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمّه.
فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بنى عامر حتى نزلا معه، وكان معهما عقد من رسول الله ﷺ وجوار لم يعلم به عمرو، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما، وهو يرى أنه قد أصاب بهما تؤرة من بنى عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله ﷺ.
قال محمد بن سعد: وقدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ، فأخبره بقتل أصحاب بئر معونة، فقال ﷺ: «أبت من بينهم» ! ثم أخبره بقتل العامريين، فقال: «بئس ما صنعت، قد كان لهما منى أمان وجوار، لأدينّهما» ! وبعث بديتهما إلى قومهما، وقنت رسول الله ﷺ شهرا فى صلاة الصبح يدعو على رعل وذكوان وعصيّة وبنى لحيان.
وروى عن أنس بن مالك، رضى الله عنه، قال: قرأنا بهم قرآنا زمانا، ثم إن ذلك رفع أو نسى: «بلّغوا عنا قومنا أنا لقينا ربنا فرضى عنا وأرضانا ». وقال أنس ابن مالك: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة.
قال ابن سعد: وجاء رسول الله ﷺ، فى تلك الليلة التى وصل إليه فيها خبر أصحاب بئر معونة مصاب خبيب بن عدىّ ومن معه، فدعا رسول
الله ﷺ على قتلتهم بعد الركعة من الصبح، فقال: «اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم سنين كسنى يوسف، اللهم عليك ببنى لحيان وعضل والقارّة وزعب ورعل وذكوان وعصيّة، فإنهم عصوا الله ورسوله».
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع