من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر سرية عبد الله بن عتيك إلى أبى رافع سلّام ابن أبى الحقيق النضرىّ بخيبر
قال محمد بن سعد فى طبقاته: كانت فى شهر رمضان سنة ستّ من مهاجر رسول الله ﷺ.
وقال ابن إسحاق: كانت هذه السريّة بعد غزوة بنى قريظة. فتكون فى ذى الحجة سنة خمس من الهجرة، وهو الصحيح إن شاء الله، ويدلّ عليه أن محمد بن سعد لما ذكر عبد الله بن عتيك فى الطبقات قال فى ترجمته: إن رسول الله ﷺ بعثه فى ذى الحجة سنة خمس إلى أبى رافع سلّام بن أبى الحقيق بخيبر.
قال محمد بن إسحاق: لما أصابت الأوس كعب بن الأشراف قالت الخزرج:
والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. فتذاكروا: من رجل لرسول الله ﷺ فى العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا ابن أبى الحقيق، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فى قتله، فأذن لهم، فخرج إليه من الخزرج خمسة نفر، وهم: عبد الله ابن عتيك، ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث بن ربعى، وخزاعىّ بن أسود، حليف لهم من أسلم.
قالوا: وكان أبو رافع بن أبى الحقيق قد أجلب فى غطفان ومن حوله من مشركى العرب، وجعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول الله ﷺ،
فأمّر رسول الله ﷺ عليهم عبد الله بن عتيك، ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر فكمنوا، فلما هدأت الرّجل جاءوا إلى منزله فصعدوا درجة له، وقدّموا عبد الله بن عتيك لأنه كان يرطن باليهوديّة، فاستفتح وقال: جئت أبا رافع بهديّة. ففتحت له امرأته، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح، فأشار إليها بالسيف فسكتت، فدخلوا عليه فعلوه بأسيافهم، قال ابن أنيس: وكنت رجلا أعشى لا أبصر، فاتكأت بسيفى على بطنه حتى سمعت خشّة فى الفراش، وعرفت أنه [قد] قضى، وجعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلوا وصاحت امرأته، فتصايح أهل الدار. قال ابن إسحاق: وكان عبد الله بن [عتيك] سيئ البصر، فوقع من الدرجة فوثئت يده وثئا شديدا، قال ابن هشام: ويقال:
رجله؛ قالوا: فحملناه حتى أتينا منهرا من عيونهم- والمناهر؛ واحدتها منهرة، وهو فضاء يكون بين أفنية القوم يلقون فيها كناستهم- فدخلنا فيه.
قال محمد بن سعد: وخرج الحارث أبو زينب فى ثلاثة آلاف فى آثارهم يطلبونهم بالنيران، فلم يروهم، فرجعوا، ومكث القوم فى مكانهم يومين حتى سكن الطلب. قال ابن إسحاق: فقلنا: فكيف لنا أن نعلم بأن عدوّ الله قد مات؟ فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل فى الناس، فوجده ورجال من يهود حوله، وامرأته فى يدها مصباح تنظر فى وجهه وتحدّثهم وتقول: أما والله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت [نفسى] وقلت: ابن عتيك بهذه البلاد!
ثم أقبلت تنظر فى وجهه وتقول: فاظ وإله يهود. قال: فما سمعت كلمة كانت ألذّ فى نفسى منها؛ وجاءنا فأخبرهم بالخبر، قالوا: فاحتملنا صاحبنا، وقدمنا على رسول الله ﷺ، فأخبرناه بقتل عدوّ الله، واختلفنا عنده فى قتله، كلنا يدّعيه، فقال: هاتوا أسيافكم. فجئناه بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد الله ابن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.
قال الشيخ شرف الدين [عبد المؤمن] بن خلف الدّمياطى ﵀ فى سيرته:
وفى حديث آخر أن الذى قتله عبد الله بن عتيك وحده، قال: وهو الصواب.
والله أعلم.
وقال حسان بن ثابت الأنصارىّ فى قتل سلام بن أبى الحقيق وابن الأشرف:
لله درّ عصابة لاقيتهميابن الحقيق وأنت يا بن الأشرف
يسرون بالبيض الخفاف إليكممرحا كأسد فى عرين مغرف
حتى أتوكم فى محلّ دياركمفسقوكم حتفا ببيض ذفّف
مستنصرين لنصر دين نبيّهممستصغرين لكلّ أمر مجحف
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع