من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر غزوة دومة الجندل
وهى بضم الدال؛ سميت بدومى
بن إسماعيل لأنه كان نزلها، وهى غير دومة التى بفتح الدال.
غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل على رأس تسعة وأربعين شهرا من مهاجره، وذلك أنه بلغه ﷺ أن
يومة الجندل جمعا كثيرا، وأنهم يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة- وهى طرف من أفواه الشام، بينها وبين دمشق خمس ليال، وبينها وبين المدينة خمس عشرة أوست عشرة ليلة- فندب رسول الله ﷺ الناس، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة الغفارى، وخرج لخمس ليال بقين من شهر ربيع الأوّل فى ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بنى عذرة، يقال له: مذكور؛ فلما دنا منهم إذا هم مغرّبون، وإذا آثار النّعم
والشاء، فهجم على ماشيتهم ورعائهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب. وجاء الخبر أهل دومة الجندل، فتفرّقوا، ونزل رسول الله ﷺ بساحتهم، فلم يجد بها أحدا، فأقام بهاأياما، وبث السرايا وفرّقها، فرجعت ولم تصب منهم أحدا
وأخذ منهم رجل واحد، فسأله رسول الله ﷺ عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم؛ فعرض عليه الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ إلى المدينة لعشر بقين من شهر ربيع الآخر، ولم يلق كيدا.
وفى هذه الغزوة وادع رسول الله ﷺ عيينة بن حصن أن يرعى بتغلمين
وما والاه إلى المراض
، والمراض على ستة وثلاثين ميلا من المدينة على طريق الرّبذة.
ذكر غزوة بنى المصطلق، وهى غزوة المريسيع
غزاها رسول الله ﷺ فى شعبان سنة خمس من الهجرة. حكاه محمد بن سعد.
وقال ابن إسحاق: كانت فى شعبان سنة ست؛ وجعلها بعد غزوة ذى قرد.
وكان سبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ بلغه أن الحارث بن أبى ضرار سيّد بنى المصطلق سار فى قومه ومن قدر عليه من العرب، ودعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ فأجابوه وتهيئوا للمسير، فبعث رسول الله ﷺ بريدة بن الحصيب الأسلمى للوقوف على حقيقة الخبر، فأتاهم وكلم الحارث ورجع إلى رسول الله ﷺ بالخبر، فندب ﷺ الناس، فأسرعوا فى الخروج، وقادوا الخيول، وهى ثلاثون فرسا، عشرة منها للمهاجرين وعشرون للأنصار، وخرج معه خلق كثير من المنافقين، لم يجتمعوا فى غزاة قط مثلها، واستخلف ﷺ على المدينة زيد بن حارثة. وقال ابن هشام:
استعمل عليها أبا ذرّ الغفارى. قال: ويقال: نميلة بن عبد الله الليثى. قال ابن سعد: وكان معه ﷺ فرسان: لزاز، والظّرب، وخرج يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، فبلغ الحارث بن أبى ضرار ومن معه مسير رسول الله ﷺ، فتفرّق عنه من كان معه من العرب وخافوا خوفا شديدا، وانتهى رسول الله ﷺ إلى المريسيع- وهو ماء لبنى المصطلق بينه وبين الفرع نحو من يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد- فنزل به وضرب قبّته، ومعه ﷺ من نسائه أمّهات المؤمنين رضى الله عنهنّ عائشة، وأم سلمة، وتهيّئوا للقتال، وصفّ رسول الله ﷺ أصحابه، ودفع راية المهاجرين إلى أبى بكر.
الصدّيق رضى الله عنه، ورواية الأنصار إلى سعد بن عبادة، فتراموا بالنّبل ساعة، ثم أمر رسول الله ﷺ أصحابه فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت من القوم إنسان، قتل منهم عشرة، وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذّرارى، وغنمت النعم والشاء، ولم يستشهد من المسلمين إلّا رجل واحد، وأمر رسول الله ﷺ بالأسارى فكتفوا، واستعمل عليهم بريدة بن الحصيب، وأمر بجمع الغنائم فجمعت، واستعمل عليها شقران مولاه، وقسم السبى والنعم والشاء، فعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرّثّة»
فيمن يريد
، قال: وكانت الإبل ألفى
بعير والشاء خمسة آلاف شاة، والسبى مائتى أهل بيت، وصارت جويرية بنت الحارث ابن أبى ضرار فى سهم ثابت بن قيس بن شماس وابن عم له
. فكاتباها على تسع أواق من ذهب، فسألت رسول الله ﷺ فى كتابتها، فأدّى
عنها، وتزوّجها على ما نذكر ذلك إن شاء الله فى أخبار أزواجه ﷺ.
قال ابن سعد: وكان من السبى من منّ عليه رسول الله ﷺ بغير فداء، ومنهم من أفدى، فافتديت
المرأة والذرّيّة بست فرائض، وقدموا المدينة ببعض السبى، فقدم عليهم أهلوهم فافتدوهم، فلم تبق امرأة من بنى المصطلق إلّا رجعت إلى قومها. وكان شعار المسلمين يوم بنى المصطلق: يا منصور أمت أمت؛ وغاب رسول الله ﷺ فى غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما، وقدم المدينة لهلال رمضان.
وفى هذه الغزاة تكلم عبد الله بن أبىّ بن
سلول المنافق بما تكلم به من قوله:
(لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ)
. ووقع حديث الإفك، وقد قدّمنا ذكر ذلك كلّه فى حوادث السنين بعد الهجرة، فى حوادث السنة الخامسة.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع