تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر غزوة بنى لحيان بناحية عسفان

غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ست من مهاجره على ما أورده محمد بن سعد. وقال محمد بن إسحاق: فى جمادى الأولى سنة ست.

وذلك أن رسول الله ﷺ وجد على عاصم بن ثابت وأصحابه- أصحاب الرّجيع- وجدا شديدا، فأظهر أنه يريد الشام.

قال ابن سعد: وعسكر لغرّة هلال شهر ربيع الأوّل فى مائتى رجل، معهم عشرون فرسا، واستخلف على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم، ثم أسرع المسير حتى انتهى إلى بطن غران، وبينها وبين عسفان خمسة أميال، حيث كان مصاب.

أصحابه، فترحّم عليهم ودعا لهم، فسمعت [بهم] بنو لحيان، فهربوا في رءوس الجبال فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يوما أو يومين، فبعث السرايا فى كلّ ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، ثم انصرف ﷺ إلى المدينة، وهو يقول: «آيبون تائبون عابدون، لربّنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر فى الأهل والمال». وغاب عن المدينة أربع عشرة ليلة.

ذكر غزوة الغابة، وهى غزوة ذى قرد وهى على بريد من المدينة فى طريق الشام

غزاها رسول الله ﷺ فى شهر ربيع الأوّل سنة ست من مهاجره.

قالوا: كان لرسول الله ﷺ عشرون لقحة ترعى بالغابة، وكان أبو ذرّ فيها، فأغار عيينة بن حصن ليلة الأربعاء فى أربعين فارسا فاستاقوها وقتلوا ابن أبى ذرّ.

وقال محمد بن إسحاق: وكان فيهم رجل من غفار وامرأة [له]، فقتلوا الرجل وحملوا المرأة [فى اللقاح]. وجاء الصّريخ، فنودى: الفزع الفزع! فنودى:

«يا خيل الله اركبى»؛ وكان أوّل ما نودى بها؛ وركب رسول الله ﷺ، فخرج غداة الأربعاء، فكان أوّل من أقدم المقداد بن عمرو، وعليه الدرع والمغفر شاهرا سيفه، فعقد له رسول الله ﷺ لواء فى رمحه، وقال: امض حتى تلحقك الخيول، وأنا على أثرك. واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وخلّف سعد بن عبادة فى ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة. قال المقداد: فخرجت فأدركت أخريات العدوّ، وقد قتل أبو قتادة الحارث بن ربعىّ حبيب بن عيينة بن حصن، وغشّاه برده، فلما أقبل رسول الله ﷺ والناس، فرأوا حبيبا مسجّى ببرد أبى قتادة [فاسترجع الناس، وقالوا: قتل أبو قتادة؛ فقال رسول الله ﷺ: ليس بأبى قتادة]، ولكنه قتيل لأبى قتادة وضع عليه برده، لتعرفوا أنه صاحبه.

وقال ابن سعد: إن الذى قتل حبيبا هو المقداد بن عمرو، قتله وقتل قرفة بن مالك بن حذيفة بن بدر؛ وإن أبا قتادة قتل مسعدة، فأعطاه رسول الله ﷺ فرسه وسلاحه، وأدرك عكاشة بن محصن أوبارا وابنه عمرو بن أوبار، وهما على بعير واحد، فقتلهما. واستشهد من المسلمين يومئذ محرز بن نضلة، قتله مسعدة، وأدرك سلمة بن الأكوع القوم وهو على رجليه، فجعل يراميهم بالنبل ويقول:

خذها وانا ابن الأكوعواليوم يوم الرّضّع

حتى انتهى إلى ذى قرد- وهى ناحية خيبر ممّا يلى المستناخ- قال سلمة: فلحقنا رسول الله ﷺ والناس والخيول عشاء، فقلت: يا رسول الله، إن القوم عطاش، فلو بعثتنى فى مائة رجل استنقذت ما فى أيديهم من السرح، وأخذت بأعناق القوم. فقال النبىّ ﷺ: «ملكت فأسجح »؛ ثم قال: «إنهم الآن ليقرون في غطفان». وذهب الصريخ إلى بنى عمرو بن عوف، فجاءت الأمداد فلم تزل الخيل تأتى والرجال على أقدامهم وعلى الإبل حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ بذى قرد، فاستنفذوا عشر لقاح، وأفلت القوم بما بقى، وهى عشرة، وصلّى رسول الله ﷺ بذى قرد صلاة الخوف، وأقام يوما وليلة يتحسّس الخبر، وقسم فى كلّ مائة من أصحابه جزورا ينحرونها، وكانوا خمسمائة، وقيل: سبعمائة.

ذكر سرية عكاشة بن محصن الأسدىّ إلى الغمر غمر مرزوق، وهو ماء لبنى أسد على ليلتين من فيد

قالوا: بعث رسول الله ﷺ عكاشة بن محصن إلى الغمر فى أربعين رجلا، فخرج سريعا، فنذر به القوم فهربوا، فنزلوا عليا بلادهم، ووجدوا دارهم خلوفا، فبعث عكاشة شجاع بن وهب طليعة، فرأى أثر النعم، فتحمّلوا فأصابوا ربيئة

لهم، فأمّنوه، فدلّهم على نعم لبنى عمّ له، فأغاروا عليها فاستاقوا مائتى بعير، وأرسلوا الرجل، وحدروا النعم إلى المدينة، وقدموا على رسول الله ﷺ ولم يلقوا كيدا.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.