تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خروج رسول الله ﷺ من المدينة إلى مكّة، ومن جاءه فى طريقه قبل دخوله مكّة

قال: ولمّا تهيّأ رسول الله ﷺ للغزاة بعث إلى من حوله من العرب فجلبهم، وهم أسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وأشجع، وسليم، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه فى الطريق، وكان المسلمون فى غزوة الفتح عشرة آلاف، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة عبد الله بن أمّ مكتوم؛ قاله محمد بن سعد.

وقال محمد بن إسحاق، وأبو بكر أحمد البيهقى: استخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين بن عتبة بن خلف الغفارى، وخرج رسول الله ﷺ من المدينة يوم الأربعاء لعشر ليال خلون من شهر رمضان بعد العصر، فلمّا انتهى

إلى الصلصل قدم أمامه الزبير بن العوّام فى مائة من المسلمين، وصام رسول الله ﷺ وصام الناس حتى إذا كان بالكديد بين عسفان وأمج أفطر، ونادى مناديه: من أحبّ أن يفطر فليفطر، ومن أحبّ أن يصوم فليصم.

قال ابن سعد: فلما كان رسول الله ﷺ بقديد عقد الألوية والرايات ودفعها إلى القبائل.

قال محمد بن إسحاق: ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل مرّ الظّهران وهو فى عشرة آلاف من المسلمين، فسبّعت سليم، وبعضهم يقول: ألّفت مزينة، وفى كلّ القبائل عدد وإسلام، وأوعب معه المهاجرون والأنصار. قال: ولما كان رسول الله ﷺ فى بعض الطريق لقيه عمّه العباس بن عبد المطلب.

قال ابن هشام: لقيه بالجحفة مهاجرا بعياله، وكان قبل ذلك بمكّة على سقايته، وقد قدّمنا أنه أسلم عند انصراف رسول الله ﷺ من غزوة بدر، قال: ولقيه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة، لقياه بنيق العقاب بين مكة والمدينة، والتمسا الدخول عليه، وكلّمته أمّ سلمة رضى الله عنها فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك، وابن عمتك وصهرك.

فقال: «لا حاجة لى بهما، أما ابن عمى فهتك عرضى، وأما ابن عمّتى وصهرى فهو الذى قال لى بمكة ما قال»، فلما خرج الخبر بذلك إليهما ومع أبى سفيان بنىّ له

قال: والله لتأذننّ لى أو لآخذنّ بيد بنىّ هذا، ثم لنذهبنّ فى الأرض حتى نموت عطشا وجوعا؛ فلمّا بلغ ذلك رسول الله ﷺ رقّ لهما، ثم أذن لهما فدخلا عليه، فأسلما، وأنشد أبو سفيان بن الحارث يتعذر ممّا كان قد مضى من فعله، فقال:

لعمرك إنّى يوم أحمل رايةلتغلب خيل اللّات خيل محمد
لكا لمدلج الحيران أظلم ليلهفهذا أوانى حين أهدى واهتدى
هدانى هاد غير نفسى ودلّنىعلى الحقّ من طرّدت كلّ مطرّد
أصدّ وأنأى جاهدا عن محمدوأدعى وإن لم أنتسب من محمد
هم ما هم من لم يقل بهواهموإن كان ذا رأى يلم ويفنّد
أريد لأرضيهم ولست بلائطمع القوم ما لم أهد فى كلّ مقعد
فقل لثقيف: لا أريد قتالهاوقل لثقيف تلك: غيرى أوعدى
فما كنت فى الجيش الذى نال عامراوما كان عن جرّا لسانى ولا يدى
قبائل جاءت من بلاد بعيدةنزائع جاءت من سهام وسردد

قال: ولمّا بلغ إنشاده قوله: «من طرّدت كل مطرّد» ضرب رسول الله ﷺ فى صدره وقال: «أنت طرّدتنى كل مطرّد».

قال: ولمّا نزل رسول الله ﷺ مرّ الظّهران نزلها عشيّا، وأمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر

عن رسول الله ﷺ، فقال العباس بن عبد المطلب: واصباح قريش، والله لئن دخل رسول الله ﷺ مكّة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه إنّه لهلاك قريش إلى آخر الدهر.

قال العبّاس: فجلست على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء، فخرجت عليها حتى جئت الأراك، فقلت: لعلّى أجد بعض الحطّابة أو صاحب لبن، أو ذا حاجة يأتى مكّة، فيخبرهم بمكان رسول الله ﷺ، ليخرجوا إليه فيستأمنوه قبل أن يدخلها عليهم عنوة.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.