تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر سريّة مؤتة

ومؤتة بأدنى البلقاء بالقرب من الكرك.

كانت هذه السريّة فى جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة. وسبب بعث هذه السريّة أنّ رسول الله ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدىّ إلى ملك بصرى بكتاب، فلمّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسّانىّ، فقتله، ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتدّ ذلك عليه، وندب الناس فأسرعوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف،

فقال رسول الله ﷺ: «أمير القوم زيد بن حارثة، فإن قتل فجعفر بن أبى طالب، فإن قتل فعبد الله بن رواحة، فإن قتل فليرتض المسلمون بينهم رجلا فيجعلوه عليهم»، وعقد لهم رسول الله ﷺ لواء أبيض وسلّمه إلى زيد بن حارثة، وأوصاهم رسول الله ﷺ أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام «إن أجابوا، وإلّا فاستعينوا عليهم بالله وقاتلوهم»، وخرج رسول الله ﷺ مشيّعا لهم حتّى بلغ ثنيّة الوداع، فوقف وودّعهم وانصرف عنهم. فقال عبد الله بن رواحة:

خلف السلام على امرئ ودّعتهفى النّخل خير مودّع وخليل
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فلمّا ساروا من معسكرهم نادى المسلمون: دفع الله عنكم، وردّكم صالحين غانمين!.

فقال ابن رواحة:

لكنّنى أسأل الرحمن مغفرةوضربة ذات فرغ تقذف الزّبدا
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

فى أبيات أخر.

قال: فلمّا فصلوا من المدينة سمع العدوّ بمسيرهم، فجمعوا لهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو فجمع أكثر من مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه،

وقد نزل المسلمون معان من أرض الشام، وبلغ الناس أن هرفل قد نزل مآب من أرض البلقاء فى مائة ألف من بهراء ووائل وبكر ولخم وجذام والقين، عليهم رجل من بلىّ ثم أحد إراشة؛ يقال له: مالك بن زافلة، فأقاموا ليلتين لينظروا فى أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ، فشجّعهم عبد الله ابن رواحة، وقال: يا قوم، والله إنّ التى تكرهون للّتى خرجتم تطلبون؛ الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذى أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنّما هى إحدى الحسنين: إمّا ظهور، وإمّا شهادة. فقال الناس:

قد والله صدق ابن رواحة. قال: فمضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف، ثم دنا العدوّ، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها مؤتة، ووافاهم المشركون، فجاء منهم ما لا قبل لأحد به من العدد والسلاح والكراع والدّيباج والحرير والذهب

فعبّأ المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عدرة يقال له: قطبة بن قتادة، وعلى مسيرتهم رجلا من الأنصار يقال له: عباية بن مالك- ويقال: عبادة- ثم التقوا واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة رضى الله عنه براية رسول الله ﷺ حتى قتل طعنا بالرماح، ثم أخذ الراية جعفر بن أبى طالب، فنزل عن فرس له شقراء فعرقبها، فكانت أوّل فرس عرقبت فى الإسلام، وقاتل حتى قتل، ضربه رجل من الروم فقطعه نصفين فوجد فى أحد نصفيه بضعة وثمانون جرحا، ووجدنا فيما أقبل من بدنه اثنتين وسبعين ضربة بسيف وطعنة برمح.

وحكى أبو محمد عبد الملك بن هشام أن جعفر بن أبى طالب أخذ اللّواء بيمينه فقطعت يده، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله تعالى بذلك جناحين فى الجنّة يطير بهما حيث شاء.

وقال محمد بن إسحاق: كان جعفر يقاتل وهو يقول:

يا حبّذا الجنّة واقترابهاطيّبة وباردا شرابها
والرّوم روم قد دنا عذابهاكافرة بعيدة أنسابها

علىّ إن لاقيتها ضرابها

قال: ولمّا قتل جعفر أخذ عبد الله بن رواحة الرّاية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فجعل يستنزل نفسه ويتردّد بعض التردّد، ثم قال:

أقسمت يا نفس لتنزلنّهلتنزلنّ أو لتكرّهنّه
إن أجلب الناس وشدّ والرّنّةمالى أراك تكرهين الجنّة
قد طال ما قد كنت مطمئنّةهل أنت إلّا نطفة فى شنّة

وقال أيضا رضى الله عنه:

يا نفس إلّا تقتلى تموتىهذا حمام الموت قد صليت
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة
وما تمنّيت فقد أعطيتإن تفعلى فعلهما هديت
للشاعر عبد الله بن رواحة، اقرأ القصيدة

وإن تولّيت فقد شقيت

يريد بقوله: «فعلهما» صاحبيه زيدا وجعفرا؛ ثم نزل. فأتاه ابن عمّ له بعرق من لحم، فقال: شدّ بهذا صلبك، فإنّك قد لقيت فى أيّامك هذه ما لقيت.

فأخذه من يده فانتهس منه نهسة، ثم سمع الحطمة من ناحية الناس، فقال: وأنت فى الدنيا! ثم ألقاه من يده، وأخذ سيفه وتقدّم، فقاتل حتى قتل.

ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم، وقال: يا معشر الناس، اصطلحوا على رجل منكم؛ فقالوا: أنت؛ قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلمّا أخذ الراية دافع القوم، وحاشى بهم، ثم انحاز وانحيز عنه، وانكشف. فكانت

الهزيمة، فتبعهم المشركون، فقتل من قتل من المسلمين، ورفعت الأرض لرسول الله ﷺ حتى نظر إلى معترك القوم، فلما أخذ خالد بن الوليد اللواء قال رسول الله ﷺ: «الآن حمى الوطيس ».

قال محمد بن إسحاق: ولمّا أصيب القوم قال رسول الله ﷺ:

«أخذ الراية زيد بن حارثة فقاتل بها حتى قتل شهيدا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قتل شهيدا»، ثم صمت حتى تغيّرت وجوه الأنصار، وظنّوا أنّه قد كان فى عبد الله ابن رواحة بعض ما يكرهون؛ فقال: «ثم أخذها عبد الله بن رواحة فقاتل بها حتى قتل شهيدا».

قال ابن إسحاق: وكان قطبة بن قتادة العذرىّ حمل على مالك بن زافلة فقتله وهو على المائة ألف الّتى اجتمعت من العرب، فقال فى ذلك:

طعنت ابن زافلة بن الإراشبرمح مضى فيه ثمّ انحطم
ضربت على جيده ضربةفمال كما مال غصن السلم

قال: ولمّا سمع أهل المدينة بإقبال جيش مؤتة تلقّوهم بالجرف، فجعل الناس يحثون فى وجوههم التراب ويقولون: يا فرّار، فررتم فى سبيل الله؟ فيقول رسول الله ﷺ: «ليسوا بفرّار، ولكنّهم كرّار إن شاء الله».

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.