من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
ذكر دخول رسول الله ﷺ وأصحابه مكّة شرّفها الله تعالى صلحا، ودخول خالد بن الوليد ومن معه من القبائل عنوة
قال: ولما انتهى رسول الله ﷺ إلى ذى طوى، وقف على راحلته معتجرا بشقّة برد حبرة حمراء وإنه ليضع رأسه تواضعا لله تعالى حين رأى ما أكرمه الله به من الفتح، حتى إنّ عثنونه ليكاد يمسّ واسط الرحل، ثم فرّق رسول الله ﷺ الجيش من ذى طوى، وكانت راية رسول الله ﷺ يومئذ مع سعد بن عبادة رضى الله عنه، فأمر رسول الله صلّى الله
عليه وسلّم الزبير بن العوّام، وكان على المجنّبة اليسرى أن يدخل فى بعض الناس من كدى، وأمر سعد بن عبادة أن يدخل ببعض الناس من كدء، فلمّا وجّه سعد للدخول قال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، وفى رواية تستحلّ الكعبة؛ فسمعها عمر بن الخطّاب رضى الله عنه فقال: يا رسول الله، اسمع ما قال سعد بن عبادة، ما نأمن أن يكون له فى قريش صولة، فقال رسول الله ﷺ لعلىّ بن أبى طالب: «أدركه فخذ الراية منه، فادخل أنت بها». حكاه ابن إسحاق.
وقال محمد بن سعد: إنّ رسول الله ﷺ أخذ الراية من سعد ودفعها لابنه قيس بن سعد.
وذكر يحيى بن سعد الأموىّ فى السّير: أن سعد بن عبادة لمّا أخذ الراية مرّ على أبى سفيان، فقال سعد إذ نظر إليه: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا، فأقبل رسول الله ﷺ فى كتيبة الأنصار حتّى إذا حاذى أبا سفيان ناداه: يا رسول الله، أمرت بقتل قومك؟
فإنه زعم سعد ومن معه حين مرّ بنا أنه قاتلنا، وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا؛ وإنى أنشدك الله فى قومك، فأنت أبرّ الناس وأوصلهم وأرحمهم.
وقال عثمان وعبد الرحمن بن عوف: يا رسول الله، والله ما نأمن سعدا أن تكون منه فى قريش صولة؛ فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا سفيان، اليوم يوم المرحمة، اليوم أعزّ الله فيه قريشا». وقال ضرار بن الخطّاب الفهرىّ يومئذ:
يا نبىّ الهدى إليك لجا حىّ قريش ولات حين لجاء
حين ضاقت عليهم سعة الأرض وعاداهم إله السّماء
والتقت حلقتا البطان على القومونودوا بالصيلم الصّلعاء
إنّ سعدا يريد قاصمة الظهربأهل الحجون والبطحاء
خزرجىّ لو يستطيع من الغيظرمانا بالنّسر والعوّاء
وغر الصّدر لايهمّ بشىءغير سفك الدّما وهتك النساء
قد تلظّى على البطاح وجاءتعنه هند بالسّوءة السّوآء
إذ ينادى بذلّ حىّ قريشوآبن حرب بدا من الشّهداء
فائن أقحم اللواء ونادىيا حماة اللّواء أهل اللّواء
ثم ثابت إليه من بهم الخزرج والأوس أنجم الهيجاء
لتكوننّ بالبطاح قريشفقعة القاع فى أكفّ الإماء
فانهينه فإنّه أسد الأسد لدى الغاب والغ فى الدماء
إنّه مطرق يريد لنا الأمر سكوتا كالحيّة الصّمّاء
قال: فأرسل رسول الله ﷺ إلى سعد بن عبادة فنزع اللواء من يده، وجعله بيد قيس ابنه، ورأى رسول الله ﷺ أن اللواء لم يخرج
عنه إذ صار إلى ابنه، وأبى سعد أن يسلّم اللواء إلّا بأمارة من رسول الله ﷺ، فأرسل إليه رسول الله ﷺ بعمامته، فعرفها سعد، فدفع اللواء إلى ابنه قيس.
قال: وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد، وكان على المجنّبة اليمنى، أن يدخل ببعض الناس من اللّيط أسفل مكّة، وكان معه: أسلم، وسليم وغفار، ومزينة، وجهينة، وقبائل من العرب، وأقبل أبو عبيدة بن الجرّاح بالصفّ من المسلمين ينصبّ لمكّة بين يدى رسول الله ﷺ، ودخل رسول الله ﷺ من أذاخر، حتى نزل بأعلى مكة، وضربت له هناك قبّة، ونهى عن القتال، وعبر أصحاب رسول الله ﷺ من الأماكن التى أمرهم ﷺ أن يدخلوا منها، لم يلقوا كيدا، إلّا خالد بن الوليد فإن صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبى جهل، وسهيل بن عمرو جمعوا جمعا من قريش، ووقفوا بالخندمة ليقاتلوا خالد بن الوليد، ويمنعوه من الدخول، وشهروا السلاح وروموا بالنّبل، فصاح خالد فى أصحابه وقاتلهم، فقتل أربعة وعشرون رجلا من قريش، وأربعة نفر من هذيل، وانهزموا أقبح هزيمة، فلما ظهر رسول الله ﷺ على ثنيّة أذاخر رأى البارقة فقال: «ألم أنه عن القتال» ؟ فقيل:
يا رسول الله، إنّ خالد بن الوليد قوتل فقاتل؛ فقال: «قضاء الله خير»، وقتل من المسلمين رجلان كانا سلكا طريقا غير طريق خالد فقتلا، وهما كرز بن جابر الفهرىّ، وحبيش بن خالد الخزاعىّ. قاله محمد بن سعد.
وقال ابن إسحاق: قتل من المشركين يومئذ اثنا عشر أو ثلاثة عشر رجلا. وقال:
وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بنى بكر يعدّ سلاحا ويصلح منه قبل دخول رسول الله ﷺ، فقالت له امرأته: لماذا تعدّ ما أرى؟ قال:
لمحمد وأصحابه، قالت: والله ما أراه يقوم لمحمّد وأصحابه شىء؛ قال: والله إنى لأرجو أن أخدمك بعضهم، ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فمالى علّههذا سلاح كامل وألّه
وذو غرارين سريع السّلّة
ثم شهد يوم الخندمة، فلما انهزم القوم دخل على امرأته وقال: أغلقى علىّ بابى؛ قالت: فأين الذى كنت تقول؟ فقال:
إنّك لو شهدت يوم الخندمةإذ فرّ صفوان وفرّ عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمةواستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كلّ ساعد وجمجمةضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمهلا تنطقى فى اللّوم أدنى كلمه
قال ابن هشام: ويروى للرعّاش الهذلىّ.
وكان ممن فرّ يومئذ هبيرة بن أبى وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو زوج أمّ هانئ بنت أبى طالب أخت علىّ لأبويه؛ فأسلمت، وهرب هبيرة إلى نجران، وقال معتذرا من فراره:
لعمرك ما ولّيت ظهرى محمّداوأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكننى قلّبت أمرى فلم أجدلسيفى غناء إن ضربت ولا نبلى
وقفت فلمّا خفت ضيعة موقفىرجعت لعود كالهزير إلى الشّبل
قال ابن هشام: وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف: شعار المهاجرين: يا بنى عبد الرحمن، وشعار الخزرج:
يا بنى عبد الله، وشعار الأوس: يا بنى عبيد الله؛ وكان الفتح يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع