تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر سريّة خالد بن الوليد إلى بنى جذيمة بن عامر ابن عبد مناة بن كنانة، وهو يوم الغميصاء

قالوا: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزّى، ورسول الله ﷺ مقيم بمكة، بعثه فى شوّال إلى بنى جذيمة بن عامر، وكانوا أسفل مكة على ليلة منها بناحية يلملم؛ داعيا إلى الإسلام، ولم يبعثه مقاتلا، فخرج فى ثلاثمائة وخمسين رجلا من المهاجرين والأنصار وبنى سليم، فانتهى إليهم خالد بن الوليد، فقال: ما أنتم؟

قالوا: مسلمون، قد صلّينا وصدّقنا بمحمد، وبنينا المساجد فى ساحاتنا، وأذّنّا فيها؛ قال: فما بال السلاح عليكم؟ فقالوا: إنّ بيننا وبين بعض العرب عداوة، فخفنا أن تكونوا هم، فأخذنا السلاح؛ قال: فضعوا السلاح؛ قال:

فوضعوه، فقال لهم: استأسروا؛ فاستأسر القوم، فأمر بعضهم فكتف بعض وفرّقهم فى أصحابه، فلما كان فى السّحر نادى خالد: من كان معه أسير فليدافّه؛ أى فليجهز عليه بالسيف.

فأمّا بنو سليم فقتلوا من كان فى أيديهم، وأمّا المهاجرون والأنصار فأرسلوا أساراهم، فبلغ النبىّ ﷺ ما صنع خالد، فقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد»؛ وبعث علىّ بن أبى طالب فودى لهم قتلاهم وما ذهب منهم.

وقد حكى أبو الفرج على بن الحسين الأصفهانى، خبر هذه السريّة فى قصة عبد الله بن علقمة أحد بنى عامر بن عبد مناة بن كنانة وخبر مقتله، وذكر خبره مع حبيشة، فروى بسند رفعه إلى ابن دأب قال: كان من حديث عبد الله بن علقمة أنه خرج مع أمه وهو إذ ذاك يفعة: دون المحتلم، لتزور جارة لها، وكانت لها بنت يقال لها: حبيشة إحدى بنات عامر بن عبد مناة، فلما رآها عبد الله بن علقمة أعجبته ووقعت فى نفسه؛ فانصرف وترك أمّه عند جارتها، فبقيت عندها يومين، ثم أتاها ليرجعها إلى منزله، فوجد حبيشة قد زيّنت لأمر كان فى الحىّ، فازداد بها عجبا، وانصرف بأمّه فى غداة تمطر، فمشى معها وجعل يقول:

فما أدرى بلى إنّى لأدرىأصوب القطر أحسن أم حبيش
حبيشة والذى خلق الهداياوما إن عندها للصبّ عيش

قال: فسمعت ذلك حبيشة، فتغافلت عنه، وكرهت قوله، ثم مشى مليّا فإذا هو بظبى على ربوة من الأرض، فقال:

يا أمّتا خبّرينى غير كاذبةوما يريد مسول الحق بالكذب
أأنت أحسن أم ظبى برابيةلابل حبيشة فى عينى وفى أربى

قال: فزجرته أمّه، وقالت: ما أنت وهذا، أنا مزوّجتك بنت عمّك، فهى أجمل من تلك، وأتت امرأة عمّه فأخبرتها خبره وقالت: زيّنى ابنتك له، ففعلت وأدخلتها عليه، فلما رآها أطرق، فقالت له أمّه: أيهما الآن أحسن؟

فقال:

إذا غيّبت عنّى حبيشه مرّةمن الدهر لم أملك عزاء ولا صبرا
كأنّ الحشا حرّ السعير يحشّهوقود الغضى فالقلب مضطرم جمرا

قال: وجعل يراسل الجارية وتراسله، حتى علقته كما علقها، وكثر قوله الشعر فيها، فمن ذلك قوله:

حبيشة هل جدّى وجدّك جامعبشملكم شملى وأهلكم أهلى؟
وهل أنا ملتّف بثوبك مرّةبصحراء بين الأيكتين إلى النّخل؟
ومرتشف من ريق ثغرك مرّةكراح ومسك خالطا عسل النّحل

فلما بلغ أهلها خبره، حجبوها عنه مدّة، وهو يزيد غراما بها، ويكثر قوله الشعر فيها، فأتوها فقالوا لها: عديه السّرحة، فإذا أتاك فقولى له: نشدتك الله إن أحببتنى فما على الأرض شىء أبغض إلىّ منك، ونحن قريب نسمع ما تقولين؛ فواعدته، وجلسوا قريبا يسمعون، وجلست عند السرحة، وأقبل عبد الله لموعدها، فلمّا دنا منها دمعت عينها، والتفتت حيث أهلها جلوس، فعرف أنهم قريب، فرجع، وبلغه ما أمروها به أن تقوله، فأنشأ يقول:

فلو قلت ما قالوا لزدت جوى جوعلى أنه لم يبق ستر ولا صبر
ولم يك حبّى عن نوال بذلتهفيسلينى عنك التجلّد والهجر
وما أنس م الأشياء لم أنس دمعهاونظرتها حتى يغيّبنى القبر

قال: وبعث النبىّ ﷺ على أثر ذلك خالد بن الوليد إنى بنى عامر، وأمره أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلّا قاتلهم، فصبحهم خالد بالغميصاء وقد علموا به وخافوه، وكانوا قد قتلوا الفاكه بن الوليد وعمّه الفاكه بن المغيرة فى الجاهلية، فلمّا صبحهم خالد ومعه بنو سليم وهم يطلبونهم بمالك ابن خالد بن صخهر بن الشريد، وإخوته كرز وعمرو والحارث، وكانوا قتلوهم فى موطن واحد. فلما صبحهم خالد ورأوا معه بنى سليم زادهم ذلك نفورا، فقال لهم خالد: أسلموا، فقالوا: نحن مسلمون؛ قال: فألقوا سلاحكم وانزلوا، قالوا: لا والله؛ فقال لهم حذيم بن الحارث أحد بنى أقرم: يا قوم، لا تلقوا سلاحكم، فو الله ما بعد وضع السلاح إلّا القتل؛ قالوا: والله لا نلقى سلاحنا ولا ننزل، فما نحن لك ولا لمن معك بآمنين؛ قال خالد: فلا أمان لكم؛ فنزلت فرقة منهم فأسروهم، وتفرّق بقيّة القوم فرقتين؛ فأصعدت فرقة وسفلت أخرى.

قال ابن دأب: فأخبرنى من لا أتّهم عن عبيد الله بن أبى حدود الأسلمىّ قال: كنت يومئذ فى جند خالد، فبعثنا فى إثر ظعن مصعدة يسوق بها فتية، فقال:

أدركوا أولئك؛ فخرجنا فى أثرهم حتى أدركناهم، فمضوا ووقف لنا غلام على الطريق، فلما انتهينا إليه جعل يقاتلنا ويرتجز ويقول:

أرخين أطراف الذّيول وارتعنمشى حييّات كأن لم يفزعن

إن يمنع اليوم نساء تمنعن

فقاتلنا طويلا، فقتلناه ومضينا، حتى لحقنا الظّعن، فخرج إلينا غلام كأنه الأوّل، فجعل يقاتلنا ويقول:

أقسم ما إن خادر ذو لبدةيرزم بين أيكة ووهده
يفرس ثنيان الرجال وحدهبأصدق الغمداة منّى نجده

فقاتلناه حتى قتلناه، وأدركنا الظّعن، وإذا فيهن غلام وضىء به صفرة فى لونه كالمنهوك، فربطناه بحبل، وقدّمناه لنقتله، فقال: هل لكم فى خير؟ قلنا:

ما هو؟ قال: تدركون بى الظعن أسفل الوادى ثم تقتلوننى؛ قلنا: نفعل؛ فخرجنا حتى نعارض الظّعن بأسفل الوادى، فلمّا كان بحيث يسمعون الصوت، نادى بأعلى صوته: اسلمى حبيش، عند فقد العيش؛ فأقبلت إليه جارية بيضاء حسناء؛ فقالت: وأنت فأسلم على كثرة الأعداء، وشدّة البلاء؛ قال: سلام عليك دهرا، وإن بقيت عصرا؛ فقالت: وأنت سلام عليك عشرا، وشفعا ووترا، وثلاثة تترى؛ فقال:

إن يقتلونى يا حبيش فلم يدعهواك لهم منّى سوى غلّة الصدر
فأنت الّتى أخليت لحمى من دمىوعظمى وأسبلت الدموع على نحرى

فقالت له:

ونحن بكينا من فراقك مرّةوأخرى وآسيناك فى العسر واليسر
وأنت فلا تبعد فنعم فتى الهوىجميل العفاف والمودّة فى ستر

فقال لها:

أريتك إن طالبتكم فوجدتكمبحرّة أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشقتكلّف إدلاج السّرى والودائق»

فقالت: بلى والله، فقال:

فلا ذنب لى قد قلت إذ نحن جيرةأثيبى بودّ قبل إحدى الصّفائق
أثيبى بودّ قبل أن تشحط النّوىوينأى الخليط بالحبيب المفارق

قال ابن أبى حدود: فقدّمناه فضربنا عنقه، فاقتحمت الجارية من خدرها حتى أهوت نحوه، فالتقمت فاه، فنزعنا منها رأسه، وإنها لتتبّع نفسها حتى ماتت مكانها، وأفلت من القوم غلام من بنى أقرم يقال له السّميدع حتى اقتحم على رسول الله ﷺ، فأخبره ما صنع خالد وشكاه. قال ابن دأب:

فأخبرنى صالح بن كيسان أن رسول الله ﷺ قال: «هل أنكر عليه أحد ما صنع» ؟ قال: نعم، رجل أصفر ربعة، ورجل طويل أحمر؛ فقال عمر رضى الله عنه: أنا والله يا رسول الله أعرفها، أمّا الأوّل فهو ابنى، وأمّا الآخر فمولى أبى حذيفة، وكان خالد قد أمر كلّ من أسر أسيرا أن يقتله، فأطلق عبد الله بن عمر وسالم مولى أبى حذيفة أسيرين كانا معهما، فبعث رسول الله ﷺ علىّ بن أبى طالب بعد فراغه من حنين، وبعث معه بإبل وورق، وأمره أن يديهم، فوادهم. ورجع إلى رسول الله ﷺ، فسأله، فقال:

قدمت عليهم فقلت لهم: هل لكم أن تقبلوا هذا بما أصيب منكم من القتلى والجرحى، وتحلّلوا رسول الله ﷺ ممّا علم وممّا لم يعلم؟، فقالوا:

نعم، قال: فدفعته إليهم، وجعلت أديهم حتى إنّى لأدى ميلغ الكلب،

وفضلت فضلة فدفعتها إليهم، فقال رسول الله ﷺ: «أقبلوها» ؟

قلت: نعم؛ قال: «فو الذى أنا عبده لذاك أحبّ إلىّ من حمر النّعم».

وروى أبو الفرج أيضا بسند رفعه إلى عمر بن شبّة، قال: قالوا: يروى أن خالدا أتى النبىّ ﷺ فسئل عن غزاته بنى جذيمة، فقال:

إن أذن رسول الله ﷺ تحدّثت، فقال: «تحدّث»، فقال:

لقيناهم بالغميصاء بعد وجه الصبح، فقاتلناهم حتى كاد قرن الشمس يغيب، فمنحنا الله ﷿ أكتافهم، فاتبعناهم نطلبهم، فإذا غلام له ذوائب على فرس فى أخريات الناس، فبوّأت له الرمح فوضعته بين كتفيه. فقال: لا إله، فقبضت الرمح، فقال: إلّا اللّات أحسنت أو أساءت، فهشمته هشمة أرديته بها، ثم أخذته أسيرا، فشددته وثاقا، ثم كلّمته فلم يكلّمنى، واستخبرته فلم يخبرنى؛ فلما كان ببعض الطريق رأى نسوة من بنى جذيمة يسوق بهنّ المسلمون، فقال:

يا خالد، فقلت: ما تشاء؟ فقال: هل أنت واقفى على هذه النسوة؟ فأبيت، فآلى علىّ أصحابى، ففعلت، وفيهنّ جارية تدعى حبيشة، فقال: لها: ناولينى يدك، فناولته يدها فى ثوبها، فقال: اسلمى حبيش. قبل نفاد العيش. فقالت: حييّت عشرا، وتسعا تترى، وثمانيا أخرى، فقال:

أريتك إذ طالبتكم فوجدتكمبنخلة أو أدركتكم بالخوانق
ألم يك حقّا أن ينوّل عاشقتكلّف إدلاج السّرى والودائق

فقالت: بلى، فقال:

فقد قلت إذ أهلى وأهلك جيرةأثيبى بودّ قبل إحدى الصّفائق
أثيبى بودّ قبل أن تشحط النّوىوينأى الأمير بالحبيب المفارق
فإنى لا ضيعت سرّ أمانةولا راق عينى بعد عينك رائق

قال خالد: فغاظنى ما رأيت من غزله وشعره فى حاله تلك، فقدّمته فضربت عنقه، فأقبلت الجارية تسعى حتى أخذت برأسه فوضعته فى حجرها، وجعلت ترشفه وتقول:

لا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكاولا يبعدنّ المدح مثلك من مثلى
ولا تبعدن يا عمرو حيّا وهالكافقد عشت محمود الثّنا ماجد الفعل
فمن لطراد الخيل تشجر بالقناوللنّحر يوما عند قرقرة البزل

فما زالت تبكى وتردّد هذه الأبيات حتى ماتت، وإنّ رأسه لفى حجرها، فقال رسول الله ﷺ: «لقد وقفت لى يا خالد وإن سبعين ملكا لمطيفون بك يحضّونك على قتل عمرو حتى قتلته». والله أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.