من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
وأمّا عمرة القضاء
فقد أوردها بعض أهل السّير فى الغزوات، وترجم عليها: «عمرة القضيّة»، وحجّة من أوردها فى الغزوات أنه ﷺ خرج معه السلاح، ولم يخرج به
صلى الله عليه وسلّم لقصد الغزاة، وإنما خرج به احتياطا. وكان من خبر هذه العمرة أن رسول الله ﷺ لما استهل هلال ذى القعدة سنة سبع من مهاجره أمر أصحابه أن يعتمروا قضاء لعمرتهم التى صدّهم المشركون عنها بالحديبية، وألا يتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منها إلا من مات أو قتل بخيبر، وخرج مع رسول الله ﷺ قوم من المسلمين عمّارا ممن لم يشهدا الحديبية، فكانوا فى عمرة القضيّة ألفين، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا ذر الغفارىّ، حكاه ابن سعد- وقال ابن إسحاق:
عويف بن الأضبط الدّيلىّ- وساق ﷺ ستّين بدنة، وجعل على هدية ناجية بن جندب الأسلمىّ.
قال ابن سعد: وحمل رسول الله ﷺ السلاح والبيض والدّروع والرماح، وقاد مائة فرس، فلما انتهى إلى ذى الحليفة، قدّم الخيل أمامه، عليها محمد بن مسلمة، وقدم السلاح، واستعمل عليه بشير بن سعد، وأحرم ﷺ من باب المسجد، ولبّى والمسلمون معه يلبّون. ومضى محمد بن مسلمة فى الخيل إلى مرّ الظّهران فوجد بها نفرا من قريش، فسألوه، فقال: هذا رسول الله ﷺ يصبّح هذا المنزل غدا إن شاء الله، فأتوا قريشا بالخبر، ففزعوا، ونزل رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، وقدّم السلاح إلى بطن يأحج حيث [ينظر] إلى أنصاب الحرم، وخلّف عليه أوس بن خولىّ الأنصارى فى مائتى رجل، وخرجت قريش من مكة إلى رءوس الجبال، فقدّم رسول الله ﷺ الهدى أمامه، فحبس بذى طوى، وخرج على راحلته القصواء
والمسلمون متوشّحون السيوف، محدقون به ﷺ يلبّون، فدخل على الثنية التى تطلعه على الحجون، وعبد الله بن رواحة آخذ بزمام راحلته وهو يقول:
خلّوا بنى الكفّار عن سبيلهخلّوا فكلّ الخير فى رسوله
يا ربّ إنّى مؤمن بقيلهأعرف حقّ الله فى قبوله
نحن قتلناكم على تأويلهكما قتلناكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيلهويذهل الخليل عن خليله
قال ابن هشام: قوله «نحن قتلناكم على تأويله» إلى آخر الأبيات، لعمّار بن ياسر فى غير هذا اليوم.
قال ابن سعد: ولما ارتجز ابن رواحة قال له عمر بن الخطّاب: إيّها يابن رواحة! فقال رسول الله ﷺ: «يا عمر، إنى أسمع»؛ فأسكت عمر، وقال رسول الله ﷺ: «إيها يابن رواحة!، قل لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعزّ جنده، وهزم الأحزاب وحده»، فقالها ابن رواحة. ولم يزل رسول الله ﷺ يلبى حتى استلم الركن بمحجنه مضطبعا بثوبه، وطاف على راحلته، والمسلمون يطوفون معه وقد اضطبعوا بثيابهم، ثم طاف بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة قال: «هذا المنحر، وكلّ فجاج مكّة منحر»، فنحر عند المروة، وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون، وأمر رسول الله ﷺ ناسا منهم أن يذهبوا إلى أصحابهم ببطن يأجج فيقيموا على السلاح، ويأتى الآخرون فيقضوا نسكهم؛ ففعلوا، وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا. وتزوج ميمونة بنت الحارث الهلاليّة، فلما كان عند الظهر من اليوم الرابع أتاه سهيل بن عمرو وحويطب بن عبد العزّى
فقالا: قد انقضى أجلك، فاخرج عنّا، فأمر أبا رافع فنادى بالرحيل وقال: لا يمسينّ بها أحد من المسلمين، وأخرج عمارة بنت حمزة بن عبد المطلب من مكة، وركب رسول الله ﷺ حتى نزل سرف وتتامّ الناس إليه، وأقام أبو رافع بمكة حتى أمسى، فحمل إليه ميمونة، فبنى عليها ﷺ بسرف، ثم أدلج فسار حتى قدم المدينة، ﷺ تسليما كثيرا.
كمل الجزء السابع عشر من كتاب «نهاية الأرب فى فنون الأدب» للتويرىّ ﵀. ويليه الجزء الثامن عشر وأوّله: (وفادات العرب على رسول الله ﷺ.
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع