تجاوز إلى المحتوى

من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)

ذكر خبر سواد بن قارب

روى البيهقىّ رحمه الله تعالى بسنده عن البراء، قال: بينما عمر بن الخطاب رضى الله عنه يخطب الناس على منبر النبىّ ﷺ؛ إذ قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال: فلم يجبه أحد تلك السّنة، فلما كانت السّنة المقبلة،

قال: أيها الناس، أفيكم سواد بن قارب؟ قال فقلت: يا أمير المؤمنين، وما سواد ابن قارب؟ فقال: إنّ سواد بن قارب كان بدء إسلامه شيئا عجيبا! قال:

فبينا نحن كذلك؛ إذ طلع سواد بن قارب، فقال له عمر: يا سواد، أخبرنى ببدء إسلامك كيف كان؟ قال سواد: فإنّى كنت نازلا بالهند وكان لى رئىّ من الجنّ، قال: فبينا أنا ذات ليلة نائم؛ إذ جاءنى فى منامى ذلك، قال: قم فافهم واعقل إن كنت تعقل، قد بعث رسول من لؤىّ بن غالب، ثم أنشأ يقول:

عجبت للجنّ وأنجاسهاوشدّها العيس بأحلاسها
تهوى إلى مكّة تبغى الهدىما مؤمنوها مثل أرجاسها
فانهض إلى الصّفوة من هاشمواسم بعينيك إلى راسها

ثم أنبهنى وأفزعنى، وقال: يا سواد بن قارب، إنّ الله ﷿ بعث نبيا فانهض إليه تهتد وترشد، فلما كان فى الليلة الثانية أتانى فأنبهنى، ثم أنشا يقول كذلك:

عجبت للجنّ وتطلابهاوشدّها العيس بأقتابها
تهوى إلى مكة تبغى الهدىليس قداماها كأذنابها
فانهض إلى الصّفوة من هاشمواسم بعينيك إلى نابها

فلما كان فى الليلة الثالثة أتانى فأنبهنى، ثم قال كذلك:

عجبت للجنّ وتخبارهاوشدّها العيس بأكوارها
تهوى إلى مكة تبغى الهدىليس ذوو الشّرّ كأخيارها
فانهض إلى الصّفود من هاشمما مؤمنو الجنّ ككفّارها

قال: فلما سمعته يكرر ليلة بعد ليلة وقع فى قلبى حبّ الإسلام من أمر النبىّ ﷺ ما شاء الله، فانطلقت إلى رحلى فشددته على راحلتى، فما حللت نسعة ولا عقدت أخرى حتى أتيت النبىّ ﷺ، فإذا هو بالمدينة والناس عليه كعرف الفرس، فلما رآنى قال: «مرحبا بك يا سواد بن قارب، قد علمنا ما جاء بك» قال قلت: يا رسول الله قد قلت شعرا فاسمعه منى، قال سواد فقلت:

أتانى رئيىّ بعد ليل وهجعةولم يك فيما قد بلوت بكاذب
ثلاث ليال قوله كلّ ليلةأتاك نبىّ من لؤىّ بن غالب
فشمّرت عن ساقى الإزار ووسّطتبى الذّعلب الوجناء عند السّباسب
فأشهد أنّ الله لا شىء غيرهوأنّك مأمون على كلّ غائب
وأنّك أدنى المرسلين شفاعةإلى الله يابن الأكرمين الأطايب
فمرنا بما يأتيك يا خير من مشىوإن كان فيما جاء شيب الذّوائب
فكن لى شفيعا يوم لا ذو شفاعةسواك بمغن عن سواد بن قارب

قال: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال لى:

«أفلحت يا سواد» فقال عمر: هل يأتيك رئيّك الآن؟ فقال: منذ قرأت القرآن لم يأتنى، ونعم العوض كتاب الله ﷿ من الجنّ.

قال البيهقىّ: ويشبه أن يكون هذا هو الكاهن، الذى لم يذكر اسمه فى الحديث الصحيح، وهو الحديث الذى ذكرناه آنفا قبل خبر سواد.

وقد روى أيضا عن سواد بن قارب، من رواية سعيد بن جبير بنحو هذا، إلا أنه قال: كان سواد فى جبل من جبال الشّراة، وقال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بمكة، وقد ظهر، فأخبرته الخبر، وبايعته.

قال البيهقىّ ﵀: وقوله أتيت مكة أقرب إلى الصّحة [مما رويناه فى الروايتين الأوليين]. والله تعالى أعلم.

النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «نهاية الأرب في فنون الأدب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.