من «نهاية الأرب في فنون الأدب» لشهاب الدين النويري (ت ٧٣٣هـ)
إبراهيم بن رسول الله ﷺ
ولد فى ذى الحجة، سنة ثمان من الهجرة؛ قال أبو عمر بن عبد البر: ذكر الزّبير عن أشياخه، أن أمّ إبراهيم مارية ولدته بالعالية، فى المال الذى يقال له اليوم (مشربة إبراهيم) بالقفّ، وكانت قابلتها سلمى مولاة النبى ﷺ،
امرأة أبى رافع، فبشّر به أبو رافع النبىّ ﷺ، فوهب له عبدا، فلما كان يوم سابعه عقّ عنه بكبش وحلق رأسه؛ حلقه أبو هند، وسماه يومئذ، وتصدق بوزن شعره ورقا على المساكين، وأخذوا شعره فدفنوه فى الأرض.
وعن أنس قال قال رسول الله ﷺ: «ولد لى الليلة غلام فسميته باسم أبى إبراهيم» هذا يدل على أنه سمّاه فى وقت ولادته، قال الزبير: ثم دفعه إلى أمّ سيف امرأة قين بالمدينة، يقال له: أبو سيف، قال الزبير: وتنافست الأنصار فيمن يرضعه، فجاءت أمّ بردة بنت المنذر بن زيد الأنصارىّ، زوجة البراء بن أوس، فكلمت رسول الله ﷺ فى أن ترضعه، فكانت ترضعه بلبن ابنها فى بنى مازن بن النجار، وترجع به إلى أمّه، وأعطى رسول الله ﷺ أمّ بردة قطعة من نخل، فناقلت بها إلى مال عبد الله بن زمعة.
وتوفى إبراهيم فى شهر ربيع الأول سنة عشر، وقد بلغ ستة عشر شهرا؛ مات فى بنى مازن عند ظئره أمّ بردة، وهى خولة بنت المنذر بن لبيد، وغسّلته ودفن بالبقيع. وقال رسول الله ﷺ: «لو عاش لوضعت الجزية عن كل قبطىّ». وقال أيضا: «لو عاش إبراهيم ما رقّ له خال».
وفى حديث أنس بن مالك تصريح أن إبراهيم إنما مات عند ظئره أمّ سيف؛ فإنه يقول: فانطلق رسول الله ﷺ وانطلقت معه، فصادفنا أبا سيف ينفخ فى كيره، وقد امتلأ البيت دخانا، فأسرعت فى المشى بين يدى رسول الله
صلى الله عليه وسلّم، حتى أنتهيت إلى أبى سيف فقلت: يا أبا سيف، أمسك، جاء رسول الله ﷺ، فأمسك، فدعا رسول الله ﷺ بالصّبى فضمه إليه وقال ما شاء الله أن يقول، قال: فلقد رأيته يكيد بنفسه، فدمعت عينا رسول الله ﷺ، فقال: «تدمع العين ويحزن القلب ولا تقول إلا ما يرضى الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» وقال أبو عمر بن عبد البر: ثبت أن رسول الله ﷺ بكى على ابنه إبراهيم من غير رفع صوت، وقال: «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضى الربّ، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون». وعن عطاء، عن جابر قال: أخذ النبى ﷺ بيد عبد الرحمن بن عوف، فأتى به النخل، فإذا ابنه إبراهيم فى حجر أمّه وهو يجود بنفسه، فأخذه رسول الله ﷺ فوضعه فى حجره، ثم قال: «يا إبراهيم إنا لا نغنى عنك من الله شيئا»؛ ثم ذرفت عيناه، ثم قال:
«يا إبراهيم لولا أنه أمر حقّ ووعد صدق، وأن آخرنا سيلحق أوّلنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكى العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ». قالوا: ووافق موت إبراهيم كسوف الشمس، فقال قوم: إن الشمس انكسفت لموته، فخطبهم رسول الله ﷺ فقال:
«إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يخسفان لموت أحد ولا لحياته؛ فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة». وقال ﷺ حين توفّى إبراهيم: «إن له مرضعا فى الجنة تتم رضاعه». وصلّى عليه رسول الله ﷺ، وكبّر أربعا، قال ابن عبد البر: هذا قول جمهور العلماء،
وهو الصحيح، قال: وقد قيل إن الفضل بن عباس غسّل إبراهيم، ونزل فى قبره مع أسامة بن زيد، ورسول الله ﷺ جالس على شفير القبر، قال الزبير: ورشّ قبره، وأعلم فيه بعلامة، وهو أول قبر رشّ عليه.
فلنذكر بنات رسول الله ﷺ، ومن تزوجهنّ، وما ولدن ووفاتهنّ، وهنّ أربع:
النص من طبعة دار الكتب والوثائق القومية بالقاهرة، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع